عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ» (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
كُتب على ابن آدم … أي: قُدِّر عليه ذلك، وكتب كَتْبَ تقدير وسابقيةِ علم؛ بأنه يأتيه مختارًا.
نصيبه من الزنا … أي: من مقدماته من التمني، والتخطي لأجله، والتكلم فيه طلبًا، أو حكايةً أو سماعًا ونحوها.
لا محالة … بفتح الميم، ويضم، أي: لا بد له، ولا فراق، ولا احتيال منه، فهو واقع ألبتة.
والقلب يهوى … بفتح الواو، أي: يحبُّ ويشتهي.
ويتمنى … أي: ما ذُكر من المقدِّمات، أي: ما تتمناه النفس، وتدعو إليه الحواس، وهو الجماع.
ويصدق ذلك الفرج … أي: يوافقه، ويطابقه بالفعل.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٥٧).
(٢) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٨/ ١٣١)، ومرقاة المفاتيح للهروي (١/ ١٥٩).
[ ٣٨٥ ]
ويكذبه … أي: بالترك، والكفِّ عنه، فإن تركه خوفًا من الله فيثاب عليه، وإن تركه اضطرارًا لا يعاقب عليه فقط.
التعليق:
قال الهروي ﵀ (^١): (سمى هذه الأشياء باسم الزنا؛ لأنها مقدماتٌ مؤذنةٌ بوقوعه، ونسب التصديق، والتكذيب إلى الفرج، لأنه منشؤه، ومكانه، أي: يصدِّقه بالإتيان مما هو المراد منه، ويكذبه بالكف عنه.
وقيل معناه: إن فعل بالفرج ما هو المقصود من ذلك فقد صار الفرج مصدقًا لتلك الأعضاء، وإن ترك ما هو المقصود من ذلك فقد صار الفرج مكذبًا.
قال ابن حجر: فإن حقَّق زناه فيوقع صاحبه في تلك الكبيرة، وإن كذبه بأن لا يزني، فيستمر زنا تلك الأعضاء على كونها صغيرة.
أقول: الأظهر أن يقال: والفرج، أي: عمله يصدق ذلك التمني، ويكذبه، وهو أقرب لفظًا، وأنسب معنى.
وقيل: معنى: «كُتب»: أنه أُثبت عليه ذلك؛ بأن خلق له الحواس التي يجد بها لذة ذلك الشيء، وأعطاه القوى التي بها يقدر على ذلك الفعل، فبالعينين، وبما ركب فيهما من القوة الباصرة تجد لذة النظر، وعلى هذا، وليس المعنى: أنه ألجأه إليه، وأجبره عليه، بل ركز في جبلته حبَّ الشهوات، ثم إنه تعالى برحمته وفضله يعصم من يشاء، كذا قاله بعض الشراح.
وقيل: هذا ليس على عمومه، فإن الخواص معصومون عن الزنا،
_________________
(١) ينظر: مرقاة المفاتيح للهروي (١/ ١٥٨).
[ ٣٨٦ ]
ومقدماته، ويحتمل أن يبقى على عمومه بأن يقال: كتب الله على كل فرد من بني آدم صدور نفس الزنا، فمن عصمه الله عنه بفضله، صدر عنه من مقدماته الظاهرة، ومن عصمه بمزيد فضله، ورحمته عن صدور مقدماته، وهم خواص عباده صدر عنه لا محالة بمقتضى الجبلة مقدماته الباطنة (^١)، وهي تمني النفس، واشتهاؤها).
وقال المناوي ﵀ (^٢): (شبه صورةَ حالةِ الإنسان -من إرسال الطرف الذي هو رائد القلب إلى النظر إلى المحارم، وإصغائه بالأذن إلى السماع، ثم انبعاث القلب إلى الاشتهاء والتمني، ثم استدعائه منه، فصار ما يشتهي ويتمنى باستعمال الرجلين في المشي، واليدين في البطش، والفرج في تحقيق مشتهاه، فإذا مضى الإنسان على ما استدعاه القلب حقق متمنَّاه، فإذا امتنع من ذلك خيبه فيه- بحال رجل يخبره صاحبه بما يزينه له ويغويه عليه، فهو إما يصدقه ويمضي على ما أراده منه أو يكذبه، ثم استعمل في حال المشبَّه ما كان مستعملًا في جانب المشبه به من التصديق والتكذيب؛ ليكون قرينة للتمثيل أو الإسناد في قوله: «والفرْجُ يُصدِّقُ ذلك ويكذِّبه»، مجازي لأنَّ الحقيقي هو أن يسند للإنسان فأسند إلى الفرج، لأنه مصدر الفعل والسبب الأقوى.
وقد نظر المحاسبي ﵀ إلى هذا حيث قال:
وكنتَ متى أرسلت طرفَك رائدًا … لقلبك يوما أتعَبَتْك المناظرُ
رأيتَ الذي لا كلُّه أنت قادرٌ … عليه ولا عن بعضِه أنت صابر
_________________
(١) قال المباركفوري صاحب مرعاة المفاتيح (١/ ٥٩١): (قلت: المراد بالمقدمات الباطنة: الخواطر الذميمة التي هي غير اختيارية، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]).
(٢) ينظر: فيض القدير للمناوي (٢/ ٢٤٦)، وإرشاد الساري للقسطلاني (٩/ ٣٥٦).
[ ٣٨٧ ]
قال الطيبي: وبدأ بزنا العين لأنه أصل زنا اليد والرجل والقلب والفرج، ونبه بزنا اللسان بالكلام على زنا الفم بالتقبيل، وجعل الفرج مصدقًا لذلك؛ إن حقق الفعل، ومكذبًا له إن لم يحققه، فكان الفرج هو الموقع).
فائدة في استثناء النظر للمخطوبة:
ما مُنع سدًّا للذريعة مثل النظر للنساء، يباح للمصلحة الراجحة كما في النظر إلى المخطوبة، التي يرغب الزواج منها.
قال ابن القيم ﵀ (^١): (وما حُرِّم سدًّا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرم).
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه أن مقدمات الزنا يطلق عليها اسم الزنا، وإن لم يترتب عليها عقوبة الزنا.
ثانيًا: فيه أن ما كتب على الإنسان لابد أن يدركه لا محالة.
ثالثًا: وفيه أن العينين هما الرائد الأول للزنا ولذلك بدأ بهما.
قال العلماء: (المعاصي بريد الكفر (^٢)، والنظر بريد الزنا) (^٣).
_________________
(١) ينظر: أعلام الموقعين لابن القيم (٢/ ١٠٩).
(٢) قال النووي في شرح صحيح مسلم (١١/ ٢٩): (وهذا نحو قول السلف: المعاصي بريد الكفر، أي: تسوق إليه، عافانا الله تعالى من الشر).
(٣) قال الذهبي في الكبائر (ص ٥٩): (وكان يقال: النظر بريد الزنا).
[ ٣٨٨ ]
ثالثًا: فيه أن الزنى الحقيقي لابد فيه من تصديق الفرج، وذلك إذا حقق الفعل، وهو الإيلاج في فرج محرم.
رابعًا: وفيه أن العبد لا يخلق فعل نفسه، لأنه قد يريد الزنا فلا يطاوعه الذكر، ولو كان خالقًا لفعله لم يعجز عما يريده مع استحكام الشهوة (^١).
_________________
(١) ينظر: فيض القدير للمناوي (٢/ ٢٤٦).
[ ٣٨٩ ]