عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا»، قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ ﵁، قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ ﵁؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا، فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ. قَالَتْ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ ﵁ يَخْطُبُنِي لَهُ، فَقُلْتُ: إِنَّ لِي بِنْتًا وَأَنَا غَيُورٌ، فَقَالَ: «أَمَّا ابْنَتُهَا فَنَدْعُو اللهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا، وَأَدْعُو اللهَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْغَيْرَةِ» (^١). رواه مسلم.
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
تصيبه مصيبة … هو: مطلق في أي مصيبة؛ في الأديان والأبدان والأموال.
أْجُرني في مصيبتي … أثِبني وأعطِني الأجر، واجعلني مأجورًا في مصيبتي.
وأخلف لي خيرًا منها … أي: عوِّضني خيرًا مما فاتني في هذه المصيبة.
غيور … شديدة الغيرة.
أول بيتٍ هَاجَر … من مكة إلى المدينة؛ موافقة لرسول الله ﷺ.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٩١٨).
(٢) ينظر: مرقاة المفاتيح للهروي (٣/ ١١٦٧)، والمفاتيح في شرح المصابيح للمظهري (٢/ ٤٢٠).
[ ٣٦٥ ]
التعليق:
هذا الحديث يبين فضيلة الصبر والاحتساب والاسترجاع عند المصائب، كما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
قال الهرري ﵀ (^١): (قال القرطبي: «فيقول ما أمره الله»: هذا تنبيه على قوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ الآية، مع أنه ليس فيها أمر بذلك القول، وإنما تضمنت مدحَ من قاله، فيكون ذلك القول مندوبًا، والمندوب مأمور به، أي: مطلوب، وإن جاز تركه. وقال أبو المعالي: لم يختلف الأصوليون في أن المندوب مطلوب، وإنما اختلفوا هل يسمى مأمورًا به.
قلت -أي: الهرري-: وهذا الحديث يدل على أنه يسمى بذلك، وقوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾؛ كلمة اعتراف بالملك لمستحقه، وتسليم له فيما يجريه في ملكه، وتهوين للمصيبات بتوقع ما هو أعظم منها، وبالثواب المرتَّب عليها، وتذكير المرجع والمآل الذي حكم به ذو العزة والجلال).
قال الزرقاني ﵀ (^٢): (قال أبو عمر: فينبغي لكل من أصيب بمصيبة أن يفزع إلى ذلك تأسيًا بكتاب الله وسنة رسوله. قال ابن جريج: ما يمنعه أن يستوجب على الله ثلاث خصال، كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها؛ صلوات الله، ورحمته والهدى.
ثم قال: وظاهر الأحاديث أن المأمور به قول ذلك مرة واحدة فورًا، وذلك في الصبر عند الصدمة الأولى.
_________________
(١) ينظر: الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم للهرري (١١/ ٩٩).
(٢) ينظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٢/ ١١٦)
[ ٣٦٦ ]
قالت أم سلمة: «فلما توفي أبو سلمة»: هو عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي ﵁، أخو النبي ﷺ من رضاع ثويبة، وابن عمته برَّة بنت عبد المطلب، كان من السابقين، شهد بدرًا، ومات في جمادى الآخرة سنة أربع بعد أحد.
وفي مسلم عن أم سلمة: دخل ﷺ على أبي سلمة ﵁ وقد شق بصرُه فأغمضَه، وقال: «إن الروحَ إذا قُبض تبعه البصر»، فضجَّ ناس من أهله، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون»، ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوِّر له فيه» (^١).
قلت ذلك المذكور من الاسترجاع وما بعده، ثم قلت: «ومن خير من أبي سلمة ﵁»، أي: قالته في نفسها ولم تحرك به لسانها، ولا أنكرت أنه ﷺ قال حقًّا، ولكن هو شيء يخطر بالقلب، وليس أحدٌ معصوما منه، ولو قال ذلك قائل لمنع العوض كما يمنع الذي يعجل بدعائه الإجابة، قاله أبو عبد الملك.
وفي مسلم: فلما مات قلت: «أيُّ المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ، ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسوله».
قال أبو عبد الله الأَبِّيُّ: المعنى بالنسبة إليها: فلا يكون خيرًا من أبي بكر وعمر؛ لأن الأخير في ذاته قد لا يكون خيرًا لها.
ويحتمل أن تعني أنه خيرٌ مطلقًا، فالإجماع على فضل أبي بكر إنما هو
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٩٢٠).
[ ٣٦٧ ]
فيمن تأخرت وفاته عن النبي ﷺ، أما من مات في زمنه ففيه خلاف، انتهى. والأول أولى، فالخلاف شاذ لا يعتد به).
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه وجوب الصبر عند المصائب وعدم الجزع.
ثانيًا: فيه فضيلة الاسترجاع عند المصيبة وفضيلة الذكر الوارد في هذا الحديث.
ثالثًا: فيه ذكر المرأة لمحاسن زوجها، وأنه في نظرها أفضل الرجال.
رابعًا: فيه تصديق خبر رسول الله ﷺ، ووقوع ما أخبر به النبي ﷺ.
خامسًا: فيه ذكر المخطوبة ما يُظنُّ أنه عيبٌ فيها؛ ليكون الخاطب على بينة من هذا الأمر، وكذلك على الخاطب أن يذكر ما فيه مما يمكن أن يؤثر على الحياة الزوجية، كأن يكون مدخِّنا فينبغي أن يذكر ذلك.
[ ٣٦٨ ]