عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَا، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ».
معاني الكلمات (^١):
الكلمة … معناها
غيث … الغيث: هو المطر، وإنما اختار الغيث من بين سائر أسماء المطر ليؤذن باضطرار الخلق حينئذ إليه ﷺ كاضطرارهم إلى المطر، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨].
طائفة … أي: قطعة من الأرض.
الكلأ والعشب الكثير … العشب والكلأ والحشيش، كلها أسماء للنبات، لكن الحشيش مختص باليابس، والعشب والكلأ مقصورًا مختصان بالرطب، والكلأ بالهمز يقع على اليابس والرطب.
_________________
(١) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (١/ ٤١٠)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٧)، واللامع الصبيح للبرماوي (١/ ٣٩٧)، ومصابيح الجامع للدماميني (١/ ٢٠٦).
[ ١٧٩ ]
أجادب … من الجدب واليبس، وهي الأرض الصلبة التي تمسك الماء.
قيعان … جمع: قاع، وهي الأرض المستوية، وقيل: الملساء، وقيل: التي لا نبات فيها، وهذا هو المراد في هذا الحديث، كما صرح به ﷺ، ويجمع أيضًا على: أقوع وأقواع.
فقُه … أي: صار فقيهًا.
التعليق:
هذه أمثال ضربت:
فالأول: لمن يقبل الهدى ويعلم غيره فينتفع وينفع.
والثاني: لمن ينفع غيره بالعلم ولا ينتفع.
والثالث: لمن لا ينفع ولا ينتفع.
ويحتمل أن يشار بالطائفة الأولى إلى العلماء بالحديث والفقه، فإنهم حفظوا المنقول واستنبطوا، فعم نفعُهم.
ويشار بالطائفة الأخرى إلى من نقل الحديث ولم يفهم معانيه ولا تفقه، فهو يحفظ الألفاظ وينقلها إلى من ينتفع بها.
ويشار بالقيعان إلى من لم يتعلق بشيء من العلم (^١).
قال ابن القيم ﵀ في مفتاح دار السعادة (^٢): (شبه ﷺ العلم والهدى الذي جاء به بالغيث لما يحصل بكل واحد منهما من الحياة والمنافع والأغذية والأدوية وسائر مصالح العباد، فإنها بالعلم والمطر.
_________________
(١) ينظر: زاد المسير لابن الجوزي (١/ ٤١٠).
(٢) ينظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم (١/ ٦٠).
[ ١٨٠ ]
وشبه القلوب بالأراضي التي يقع عليها المطر، لأنها المحلُّ الذي يمسك الماء فينبت سائر أنواع النبات النافع، كما أن القلوب تعي العلم فيثمر فيها ويزكو وتظهر بركته وثمرته.
ثم قسم الناس إلى ثلاثة أقسام، بحسب قبولهم واستعدادهم لحفظه، وفهم معانيه، واستنباط أحكامه، واستخراج حِكَمه وفوائده:
أحدها: أهل الحفظ والفهم، الذين حفظوه وعقلوه، وفهموا معانيه، واستنبطوا وجوه الأحكام والحكم والفوائد منه، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي قبِلت الماء، وهذا بمنزلة الحفظ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وهذا هو الفهم فيه والمعرفة والاستنباط، فإنه بمنزلة إنبات الكلأ والعشب بالماء، فهذا مثل الحفاظ الفقهاء، أهل الرواية والدراية.
القسم الثاني: أهل الحفظ الذين رزقوا حفظه ونقله وضبطه، ولم يرزقوا تفقها في معانيه، ولا استنباطًا ولا استخراجًا لوجوه الحكم والفوائد منه، فهم بمنزلة من يقرأ القرآن ويحفظه، ويراعي حروفه وإعرابه، ولم يرزق فيه فهمًا خاصًّا عن الله، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: (إلَّا فهما يؤتيه الله عبدًا في كتابه) (^١).
