عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ». أخرجه الترمذي (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
معروفًا … المعروف ما تقبله الأنفس، ولا تجد منه تكرُّها. وقيل: ما قَبِلَهُ العقل، وأقره الشرع، وأحبه كرم الطبع.
فقد أبلغ في الثناء … أي: بالغ في ثنائه على فاعله، وجازى المحسن إليه بأحسن مما أسداه إليه، حيث أظهر عجزه، وأحاله على ربه.
التعليق:
المعروف الذي يُسمى فاعله محسنًا كلُّ ما يُعَدُّ معروفًا ولو أن يلقى أخاه بوجه طليق، كما يفيده حديث أبي ذر ﵁: «لا تحقِرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق» (^٣) (^٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٠٣٥)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ غَرِيبٌ، والنسائي في الكبرى برقم (٩٩٣٧)، وصححه الألباني.
(٢) ينظر: التحبير لإيضاح معاني التيسير للصنعاني (٢/ ٥٤٩)، ودليل الفالحين لطرق رياض الصالحين للبكري (٧/ ٣٠٠).
(٣) أخرجه مسلم برقم (٢٦٢٦).
(٤) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٢/ ٤٠١).
[ ٤٤٥ ]
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في معنى الحديث (^١): (إذا صنع إليك إنسان معروفًا بمال أو مساعدة أو علم أو جاه، أو غير ذلك، فإن النبي ﷺ أمر أن تكافئ صانع المعروف، فقال ﷺ: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه» (^٢).
والمكافأة تكون بحسب الحال؛ من الناس من تكون مكافأته أن تعطيه مثل ما أعطاك أو أكثر، ومن الناس من تكون مكافأته أن تدعو له، ولا يرضى أن تكافئه بمال، فإن الإنسان الكبير الذي عنده أموال كثيرة، وله جاه وشرف في قومه، إذا أهدى إليك شيئًا فأعطيته مثل ما أهدى إليك، رأى في ذلك قصورًا في حقِّه، لكن مثل هذا ادع الله له: «فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» (^٣).
ومن ذلك أن تقول له: جزاك الله خيرًا إذا أعطاك شيئًا أو نفعك بشيء، فإن قلت له: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغت في الثناء، وذلك لأن الله تعالى إذا جزاه خيرًا كان ذلك سعادة له في الدنيا والآخرة).
لا تنتظر جزاء على الإحسان:
وكانت عادةُ أمِّ المؤمنين عائشةَ ﵂ إذا دعَا لها السائلُ أن تُجيبَه بمِثْل ما يدعو لها السائل، ثم تُعطيه من المال ما تُعطيه، فقيل لها: أتُعطينَ السائلَ المالَ وتَدْعينَ له بمِثْل ما يدعو لك؟ فقالت ﵂: لو لم أَدْعُ له لَكانَ حقُّه بالدعاء لي أكثرَ من حقِّي بالصدقة، فأدعو له بمِثْل ما يدعو، حتى أُكافِئَ دعاءَه بدعائي؛ لِتَخلُصَ لي صدقتي (^٤).
_________________
(١) ينظر: شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (٦/ ٤٩).
(٢) تقدم تخريجه
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) ينظر: المفاتيح في شرح المصابيح للمظهري (٢/ ٥٣٣).
[ ٤٤٦ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^١): (ومن الجزاء أن يطلب الدعاء، قال تعالى ممن أثنى عليهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩].
والدعاء جزاء كما في الحديث: «من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه» (^٢).
كانت عائشة ﵂ إذا أرسلت إلى قوم بصدقة تقول للرسول ﷺ: اسمع ما يدعون به لنا، حتى ندعوَ لهم بمثل ما دعوا لنا، ويبقى أجرُنا على الله.
وقال بعض السلف ﵏: إذا قال لك السائل: بارك الله فيك، فقل: وفيك بارك الله، فمن عمل خيرًا مع المخلوقين سواء كان المخلوق نبيًّا أو رجلًا صالحًا أو ملكًا من الملوك أو غنيًّا من الأغنياء، فهذا العامل للخير مأمور بأن يفعل ذلك خالصًا لله يبتغي به وجه الله، لا يطلب به من المخلوق جزاءً ولا دعاء ولا غيره، لا من نبي، ولا رجل صالح، ولا ملك من الملائكة، فإن الله أمر العباد كلهم أن يعبدوه مخلصين له الدين).
من فوائد الحديث:
الأول: فيه مشروعية الدعاء لمن فعل المعروف حسِّيًّا أو معنويًّا (^٣).
الثاني: وفيه دليل على أن صانع المعروف يستحق على من ابتدأه إليه الثناء عليه (^٤).
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١/ ١٨٨).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) ينظر: تطريز رياض الصالحين لفيصل المبارك (١/ ٨١٩).
(٤) ينظر: التحبير لإيضاح معاني التيسير للصنعاني (٢/ ٥٤٩).
[ ٤٤٧ ]
الثالث: فيه أن هذا الدعاء هو أفضل ما يجازى به أهل الإحسان، لاعتراف المحسن إليه بالتقصير، ولعجزه عن جزائه، ولذلك فقد فوض جزاءه إلى الله ليجزيه الجزاء الأوفى.
قال بعض الحكماء: (إذا قصُرت يداك بالمكافأة، فليطل لسانك بالشكر والدعاء بالجزاء الأوفى) (^١).
_________________
(١) ينظر: فيض القدير للمناوي (٦/ ١٧٢).
[ ٤٤٨ ]