عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^١).
ولفظ مسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٢)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٣).
وفي رواية للإمام أحمد ﵀ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» (^٤).
فزاد في رواية الإمام أحمد ﵀: «وما تأخر».
معاني الكلمات (^٥):
الكلمة … معناها
إيمانًا … أي: تصديقًا بأنه حق وطاعة.
واحتسابًا … أي: طلبًا لمرضاة الله تعالى وثوابه، لا بقصد رؤية الناس، ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٣٨)، ومسلم برقم (٧٦٠).
(٢) أخرجه مسلم برقم (٧٦٠).
(٣) أخرجه البخاري برقم (٣٧)، ومسلم برقم (٧٥٩).
(٤) أخرجه أحمد في المسند برقم (٩٠٠١)، وحسنه الحافظ العراقي في طرح التثريب (٤/ ١٦٠).
(٥) ينظر: طرح التثريب للحافظ العراقي (٤/ ١٦١)، وعمدة القاري للعيني (١/ ٢٢٦).
[ ٢٥٥ ]
والاحتسابُ من الحسْب وهو: العدُّ، كالاعتداد من العدِّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله: احتسبه؛ لأن له حينئذ أن يعتدَّ عمله، فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتدٌّ به.
التعليق:
هذه الأحاديث في فضل صيام رمضان وقيامه وقيام ليلة القدر، وللإمام ابن القيم ﵀ كلام جامع في كتابه زاد المعاد حول هدي النبي ﷺ في الصيام، والمقصود من الصيام، وفوائده، قال فيه (^١):
(فصل في هديه ﷺ في الصيام:
لما كان المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية، لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدَّتها وسوْرَتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين.
وتُضيَّقُ مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحُكْمِ الطبيعة فيما يضرُّها في معاشها ومعادها، ويسكن كل عضو منها وكل قوة عن جماحه وتُلجم بلجامِه، فهو لجامُ المتقين، وجُنَّةُ المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين.
وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئًا، وإنما يترك شهوتَه وطعامَه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارًا لمحبة الله ومرضاته، وهو سرٌّ بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه، والعباد قد
_________________
(١) ينظر: زاد المعاد لابن القيم (٢/ ٢٧).
[ ٢٥٦ ]
يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم.
وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة، وحِمْيتِها عن التخليط الجالب لها الموادَّ الفاسدةَ التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغِ المواد الرديئة المانعةِ لها من صحتها.
فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتَها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
وقال النبي ﷺ: «الصوم جُنَّةٌ» (^١).
وأمر من اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرةَ له عليه بالصيام، وجعله وجاء هذه الشهوة (^٢).
والمقصود أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة، شرعه الله لعباده رحمة بهم، وإحسانا إليهم وحميةً لهم وجُنَّة.
وكان هدي رسول الله ﷺ فيه أكمل الهدي، وأعظم تحصيل للمقصود، وأسهله على النفوس.
ولما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها، تأخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة، لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة، وأُلفت أوامر القرآن، فنُقِلت إليه بالتدريج.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٧٤٩٢) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري برقم (٥٠٦٥) ومسلم برقم (١٤٠٠) عن ابن مسعود ﵁.
[ ٢٥٧ ]
متى فُرض الصيام ومراحل تشريعه:
وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة، فتوفي رسول الله ﷺ وقد صام تسعَ رمضانات.
وفرض أولًا على وجه التخيير بينه وبين أن يُطعم عن كل يوم مسكينًا، ثم نقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم، وجعل الإطعام للشيخ الكبير والمرأة إذا لم يطيقا الصيام، فإنهما يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينًا، ورخص للمريض والمسافر أن يفطرا ويقضيا، وللحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما كذلك، فإن خافتا على ولديهما زادتا مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم، فإن فطرهما لم يكن لخوف مرض، وإنما كان مع الصحة فجبر بإطعام المسكين كفطر الصحيح في أول الإسلام.
وكان للصوم رتب ثلاث:
إحداها: إيجابه بوصف التخيير.
والثانية: تحتُّمه، لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعَم حرم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة.
فنسخ ذلك بالرتبة الثالثة، وهي التي استقر عليها الشرع إلى يوم القيامة.
الإكثار من العبادات في رمضان:
وكان من هديه ﷺ في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات، فكان جبريل يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريلُ أجود بالخير من الريح المرسلة: «وكان أجودَ الناس، وأجود ما يكون في رمضان» (^١)، يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف).