والناس متفاوتون في الفهم عن الله ورسوله ﷺ أعظم تفاوت، فرُب شخص يفهم من النص حكمًا أو حكمين، ويفهم منه الآخر مائة أو مائتين، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس، فانتفعوا به، هذا
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٣٠٤٧) عن أبي جحيفة ﵁، قال: قلت لعلي ﵁: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: (لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة)، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: (العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر).
[ ١٨١ ]
يشرب منه، وهذا يسقي وهذا يزرع، فهؤلاء القسمان هم السعداء والأولون أرفع درجة وأعلى قدرًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
القسم الثالث: الذين لا نصيب لهم منه لا حفظًا ولا فهمًا، ولا رواية ولا دراية، بل هم بمنزلة الأرض التي هي قيعان، لا تنبت ولا تمسك الماء، وهؤلاء هم الأشقياء.
والقسمان الأولان اشتركا في العلم والتعليم كل بحسب ما قبِله، ووصل إليه، فهذا يَعلم ألفاظَ القرآن ويحفظها، وهذا يعلِّم معانيه وأحكامه وعلومه.
والقسم الثالث لا علم ولا تعليم، فهم الذين لم يرفعوا بهدى الله رأسًا، ولم يقبلوه، وهؤلاء شر من الأنعام، وهم وقود النار.
فقد اشتمل هذا الحديث الشريف العظيم على التنبيه على شرف العلم والتعليم، وعظم موقعه، وشقاء من ليس من أهله، وذكر أقسام بني آدم بالنسبة فيه إلى شقيهم وسعيدهم، وتقسم سعيدهم إلى سابق مقرب وصاحب يمين مقتصد.
وفيه دلالة على أن حاجة العباد إلى العلم كحاجتهم إلى المطر، بل أعظم، وأنهم إذا فقدوا العلم فهم بمنزلة الأرض التي فقدت الغيث.
قال الإمام أحمد ﵀: الناس محتاجون الى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب، لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين، والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس (^١).
_________________
(١) ينظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٣٩٠)، والآداب الشرعية لابن مفلح (٢/ ٤٤).
[ ١٨٢ ]
وقد قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ [الرعد: ١٧]، شبه سبحانه العلم الذي أنزله على رسوله ﷺ بالماء الذي أنزله من السماء؛ لما يحصل لكل واحد منهما من الحياة، ومصالح العباد في معاشهم ومعادهم، ثم شبه القلوب بالأودية؛ فقلبٌ كبير يسع علمًا كثيرًا، كوادٍ عظيم يسع ماءً كثيرًا، وقلبٌ صغير إنما يسع علمًا قليلًا، كوادٍ صغير إنما يسع ماء قليلًا، فقال: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾.
هذا مثل ضربه الله تعالى للعلم حين تخالط القلوب بشاشته، فإنه يستخرج منها زبدَ الشبهاتِ الباطلة، فيطفو على وجه القلب، كما يستخرج السيل من الوادي زبدًا يعلو فوق الماء.
وأخبر سبحانه أنه رابٍ يطفو ويعلو على الماء، لا يستقر في أرض الوادي، كذلك الشبهات الباطلة إذا أخرجها العلم، ربت فوق القلوب وطفت، فلا تستقر فيه، بل تجفى وترمى، فيستقر في القلب ما ينفع صاحبه والناس من الهدى ودين الحق، كما يستقر في الوادي الماء الصافي، ويذهب الزبد جُفاء، وما يعقل عن الله أمثاله إلا العالمون.
ثم ضرب سبحانه لذلك مثلًا آخر فقال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾، يعني: أن مما يوقد عليه بنو آدم من الذهب والفضة والنحاس والحديد يخرج منه خبثه، وهو الزبد الذي تلقيه النار وتخرجه من ذلك الجوهر بسبب مخالطتها، فإنه يقذف ويلقى به، ويستقر الجوهر الخالص وحده.
[ ١٨٣ ]
وضرب سبحانه مثلًا بالماء لما فيه من الحياة والتبريد والمنفعة، ومثلًا بالنار لما فيها من الإضاءة والإشراق والإحراق، فآيات القرآن تحيي القلوب كما تحيا الارض بالماء، وتحرق خبثها وشبهاتِها وشهواتِها وسخائمَها، كما تحرق النار ما يلقى فيها، وتميز جيِّدَها من زبدِها، كما تميز النار الخبث من الذهب والفضة والنحاس ونحوه منه.
