عَنْ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا» (^١). رواه البخاري.
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
القائم على حدود الله … المعظم لها، الآمِر بالمعروف، والنَّاهي عن المُنكَر.
الواقع فيها … أي: التَّارِك للمعروف، المرتكِب للمنكر.
استهموا … أخَذَ كلُّ واحد منهم سهمًا، أي: نصيبًا من السَّفينة بالقُرعة.
استَقَوْا … طلبوا الماءَ العذبَ.
أخذوا على أيديهم … منَعوهم من الخَرْق.
نجَوْا … أي: الآخِذون.
ونجَوْا … أي: المأْخُوذون، وهكذا إن أُقيمت الحُدود تحصُل النَّجاة، وإلا هلَك العاصي بالمعصية، وغيرُهم بترك الإقامة.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٢٤٩٣).
(٢) ينظر: اللامع الصبيح للبرماوي (٧/ ٥١٢).
[ ٤٢٨ ]
التعليق:
هذا الحديث يبين القاعدة التي تقول: لا ضرر ولا ضرار، فليس هناك حرية مطلقة لأحد يفعل ما يشاء، بحجة أنه يتصرف في حدود ما يملك، ولذلك ذكر شرَّاح الحديث أنه إذا اشترك اثنان في بيت يتكون من طابقين مثلًا وهو ما عبروا عنه بالعلو والسفل، فإذا أراد صاحب السفل أن يهدم، وأراد صاحب العلوِّ أن يبني علوَّه، فليس لصاحب السفل أن يهدم السفل إلا من ضرورة، يكون هدمه له أرفق لصاحب العلو؛ لئلا ينهدم بانهدامه العلو، وليس لربِّ العلو أن يبني على علوِّه شيئًا لم يكن قبل ذلك إلا الشيء الخفيف الذي لا يضر بصاحب السفل، ولو تكسرت خشبة من سقف العلو، لأدخل مكانها خشبةً ما لم تكن أثقل منها، ويخاف ضررها على صاحب السفل، وذكروا في ذلك أحكامًا كثيرة (^١).
وهذا في شأن الدنيا، وأما في شأن الدين فالأمر أشد، فيجب على الجميع حفظ حدود الله تعالى، والأخذ على أيدي العابثين والمتلاعبين بأحكام الله، حتى لا تغرق السفينة، والله تعالى يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، قال ابن عباس ﵄: «أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب» (^٢)، وقال ابن كثير ﵀ (^٣): (يحذر تعالى عباده المؤمنين ﴿فِتْنَةً﴾، أي: اختبارًا ومحنة، يعم بها المسيء وغيره، لا يخص بها أهل المعاصي ولا من باشر الذنب، بل يعمهما، حيث لم تدفع وترفع).
_________________
(١) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٧/ ١٣).
(٢) ينظر: تفسير القرطبي (٧/ ٣٩١).
(٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٣٧).
[ ٤٢٩ ]
وفي الصحيحين عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث» (^١).
وفي السنن ومسند الإمام أحمد عن أبي بكر الصديق ﵁ مرفوعًا: «إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمُّهم الله بعقاب من عنده» (^٢).
وقال القرطبي عن حديث النعمان بن بشير ﵁ (^٣): (ففي هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة، وفيه استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال علماؤنا: فالفتنة إذا عملت هلك الكل؛ وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها، وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم، كما في قصة السبت حين هجروا العاصين وقالوا: لا نُساكنكم، وبهذا قال السلف ﵃؛ روى ابن وهب عن مالك أنه قال: تُهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارًا ولا يستقرّ فيها).
ولا يجب التغيير إلا على المستطيع الذي له قوة ومنعة وسلطة.
قال ابن عبد البر ﵀ (^٤): (هذا واضح في أنه لا يلزم التغيير إلا من القوة والعزة والمنعة وأنه لا يستحق العقوبة إلا من هذه حاله، وأما من ضعف عن
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٣٣٤٦)، ومسلم برقم (٢٨٨٠).
(٢) أخرجه أبو داود برقم (٤٣٣٨)، والترمذي برقم (٢١٦٨)، وابن ماجه برقم (٤٠٠٥)، وأحمد في المسند برقم (١).
(٣) ينظر: تفسير القرطبي (٧/ ٣٩٢).
(٤) ينظر: الاستذكار لابن عبد البر (٨/ ٥٨٦).
[ ٤٣٠ ]
ذلك فالفرض عليه التغيير بقلبه والإنكار والكراهة. قال عبد الله بن مسعود ﵁: بحسب المؤمن إذا رأى منكرًا لا يستطيع له تغييرًا أن الله يعلم من قلبه أنه له كاره).
من أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^١): (والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، وكل واحد من الأمة مخاطبٌ بقدر قدرته، وهو من أعظم العبادات، ومن الناس من يكون ذلك لهواه، لا لله.
وليس لأحد أن يزيل المنكر بما هو أنكر منه: مثل أن يقوم واحد من الناس يريد أن يقطع يد السارق، ويجلد الشارب، ويقيم الحدود؛ لأنه لو فعل ذلك لأفضى إلى الهرج والفساد؛ لأن كلَّ واحد يضرب غيره ويدعي أنه استحقَّ ذلك؛ فهذا مما ينبغي أن يقتصر فيه على ولي الأمر المطاع كالسلطان ونوابه.
وكذلك دقيق العلم الذي لا يفهمه إلا خواصُّ الناس، وجماع الأمر في ذلك بحسب قدرته، وإنما الخلاف فيما إذا غلب على ظن الرجل أن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لا يطاع فيه، هل يجب عليه حينئذ؟ على قولين: أصحهما: أنه يجب وإن لم يقبل منه، إذا لم يكن مفسدة الأمر راجحة على مفسدة الترك، كما بقي نوح ﵇ ألف سنة إلا خمسين عامًا ينذر قومه.
ولما قالت الأمَّة من أهل القرية الحاضرة البحر لواعظي الذين يعْدون في السبت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، أي: نقيم عذرَنا عند ربِّنا، وليس هداهم علينا، بل الهداية إلى الله (^٢)،
_________________
(١) ينظر: المستدرك على مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٣).
(٢) ينظر: زاد المسير لابن الجوزي (٢/ ١٦٣)، وتفسير القرطبي (٧/ ٣٠٦)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٤٩٤).
[ ٤٣١ ]
ومن لم يحب ما أحبه الله وهو المعروف ويبغض ما أبغضه الله تعالى وهو المنكر لم يكن مؤمنًا، فلهذا لم يكن وراء إنكار المنكر بالقلب حبة خردل من إيمان، ولا يمكن أن يحبَّ جميع المنكرات بالقلب إلا إن كان كافرًا، وهو الذي مات قلبه، كما سئل بعض السلف عن ميت الأحياء في قولهم:
ليس من مات فاستراح بميْتٍ … إنما الميْتُ ميِّتُ الأحياء
فقال: هو الذي لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، لكن من الناس من ينكر بعض الأمور دون بعض، فيكون في قلبه إيمان ونفاق، كما ذكر ذلك من ذكره من السلف؛ حيث قالوا: القلوب أربعة (^١):
قلبٌ أجرد فيه سراجٌ يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف فهو، قلب الكافر، وقلب منكوسٌ، فذلك قلب المنافق، وقلب فيه مادتان، مادة تمدُّه بالإيمان، ومادة تمدُّه بالنفاق، فذلك خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا.
وفي الجملة فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فإذا غلب على ظنه أن غيره لا يقوم به تعيَّن عليه ووجب عليه ما يقدر عليه من ذلك؛ فإن تركه كان عاصيًا لله ولرسوله ﷺ، وقد يكون فاسقًا وقد يكون كافرًا، وينبغي لمن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر أن يكون فقيها قبل الأمر، رفيقًا عند الأمر، ليسلك أقرب الطرق في تحصيله، حليما بعد الأمر، لأن الغالب أن لا بد أن يصيبه أذى كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].
_________________
(١) ورد مرفوعًا بسند ضعيف، أخرجه أحمد في المسند برقم (١١١٢٩)، والطبراني في الصغير برقم (١٠٧٥)، وورد موقوفًا عن حذيفة كما في مصنف ابن أبي شيبة برقم (٣٠٤٠٤)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (١/ ٢٧٦)، والإبانة الكبرى لابن بطة برقم (٩٢٩).
[ ٤٣٢ ]
من فوائد الحديث:
الأول: في الحديث جواز القرعة، وأنها سنة لكل من أراد العدل في القسمة بين الشركاء، لأنه ﷺ لم يذم المستهمين في السفينة، ولا أبطل فعلهم، بل رضيَه وضربه مثلًا لمن نجته نفسه من الهلكة في دينه والفقهاء متفقون على القول بها (^١).
الثاني: فيه عدم الإضرار بالآخرين، وألا يمكن من أراد ذلك.
الثالث: فيه أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حفظ وسلامة المجتمع.
الرابع: وفيه تعذيبُ العامة بذُنوب الخاصَّة، إذا فرطوا في نصحهم والأخذ على أيديهم.
_________________
(١) ينظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (١٦/ ٧٩).
[ ٤٣٣ ]