عن كَعْبٍ بن مالك ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفِيئُهَا الرِّيحُ، تَصْرَعُهَا مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى، حَتَّى تَهِيجَ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ عَلَى أَصْلِهَا، لَا يُفِيئُهَا شَيْءٌ، حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً» (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
الخامة من الزرع … ورقة الزَّرع الغضة الرطبة، وهي أول ما ينبت منه يكون غضًّا طريًّا أو ضعيفًا.
تفيئها الريح … تُميلها.
تصرعها مرة … أَي: تلقيها.
وتعدلها أخرى … أي: تقيمها وترفعها.
تهيج … تيبس، يُقَال: هاج النَّبَات: إِذا يبس، وهاج: إِذا أصفرَّ أَيْضًا.
الأرزة … الأرزة: وَاحِدَة الْأرز، قَالَ أَبُو عبيد: (وَهِي شَجَرَة الصنوبر، والصنوبر ثَمَر الْأرز، ويُسمى: الشّجر صنوبرًا من أجل ثمره).
المجذية … الثَّابِتَة، يُقَال: أجذت تجذي، وجذت تجذو.
انجعافها … انقلاعها.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٥٦٤٣)، ومسلم برقم (٢٨١٠).
(٢) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٢/ ١٢٢)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ١٥١)، والتوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٢٧/ ٢٥٥).
[ ١٢٠ ]
التعليق:
يدل هذا الحديث على أن المؤمن كثير الآلام في بدنه أو أهله أو ماله، وذلك مكفر لسيئاته ورافع لدرجاته، وأما الكافر فقليلها وإن وقع به شيء لم يكفر شيئًا من سيئاته، بل يأتي بها يوم القيامة كاملة (^١).
قال الإمام ابن رجب ﵀ في غاية النفع في شرح حديث تمثيل المؤمن بخامة الزرع (^٢): (ففي هذا الحديث أن النبي ﷺ ضرب مثل المؤمن في إصابة البلاء لجسده بخامة الزرع التي تفيئها الريح يمنة ويسرة. والخامة: الرطبة من النبات.
وَمَثَّل المنافق والفاجر بالأرزة وهي الشجرة العظيمة التي لا تحركها الرياح ولا تزعزعها حتى يرسل الله عليها ريحًا عاصفًا فتقتلعها من الأرض دفعة واحدة.
ففي هذا فضيلة عظيمة للمؤمن بابتلائه في الدنيا في جسده بأنواع البلاء، وتمييز له على الفاجر والمنافق بأنه لا يصيبه البلاء حتى يموت بحاله فيلقى الله بذنوبه كلها فيستحق العقوبة عليها.
والنصوص في تكفير ذنوب المؤمن بالبلاء والمصائب كثيرة جدًّا، ففي الصحيحين عن عطاء بن يسار ﵁ عن أبي سعيد الخدري ﵁، وأبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما يصيب المؤمن: من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (^٣).
وفيهما أيضًا عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من
_________________
(١) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٥٣).
(٢) ينظر: مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٢١١ - ٢١٥) باختصار.
(٣) أخرجه البخاري (٥٦٤١، ٥٦٤٢)، ومسلم (٢٥٧٣).
[ ١٢١ ]
مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حاتَّ الله عنه خطاياه كما تحات ورق الشجر» (^١).
وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تزال البلايا بالعبد حتى تتركه يمشي على الأرض ما به خطيئة» (^٢).
وإنما يعرف قدر البلاء إذا كشف الغطاء يوم القيامة، كما في الترمذي عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم قرضت بالمقاريض في الدنيا» (^٣).
وفي سنن أبي داود عن عامر الرام ﵁ قال: جلست إلى النبي ﷺ فذكر الأسقام، فقال: «إن المؤمن إذا أصابه السقم ثم أعفاه الله منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه، وموعظة له فيما يستقبل، وإن المنافق إذا مرض ثم أعفي كان كالبعير، عقله أهله ثم أرسلوه، فلم يدْر لم عقلوه ولم أرسلوه»، فقال رجل ممن حوله: يا رسول الله! وما الأسقام؟ والله ما مرضت قط. قال: «قم عنا فلست منا» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٦٤٧ - ٥٦٤٨ - ٥٦٦٠ - ٥٦٦١ - ٥٦٦٧)، ومسلم (٢٥٧١).
(٢) أخرجه أحمد في المسند برقم (١٤٨١)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (٧٤٨١)، والترمذي برقم (٢٣٩٨). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه الترمذي برقم (٢٣٩٩)، وأحمد في المسند برقم (٧٨٥٩ - ٩٨١١)، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) أخرجه الترمذي برقم (٢٤٠٢) وقال: غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه، وحسنه الألباني.