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (١٩٠٢)، ومسلم برقم (٢٣٠٨) عن ابن عباس ﵃.
[ ٢٥٨ ]
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ (^١) في قوله ﷺ: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا»: (والمراد بالإيمان: الاعتقاد بحقَّ فرضية صومه وبالاحتساب طلب الثواب من الله تعالى. وقال الخطابي: احتسابًا، أي: عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه بذلك غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه).
وقوله: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا»:
قال النووي ﵀ (^٢): (والمراد بقيام رمضان صلاة التراويح، واتفق العلماء على استحبابها واختلفوا في أن الأفضل صلاتها منفردًا في بيته أم في جماعة في المسجد، فقال الشافعي وجمهور أصحابه، وأبو حنيفة وأحمد ﵀ وبعض المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة، كما فعله عمر بن الخطاب ﵁ والصحابة ﵃، واستمر عمل المسلمين عليه، لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد، وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل فرادى في البيت لقوله ﷺ: «أفضل الصلاة؛ صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (^٣).
والقول الأول هو الذي عليه المسلمون كافة، في جميع الأقطار على مدى القرون.
وبالغ الطحاوي ﵀ فقال: إن صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية (^٤).
_________________
(١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٤/ ١١٥).
(٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (٦/ ٣٩).
(٣) أخرجه البخاري برقم (٧٣١)، ومسلم برقم (٧١٠)، عن زيد بن ثابت ﵁.
(٤) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٤/ ٢٥٢)، ونيل الأوطار (٣/ ٦٢).
[ ٢٥٩ ]
وقال الحافظ العراقي ﵀ (^١): (ليس المراد بقيام رمضان قيام جميع ليله بل يحصل ذلك بقيام يسير من الليل كما في مطلق التهجد، وبصلاة التراويح وراء الإمام كالمعتاد في ذلك، وبصلاة العشاء والصبح في جماعة، لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليلَ كلَّه»، رواه مسلم في صحيحه بهذا اللفظ (^٢).
وقوله: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابًا»:
ليلة القدر ليلة عظيمة اختص الله تعالى بها هذه الأمة، فأنزل فيها كتابه، وجعل العبادة فيها أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ١ - ٣].
قال القاضي ابن العربي ﵀ (^٣): (وأما قوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، ففي تأويل ذلك اختلاف على ثلاثة أقوال:
القول الأول: قيل: إن معنى ذلك أن العمل بما يرضي الله في تلك الليلة من صلاة وغيرها خير من العمل في غيرها ألف شهر.
القول الثاني: قيل: إن المعنى أن العمل في ليلة القدر خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وهو نحو ما تقدم؛ لأن فضيلة الليلة على ما سواها ليس بمعنى يختصُّ بها، حاشا تضعيف الحسنات فيها.
_________________
(١) ينظر: طرح التثريب للحافظ العراقي (٤/ ١٦١).
(٢) أخرجه مسلم برقم (٦٥٦) عن عثمان بن عفان ﵁.
(٣) ينظر: المسالك شرح موطأ مالك لأبي بكر بن العربي (٤/ ٢٦٤).
[ ٢٦٠ ]
القول الثالث: قيل: إنه كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل ويصوم النهار، ففعل ذلك ألف شهر، فتمنى النبي ﷺ أن يكون ذلك في أمته. فقال: «يا رب جعلت أعمار أمتي أقصر الأعمار، وأقل الأعمال»، فأعطاه الله ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، يريد خير من تلك الألف شهر التي قامها الإسرائيلي، وهذا معنى حديث مالك (^١)؛ أن رسول الله ﷺ أُري أعمار الناس قبله، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل ما بلغه غيرهم في طول العمل، فأعطاه الله ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر).
ثم قال (^٢): (اختلف العلماء في ليلة القدر، وفي تعيينها وفي ميقات رجائها على ثلاثة عشر قولًا -فذكر بعض هذه الأقوال-، ثم قال: الصحيح أنَّها لا تعلم، لكن النبي ﷺ قد حضَّ على قيام رمضان، وحض بالتخصيص العشرَ الأواخر.
وكان رسول الله ﷺ يحيي فيها ليله ويوقظ أهلَه ويشدُّ مئزرَه (^٣)، وصدَّق رسول الله ﷺ أنها في العشر الأواخر (^٤).
