عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﵁ كان يقول عند الكرب: وفي رواية: إذا حَزَبَهُ أمر: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض، ورب العرش الكريم» (^١).
معاني الكلمات:
الكلمة … معناها
حَزَبَهُ أمر … أي: نابه، وهجم عليه، وألمَّ به أمر شديد (^٢).
التعليق:
هذا هو دعاء الكرب.
قال الطيبي ﵀ (^٣): (صُدِّر هذا الثناء بذكر الرب؛ ليناسب كشف الكرب، لأنه مقتضى التربية، وفيه التهليلُ المشتمل على التوحيد، وهو أصل التنزيهات الجلالية، والعظمة التي تدل على تمام القدرة، والحلم الذي يدل على العلم، إذ الجاهل لا يتصور منه حلم ولا كرم، وهما أصلُ الأوصاف الإكرامية.
وفي لفظ: كان النبي ﷺ يدعو عند الكرب يقول: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض، ورب العرش العظيم» (^٤).
وفي هذا دليل على أن الثناء قد يسمى دعاء.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٣٤٦)، ومسلم برقم (٢٧٣٠).
(٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ٤٨).
(٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ١٤٦).
(٤) أخرجه البخاري برقم (٦٣٤٥)، عن ابن عباس ﵄، واللفظ له.
[ ٥٩ ]
قال الحافظ ابن حجر ﵀ (^١): (قال الطبري: معنى قول ابن عباس ﵄: يدعو، وإنما هو تهليل وتعظيم يحتمل أمرين:
أحدهما: أن المراد تقديم ذلك قبيل الدعاء …، وفي الأدب المفرد (^٢) من طريق عبد الله بن الحارث، سمعت ابن عباس ﵄ فذكره، وزاد في آخره: «اللهم اصرف عني شره». قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش عن إبراهيم قال: كان يقال: إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء.
ثانيهما: ما أجاب به ابن عيينة فيما حدثنا حسين بن حسن المروزي، قال: سألت ابن عيينة عن الحديث الذي فيه: «أكثر ما كان يدعو به النبي ﷺ بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، الحديث، فقال سفيان: هو ذكر وليس فيه دعاء (^٣).
وقال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفَاني … حياؤُك إن شيمتَك الحياءُ
إذا أثنى عليك المرءُ يومًا … كفَاه من تعرُّضِك الثناءُ
قال سفيان: فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال، فكيف بالخالق؟
قلت: ويؤيد الاحتمال الثاني حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ رفعه: «دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله تعالى له».
_________________
(١) ينظر: فتح الباري (١١/ ١٤٧).
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد برقم (٧٠٢). وصححه الألباني.
(٣) ذكره البيهقي في فضائل الأوقات برقم (١٩٣).
[ ٦٠ ]
أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم، وفي لفظ للحاكم فقال رجل: أكانت ليونس خاصة أم للمؤمنين عامة؟، فقال رسول الله ﷺ: «ألا تسمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]» (^١).
وقال ابن بطال ﵀ (^٢): (حدثني أبو بكر الرازي قال: كنت بأصبهان عند أبي نعيم أكتب الحديث، وهناك شيخ يقال له: أبو بكر بن علي عليه مدار الفتيا، فسعي به عند السلطان فسجن، فرأيت النبي ﷺ في المنام وجبريل ﵇ عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لي النبي ﷺ: قل لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في صحيح البخاري حتى يفرج الله عنه، قال: فأصبحت فأخبرته، فدعا به فلم يكن إلا قليلًا حتى أُخرج). انتهى.
وأخرج بن أبي الدنيا في كتاب الفرج بعد الشدة له (^٣)، من طريق عبد الملك بن عمير، قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان: انظر الحسن بن الحسن فاجلده مائة جلدة، وأوقفه للناس، قال: فبعث إليه، فجيء به، فقام إليه علي بن الحسين فقال: يا ابن عم تكلم بكلمات الفرج يفرج الله عنك، فقالها فرفع إليه عثمان رأسه، فقال: أرى وجه رجل كُذب عليه، خلوا سبيله فسأكتب إلى أمير المؤمنين بعذره فأطلق.