(٤) أخرجه أبو داود برقم (٣٠٨٩)، قال المنذري في مختصر سنن أبي داود (٢/ ٣٥٩): في إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدم الكلام عليه، وضعفه الشيخ الألباني في أحاديث المشكاة برقم (١٥٧١).
[ ١٢٢ ]
وهذا كما قال للذي سأله عن الحمى فلم يعرفها: «من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا» (^١).
فجعل الفرق بين أهل الجنة وأهل النار إصابة البلاء والمصائب، كما جعل ذلك فرقًا بين المؤمنين والمنافقين والفجار في هذه الأحاديث المذكورة ها هنا.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن قيس بن أبي حازم ﵁ قال: طلَّق خالد بن الوليد ﵁ امرأته، ثم أحسن عليها الثناءَ، فقيل له: يا أبا سليمان، لأي شيء طلقتها؟ قال: ما طلقتها لأمر رابني منها، ولكن لم يصبها عندي بلاء (^٢).
وبإسناده عن عمار بن ياسر ﵁ أنه ذكر الأوجاع، فقال أعرابي عنده: ما اشتكيت قط، فقال عمار ﵁: ما أنت منا -أو لست منا- إن المسلم يبتلى ببلاء فتحط عنه ذنوبه كما تحط الشجرة اليابسة ورقها، وإن الكافر والفاجر يبتلى ببلاء، فمثله مثل البعير أُطلق، فلم يَدْر لِمَ أُطلق، وعُقل فلم يدْرِ لِمَ عُقل (^٣).
من فوائد الحديث:
قال الحافظ ابن رجب ﵀ (^٤): (واعلم أن تمثيل المؤمن بالزرع، الرعاع أتباع كل ناعق نذكر ما يسر الله منها:
_________________
(١) أخرجه النسائي في الكبرى برقم (٧٤٤٩)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَعْرَابِيٍّ: «هَلْ أَخَذَتْكَ أُمُّ مِلْدَمٍ قَطُّ؟» قَالَ: وَمَا أُمُّ مِلْدَمٍ؟ قَالَ: «حَرٌّ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ». قَالَ: مَا وَجَدْتُ هَذَا قَطُّ، قَالَ: «فَهَلْ أَخَذَكَ الصُّدَاعُ قَطُّ؟»، قَالَ: وَمَا الصُّدَاعُ؟ قَالَ: «عِرْقٌ يَضْرِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي رَأْسِهِ»، قَالَ: مَا وَجَدْتُ هَذَا قَطُّ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا»، وصححه الحاكم في المستدرك برقم (١٢٨٣).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (١٩٢٥٤)، ووالبيهقي في شعب الإيمان برقم (٩٤٤٧).
(٣) ينظر: شعب الإيمان برقم (٩٤٤٣).
(٤) ينظر: مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٢١٦ - ٢٢٤) باختصار.
[ ١٢٣ ]
الأول: فمنها أن الزرع ضعيف مستضعف والشجر قوي مستكبر متعاظم، فالشجر لا يضعف من حر ولا برد، ولا من كثرة ماء ولا من ريح، والزرع بخلاف ذلك، وهذا هو الفرق بين المؤمن والكافر، وبين أهل الجنة والنار.
كما في الصحيحين عن حارثة بن وهب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيفٍ متضعِّفٍ، لو أقسم على الله لأبرَّه، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتُلٍّ (^١) جواظٍ (^٢) مستكبر» (^٣).
وخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «تحاجت الجنة والنار فقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ وقالت النار: ما لي لا يدخلني إلا المتجبرون والمتكبرون» (^٤). الحديث.
وقد ورد في القرآن تشبيه المنافقين بالخشب المسندة مع حسن منظرهم، فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤].
فوصفهم بحسن الأجسام وتمامها، وحسن المقال وفصاحته، حتى يعجب من منظرهم من رآهم، ويسمع قولهم من سمعه سماعَ إصغاء وإعجاب به، ومع هذا فبواطنهم خراب ومعانيهم فارغة، فلهذا مثَّلهم بالخشب المسندة، التي لا روح لها ولا إحساس، وقلوبهم مع هذا ضعيفة في غاية الضعف: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ
_________________
(١) العتل: الجافي الشديد الخصومة بالباطل، وقيل: الجافي الفظ الغليظ.
(٢) الجواظ: هو الجموع المنوع، وقيل: الكثير اللحم المختال في مشيته.
(٣) أخرجه البخاري برقم (٤٩١٨)، ومسلم برقم (٢٨٥٣).
(٤) أخرجه البخاري برقم (٤٨٥٠)، ومسلم برقم (٢٨٤٦)، عن أبي هريرة ﵁.
[ ١٢٤ ]
صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾، لأنهم لما أضمروا خلاف ما أظهروا خافوا الاطلاع عليهم، فكلما سمعوا صيحة ظنوا أنها عليهم، وهكذا كل مريب يُظهر خلاف ما يضمر يخاف من أدنى شيء ويحسبه عليه.