فهذا بعض ما في هذا المثل العظيم من العبر والعلم قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
من فوائد الحديث:
أولًا: في هذا الحديث إشارة إلى وظيفة الرسول ﷺ وسبب بعثته، وهو هداية الخلق وتعليمهم ما ينفعهم وينجيهم.
وقد كانت الناس قبل بعثته ﷺ في جهل وضلال، امتحنوا بموت القلب، حتى أصابهم الله برحمة من عنده، وأغاثهم به ﷺ فأرسله إليهم رحمة.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، أي: لجميع الخلق: للمؤمنين بالهداية، وللمنافقين بالأمان من القتل، وللكافرين بتأخير العذاب، فهداهم به، وأزال ضلالهم، وعلم جاهلهم، وقوَّم مائلهم، وأحيا قلوبهم الميتة به، كما أحيا الأرض الميتة بالغيث المرسل إليها، وهذا يدل على شرفه وعلو قدره ﷺ عند الله (^١).
ثانيًا: فيه دلالة على أن حياة القلوب لا تكون إلا بالعلم، وأن العلم للقلوب
_________________
(١) ينظر: شرح البخاري للسفيري (٢/ ١٤٩).
[ ١٨٤ ]
بمنزلة الحياة للأبدان، لأن المطر يمثل الحياة، بل إن حاجة الإنسان للعلم أعظم من حاجته إلى المطر.
ثالثًا: فيه إشارة إلى شرف العلم والتعليم وعظيم موقعه، وأن المشتغل به مشتغل بما اشتغل به الرسل ﵈.
رابعًا: فيه إشارة إلى اختلاف عقول الناس وفهومهم، فمنهم الذي يحفظ الألفاظ، ولا يجتهد في فهم المعاني، ومنهم الذي يفهم المعاني، دون حفظ الألفاظ، ومنهم من جمع بين الحسنيين.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ (^١): (وفي هذا الحديث دليل على أن من فقه في دين الله، وعلم من سنة رسول الله ﷺ ما يعلم فإنه خير الأقسام، لأنه علم وفقه لينتفع وينفع الناس، ويليه من علم ولكن لم يفقه، يعني روى الحديث وحمله، لكن لم يفقه منه شيئًا، وإنما هو راوية فقط، يأتي في المرتبة الثانية في الفضل بالنسبة لأهل العلم والإيمان، القسم الثالث: لا خير له، رجل أصابه من العلم والهدى الذي جاء به النبي ﵊، ولكنه لم يرفع به رأسًا ولم ينتفع به، ولم يعلمه الناس، فكان -والعياذ بالله- كمثل الأرض السبخة التي ابتلعت الماء ولم تنبت شيئًا للناس، ولم يبق الماء على سطحها حتى ينتفع الناس به).
خامسًا: فيه إشارة إلى شقاء من لم ينتسب إلى أهل العلم، لا تعلمًا ولا حفظًا ولا تعليمًا، وأنه بمنزلة من لم يقبل ما جاء به النبي ﷺ من الهدى والرشاد.
_________________
(١) ينظر: شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (٢/ ٢٩٥).
[ ١٨٥ ]
سادسًا: في هذا الحديث دليل على حسن تعليم الرسول ﵊، وذلك بضرب الأمثال، لأن ضرب الأمثال الحسية يقرب المعاني العقلية، أي: ما يدرك بالعقل يقربه ما يدرك بالحس، وهذا مشاهد؛ فإن كثيرًا من الناس لا يفهم، فإذا ضربت له مثلًا محسوسًا فهم وانتفع، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨].
فضرب الأمثال من أحسن طرق التعليم ووسائل العلم (^١).
_________________
(١) ينظر: شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (٢/ ٢٩٥)، فقط الفائدة الأخيرة (سادسًا).
[ ١٨٦ ]