وفي الحديث دليل على أنها متنقلة غير مخصوصة بليلة؛ لأن رؤيا النبي ﷺ خرجت في صبيحة ليلة إحدى وعشرين من رمضان، وعلى جسمه وأنفه أثر الماء والطين.
_________________
(١) ينظر: موطأ الإمام مالك برقم (٨٨٩).
(٢) ينظر: المسالك شرح موطأ مالك لأبي بكر بن العربي (٤/ ٢٦٥، ٢٦٧).
(٣) أخرجه مسلم برقم (١١٧٤) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ».
(٤) أخرجه البخاري برقم (٢٠٢٠)، ومسلم برقم (١١٦٩)، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان».
[ ٢٦١ ]
واستفتاه رجل ليختار له عند عجزه عن عموم الجميع، فاختار له ليلة ثلاث وعشرين، فدل ذلك أنها تنتقل، وما كان رسول الله ﷺ ليبخس السائل حظَّه منها.
ومن فضل الله على هذه الأمة أن أعطاها قيراطين من الأجر، من صلاة العصر إلى غروب الشمس، وأعطى اليهود والنصارى جميعا قيراطين، قيراطًا لكل طائفة منهما من أول النهار إلى صلاة العصر، وأعطى الله هذه الأمة ليلة القدر لقصرِ أعمارها، فجعل لهم ليلة بألف شهر، فما فاتهم من تقصير الأعمار الطوال التي كانت لمن قبلهم، أدركوه فيها، فخفَّ عنهم شغب الدنيا، وأدركوا عظيم الثواب في الآخرة، والحمد لله).
ثم قال (^١): (والصحيح أنها في العشر الأواخر من كل رمضان، إلا أنها تنتقل في العشر، فتارة تكون إحدى وعشرين، وتارة تكون ليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، فمن وافقها فقد سعد، والله يكشفها لمن يشاء من عباده.
وقال عبد الوهاب: ليلة القدر هي غير مرتفعة بموت النبي ﷺ، خلافًا لمن قال: إنَّها زائلة، لقوله: «التمسوها في العشر الأواخر» فعم كل وقت، ولأنَّها من شعائر الدين والإسلام كشعائر سواها، وليس فيها تعيين كما بينا قبل).
ما اجتُنبت الكبائر:
أما قوله: «غُفر له ما تقدَّم من ذنبه»:
فقد ذهب فريق من العلماء إلى أن المغفرة تشمل الصغائر والكبائر.
_________________
(١) ينظر: المسالك شرح موطأ مالك لأبي بكر بن العربي (٤/ ٢٦٩).
[ ٢٦٢ ]
قال العيني ﵀ (^١): (قوله: «غفر له ما تقدم من ذنبه». المعروف عند الفقهاء أن هذا مختص بغفران الصغائر، دون الكبائر، قال بعضهم: يجوز أن يُخَففَ من الكبائر إذا لم تصادف صغيرة. قلت: اللفظ عام، ينبغي أن يشمل الصغيرة والكبيرة، والتخصيص بلا مخصص باطل).
لكن الصواب هو تكفير الصغائر دون الكبائر، لوجود المخصص، فقد ثبت في الصحيح ما يؤيده فمن ذلك حديث عثمان ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت له كفارة لما قبلها ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله»، رواه مسلم (^٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ كفارة لما بينها من الذنوب إذا اجتنبت الكبائر» (^٣).
فإذا كانت الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان لا تكفر الكبائر فبالأحرى صيام رمضان وقيامه.
وقال النووي ﵀ (^٤): (وفي معنى هذه الأحاديث تأويلان:
أحدهما: يكفر الصغائر بشرط ألَّا يكون هناك كبائر فإن كانت كبائر لم يكفر شيئا لا الكبائر لا الكبائر ولا الصغائر.
_________________
(١) ينظر شرح سنن أبي داود للعيني (٥/ ٢٧٥).
(٢) أخرجه مسلم برقم (٢٢٨).
(٣) أخرجه مسلم برقم (٢٣٣).
(٤) ينظر: المجموع شرح المهذب للنووي (٦/ ٣٨٢).
[ ٢٦٣ ]
والثاني: وهو الأصح المختار أنه يكفر كل الذنوب الصغائر، وتقديره: يغفر ذنوبه كلها إلا الكبائر، قال القاضي عياض ﵀: هذا المذكور في الأحاديث من غفران الصغائر دون الكبائر هو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة، أو رحمة الله تعالى.