وأما المؤمن فبعكس هذه الصفات، غالبهم مستضعفون في ظاهر أجسامهم ولباسهم وكلامهم؛ لأنهم اشتغلوا بعمارة قلوبهم وأرواحهم عن عمارة أجسادهم.
فقلوبهم ثابتة قوية عامرة، فيكابدون بها الأعمال الشاقة في طاعة الله من الجهاد والعبادات والعلوم وغيرها مما لا يستطيع المنافق مكابدته؛ لضعف قلبه، ولا يخافون من ظهورِ ما في قلوبهم إلا خشية الفتنة على نفوسهم، فإن بواطنهم خير من ظواهرهم، وسرهم أصلح من علانيتهم.
قال سليمان التيمي: أتاني آت في منامي فقال: يا سليمان إن قوة المؤمن في قلبه (^١).
ومن قوة قلب المؤمن وثباته أنه ثابت على الإيمان، فالإيمان الذي في قلبه مثله كمثل شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، فيعيش على الإيمان ويموت عليه ويبعث عليه، وإنما الرياح وهي بلايا الدنيا تقلب جسمه يمنة ويسرة، وكذلك قلبه لا تصل إليه الرياح؛ لأنه محروس بنور الإيمان.
_________________
(١) ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب المنامات، برقم (٨٤)، بلفظ: (يَا سُلَيْمَانُ الْمُؤْمِنُ فِي قَلْبِهِ). وقد ورد بلفظه عن شميط بن عجلان، قال: إن الله ﷿ جعل قوة المؤمن في قلبه، ولم يجعلها في أعضائه، ألا ترون الشيخ يكون ضعيفًا يصوم الهواجر، ويقوم الليل، والشباب يعجز عن ذلك، ينظر: شعب الإيمان برقم (٢٩٠٥)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٣/ ١٣٠)، وترتيب الأمالي الخميسية للشجري برقم (١٤٧٣)، وصفة الصفوة لابن الجوزي (٢/ ٢٠٢).
[ ١٢٥ ]
والكافر والمنافق بعكس ذلك، قوي جسمه، لا تقلبه رياح الدنيا، وأما قلبه فإنه ضعيف، تلاعب به الأهواء المضلة، فتقلبه يمنة ويسرة، فكذلك كان مثل قلبه كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، كشجر الحنظل ونحوه مما ليس له أصل ثابت في الأرض.
وقال علي ﵁ في صفة الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا منه إلى ركن وثيق (^١).
وبهذا يظهر الجمع بين حديث تمثيل المؤمن بخامة الزرع والفاجر بشجرة الأرز، وبين حديث تمثيل المؤمن بالنخلة (^٢). فإن التمثيل بالزرع لجسده؛ لتوالي البلاء عليه، والتمثيل بالنخلة إيمانه وعمله وقوله، يدل عليه قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، فجعلها مثلًا بكلمة الشهادة التي هي أصل الإسلام، وثبوتها في قلب المؤمن كثبوت أصل النخلة في الأرض، وارتفاع عمل المؤمن إلى السماء كارتفاع النخلة، وتجدد عمل المؤمن من كل حين كإتيان النخلة أكلها كل حين.
الثاني: ومنها أن المؤمن يمشي مع البلاء كيف ما مشى به، فيلين له، فيقلبه البلاء يمنة ويسرة، فكلما أداره استدار معه، فيكون عاقبته العافية من البلاء
_________________
(١) ينظر: حلية الأولياء لأبي نعيم (١/ ٧٩)، وترتيب الأمالي الخميسية للشجري برقم (٣٣٢).
(٢) كما في حديث ابن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي»، فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله ﵁: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله ﷺ، قال: «هي النخلة». أخرجه البخاري برقم (٦١)، ومسلم برقم (٢٨١١).
[ ١٢٦ ]
وحسن الخاتمة، وتوقي ميتة السوء، فلهذا كان مثله كمثل السنبلة تفيئها الرياح يمنة ويسرة، فلا تضره الرياح كما في أمثال العرب: إذا رأيت الريح عاصفًا فتطامن، أي: إذا رأيت الأمر غالبًا فاخضع له (^١).
الثالث: ومنها أن الزرع وإن كانت كل طاقة منه ضعيفة ضئيلة؛ إلا أنه يتقوى بما يخرج معه وحوله ويعتضد به بخلاف الشجر العظام، فإن بعضها لا يشدُّ بعضًا، وقد ضرب الله تعالى مثل نبيه ﷺ وأصحابه بالزرع، لهذا المعنى قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى﴾ [الفتح: ٢٩].
وقد قال ﷿: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
وقال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]، فالمؤمنون بينهم ولاية، وهي مودة ومحبة باطنة، كما قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]؛ لأن المؤمنين قلوبهم على قلب رجل واحد فيما يعتقدونه من الإيمان.