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم (٣٥٠٥)، والنسائي في الكبرى برقم (١٠٤١٧)، والحاكم في المستدرك برقم (١٨٦٢، ١٨٦٥)، عن سعد بن مالك ﵁. وصححه الألباني.
(٢) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠/ ١٠٩)، والتوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٢٩/ ٢٧٥)، وفتح الباري لابن حجر (١١/ ١٤٧)، وعمدة القاري للعيني (٢٢/ ٣٠٣)، ودليل الفالحين لطرق رياض الصالحين للبكري (٧/ ٣٠٥).
(٣) ينظر: الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا (ص ٦٦)، برقم (٦٤).
[ ٦١ ]
وأخرج النسائي (^١) من طريق الحسن بن الحسن بن علي، قال: لما زوج عبد الله بن جعفر ابنته قال لها: إن نزل بك أمر فاستقبليه بأن تقولي: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين.
قال الحسن: فأرسل إليَّ الحجاج فقُلْتُهُن فقال: والله لقد أرسلتُ إليك وأنا أريد أن أقتلَك، فلأنت اليوم أحبُّ إلي من كذا وكذا، وزاد في لفظ: فسل حاجتك.
ومما ورد من دعوات الكربِ ما أخرجه أصحاب السنن (^٢) إلا الترمذي، عن أسماء بنت عميس، قالت: قال لي رسول الله ﷺ: «ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب: الله الله ربي لا أشرك به شيئًا». وأخرجه الطبري من طريق أبي الجوزاء عن بن عباس مثله.
ولأبي داود وصححه ابن حبان (^٣)، عن أبي بكرة رفعه: «دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا اله الا أنت».
من فوائد الحديث:
الأول: فيه أن الأنبياء كغيرهم من البشر يصيبهم الكرب والحزن الشديد، ولكن ذلك لا يكون بسبب دنيا فائتة، أو مغنم زائل، وإنما جل حزنهم وكربهم
_________________
(١) أخرجه النسائي في الكبرى برقم (١٠٤٠٤)، وفي عمل اليوم والليلة برقم (٦٤٣)، والخرائطي في مكارم الأخلاق برقم (١٠٤٤).
(٢) أخرجه أحمد في المسند برقم (٢٧٠٨٢)، وأبو داود برقم (١٥٢٥)، وابن ماجه برقم (٣٨٨٢)، والنسائي في الكبرى برقم (١٠٤٠٨).
(٣) أخرجه أبو داود برقم (٥٠٩٠)، وأحمد في المسند برقم (٢٠٤٣٠)، والبخاري في الأدب المفرد برقم (٧٠١)، وابن حبان في صحيحه برقم (٩٧٠). وحسنه الألباني.
[ ٦٢ ]
على هداية الخلق، وإعراض أكثرهم عن الحق، ولذلك قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وقال: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨].
الثاني: فيه فضيلة ذكر الله ﷿، وبخاصة عند الكرب والحزن، كما قال سبحانه: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
وقد ذكر ابن القيم ﵀ (^١): (أن الذكر: يزيل الهم والغم عن القلب، وأنه يجلب للقلب الفرح والسرور والبسط، وأنه يقوي القلب والبدن، وأنه ينور الوجه والقلب، وأنه يزيل الوحشة بين العبد وبين ربه ﵎، فإن الغافل بينه وبين الله ﷿ وحشة لا تزول إلا بالذكر).
الثالث: فيه فضيلة كلمة التوحيد وأن لها تأثيرًا كبيرًا في كشف الكروب، وإزالة الهم والغم والحزن.
الرابع: فيه فضيلة أسماء الله: العظيم والحليم والكريم، وتأثيرها في كشف الكرب، وزوال الهم والغم والحزن.
الخامس: فيه إشارة إلى أن العبد لا يستغني عن ربه طرفة عين، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، ولا مفر إلا إليه، وأنه ليس لها من دون الله كاشفة.
_________________
(١) ينظر: الوابل الصيب لابن القيم (ص ٤٢).
[ ٦٣ ]