فإن قيل: قد وقع في هذا الحديث هذه الألفاظ، ووقع في الصحيح غيرها مما في معناها، فإذا كفَّر الوضوء، فماذا تكفره الصلاة؟ وإذا كفرت الصلوات، فماذا تكفره الجمعات ورمضان؟ وكذا صوم يوم عرفة كفارة سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة (^١)، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (^٢).
فالجواب: ما أجاب به العلماء؛ أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت به حسنات ورفعت له به درجات، وذلك كصلوات الأنبياء والصالحين والصبيان وصيامهم ووضوئهم وغير ذلك من عباداتهم، وإن صادف كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغائر، رجونا أن تخفف من الكبائر. وقد قال أبو بكر في الأشراف في آخر كتاب الاعتكاف في باب التماس ليلة القدر في قوله ﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (^٣)، قال هذا قول عام يرجى لمن قامها إيمانًا واحتسابًا أن تغفر له جميع ذنوبه صغيرها وكبيرها).
_________________
(١) لحديث أبي قتادة الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ»، أخرجه مسلم برقم (١١٦٢).
(٢) لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، أخرجه البخاري برقم (٧٨٠) ومسلم برقم (٤١٠).
(٣) تقدم تخريجه.
[ ٢٦٤ ]
حول زيادة «وما تأخر»:
وأما زيادة الإمام أحمد ﵀: «وما تأخر»:
قال زين الدين العراقي ﵀ (^١): (وقد يستشكل معنى مغفرة ما تأخر من الذنوب، وهو كقوله ﷺ في حديث أبي قتادة ﵁: «صيام عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده»، فتكفير السنة التي بعده كمغفرة المتأخر من الذنوب، وقد قال السرخسي من أصحابنا الشافعية: اختلف العلماء في معنى تكفير السنة المستقبلة، فقال بعضهم: إذا ارتكب فيها معصية جعل الله تعالى صوم عرفة الماضي كفارة لها، كما جعله مكفرًا لما قبله في السنة الماضية، وقال بعضهم: معناه: أن الله تعالى يعصمه في السنة المستقبلة عن ارتكاب ما يحوجه إلى كفارة.
وأطلق الماوردي في الحاوي في السنتين معا تأويلين:
أحدهما: أن الله تعالى يغفر له ذنوب سنتين.
والثاني: أنه يعصمه في هاتين السنتين فلا يعصي فيهما.
وقال صاحب العدة في تكفير السنة الأخرى يحتمل معنيين:
أحدهما: المراد السنة التي قبل هذه فيكون معناه أنه يكفر سنتين ماضيتين.
والثاني: أنه أراد سنة ماضية وسنة مستقبلة.
قال: وهذا لا يوجد مثله في شيء من العبادات أنه يكفر الزمان المستقبل، وإنما ذلك خاصٌّ برسول الله ﷺ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بنص القرآن العزيز. ذكر ذلك كلَّه النووي في شرح المهذب (^٢).
_________________
(١) ينظر: طرح التثريب للحافظ العراقي (٤/ ١٦٣).
(٢) ينظر: المجموع شرح المهذب للنووي (٦/ ٣٨١).
[ ٢٦٥ ]
وهذا يأتي مثله هنا، فيكون مغفرة ما تأخر من الذنوب إما أن يراد بها العصمة من الذنوب حتى لا يقع فيها، وإما أن يراد به تكفيرها ولو وقع فيها، ويكون المكفِّر متقدِّما على المكفَّر، والله أعلم).
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث فضل صيام رمضان وقيامه.
ثانيًا: والحديث دال عَلَى أن الأعمال لا تزكو ولا تقبل إلا مع الاحتساب وصدق النيات، كما قَالَ ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات» (^١).
وهو رادٌّ لقول زُفر: إن رمضان يجزئ من غير نية، ثم هي مبيتةٌ عند الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة والأوزاعي وإسحاق؛ حيث قالوا: يجزئ قبل الزوال.
ولا سلف لهم فيه، والنية إنما ينبغي أن تكون مقدَّمة قبل العمل، وحقيقة التبييت لغة يقتضي جزءًا من الليل (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (١) واللفظ له، ومسلم برقم (١٩٠٧) عن عمر بن الخطاب ﵁.
(٢) ينظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (١٣/ ٧٢).
[ ٢٦٦ ]