وأما المنافقون فقلوبهم مختلفة كما قال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]، فأهواؤهم مختلفة، ولا ولاية بينهم في الباطن، وإنما بعضهم من جنس بعض في الكفر والنفاق.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا». وشبك بين أصابعه (^٢).
وفيهما أيضًا عن النبي ﷺ قال: «مثل المؤمنين في توادهم
_________________
(١) ينظر: جمهرة الأمثال للعسكري (١/ ١٧٠).
(٢) أخرجه البخاري برقم (٤٨١)، ومسلم برقم (٢٥٨٥) عن أبي موسى ﵁.
[ ١٢٧ ]
وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائره بالحمى والسهر» (^١).
الرابع: ومنها أن الزرع ينتفع به بعد حصاده، فإنه يحصده أربابه، ثم يبقى منه بعد حصاده ما يلتقطه المساكين، وترعاه البهائم وتأكله الطير، وربما استخلف بعضه فأخرج منه ثانية، وبيع منه من الحب ما ينبت مرارًا.
وهكذا مثل المؤمن يموت ويُخلف ما ينتفع منه، من علم نافع وصدقة جارية وولد صالح ينتفع به.
وأما الفاجر فإنه إذا انقلع من الأرض لم يبق فيه نفع بل ربما أثر ضررًا، فهو: كالشجرة المنجعفة (^٢) لا تصلح إلا لوقيدِ النار.
الخامس: ومنها أن الزرع في حملِه مبارك، كما ضرب الله مثل حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء.
وليس كذلك الشجر؛ لأن كل حبة مما يغرس منه لا تزيد على نبات شجرة واحدة منها.
السادس: ومنها أن الحب الذي ينبت من الزرع هو قوت الآدميين، وغذاء أبدانهم، وسبب حياة أجسادهم، فكذلك الإيمان هو قوت القلوب وغذاء الأرواح وسبب حياتها، ومتى فقدته القلوب ماتت، وموت القلوب لا يرجى معه حياة أبدًا، بل هو هلاك الدنيا والآخرة، كما قيل:
ليس من مات فاستراح بميت … إنما الميْتُ ميِّتُ الأحياء
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٠١١)، ومسلم برقم (٢٥٨٦) عن النعمان بن بشير ﵁.
(٢) المنجعفة: المنقلعة.
[ ١٢٨ ]
فلذلك شبه المؤمن بالزرع حيث كان الزرع حياة الأجساد، والإيمان حياة الأرواح.
وأما ثمر بعض الأشجار العظام كالصنوبر ونحوه، فليس له كبير نفع، وربما لا يتضرر بفقده.
فكذلك مثَّل الفاجر أو المنافق بهذه الشجرة لقلة نفع ثمرها.
ولما كانت الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فصاحب السجن لا يزال في بلاء حتى يخرج منه، فإذا خرج من السجن أفضى إلى الرخاء والنعيم الدائم، وصاحب الجنة إذا خرج منها وقع في السجن الدائم.
وإذا صُبغ أنعمُ الناس -كان في الدنيا- صبغةً في العذاب، فقيل له: هل مر بك نعيم قط؟ قال: لا يا رب. وإذا صبغ أبأس الناس -في النعيم صبغة، ثم قيل له: هل مر بك بؤس قط؟ قال: لا يا رب (^١):
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي … ويذهب هذا كلُّه ويزول
لا يجد أهل الجنة من ألم نصب الدنيا شيئًا، بل ينقلب راحة أبدًا:
جميع آلام لسعِ النحل يذهبها … ما يجتني المجتني من لذة العسل
من طمع في الوصول إلى المعالي؛ صبر على مواصلة نصب النهار بسهر الليالي.
_________________
(١) يشير إلى قوله ﷺ: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا، والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا، من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا، والله يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط». أخرجه مسلم برقم (٢٨٠٧)، عن أنس بن مالك ﵁.
[ ١٢٩ ]
من أراد غدًا قربنًا؛ فليصبر اليوم على ألم ضربِنا، فما يحسُّ بألم من صدق في حبِّنا.
لابد من البلوى والاختبار ليتبين الصادق اليوم من الكاذب: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].
الراحة لا تنال بالراحة:
لولا المشقةُ ساد الناس كلُّهم … الجود يفقر والإقدام قتال
مراتب الدنيا لا تنال إلا بالصبر على البلاء في طلبها والمجاهدة، فكيف من أراد مقعد صدق عند مليك مقتدر:
كم صبروا حتى قدروا … كم غضوا حتى نظروا
ما وصلوا إلى المنزل إلا بعد طول السجن، ما نالوا لذة الراحة إلا بعد أن صبروا على المشقة).
[ ١٣٠ ]