عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
نفس عن مؤمن … خفف عنه ووسع عليه.
كربة … الكربة: الشدة العظيمة.
يسَّر على معسرٍ … سهل عليه إن كان له دين عنده، أو سعى عند من له الدين في التيسير عليه. والمعسر: الفقير.
والله في عون العبد … العون: النصرة.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٦٩٩).
(٢) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ٢٣٦)، والتحبير لإيضاح معاني التيسير للصنعاني (٦/ ٥٥٤)، والمفاتيح في شرح المصابيح للمظهري (١/ ٣٠٥).
[ ١٩٨ ]
يلتمس فيه علمًا … أي: يطلبُ.
يتدارسونه بينهم … المدارسة مفاعلة، تصدق على من تلا شيئًا ورفيقه يستمع له، ثم يتلو رفيقه وهو كذلك، ويصدق على جماعة كلٌّ يتلو لنفسه على الاستقلال، والمفاعلة بمعنى فعل بينهم.
السكينة … فعيلة من السُّكون والطمأنينة.
وغشيتهم الرحمة … خالطتهم وعمَّتهم.
وحفتهم الملائكة … أحاطت بهم، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥].
بطأ به عمله … أخّره عن القرب من الله والتقرب إليه.
التعليق:
إن أبواب الخير كثيرة وطرق البر متعددة، ومن أفضل تلك الأبواب ما يتعلق بنفع العباد وتنفيس كربهم، والسعي في حوائجهم، وكشف الضر عنهم، فإن الخلق عيال الله، وخير الناس أنفعهم لعياله، وكذلك من أبواب البر الطاعات المقصور نفعها على صاحبها، كالصلاة والتلاوة والذكر ومدارسة القرآن، كل ذلك مما يقرب إلى الله ويرفع الدرجات.
وقد ذكر النووي ﵀ في شرح مسلم (^١) أن هذا الحديث: (حديث عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب.
ومعنى نفَّس الكربة: أزالها، وفيه فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما تيسر؛ من علم أو مال أو معاونة، أو إشارة بمصلحة أو نصيحة وغير ذلك،
_________________
(١) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢١).
[ ١٩٩ ]
وفضل الستر على المسلمين، وفضل إنظار المعسر، وفضل المشي في طلب العلم، ويلزم من ذلك الاشتغال بالعلم الشرعي، بشرط أن يقصد به وجه الله تعالى، وان كان هذا شرطًا في كل عبادة، لكن عادة العلماء يقيدون هذه المسألة به، لكونه قد يتساهل فيه بعض الناس، ويغفل عنه بعض المبتدئين ونحوهم.
وقوله ﷺ: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة»:
قيل: المراد بالسكينة هنا: الرحمة، وهو الذي اختاره القاضي عياض ﵀، وهو ضعيف؛ لعطف الرحمة عليه، وقيل: الطمأنينة والوقار هو أحسن، وفي هذا دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال مالك: يكره، وتأوله بعض أصحابه.
ويلحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة: الاجتماع في مدرسة ورباط ونحوهما إن شاء الله تعالى، ويدل عليه الحديث الذي بعده فإنه مطلق (^١) يتناول جميع المواضع ويكون التقييد في الحديث الأول خرج على الغالب لا سيما في ذلك الزمان فلا يكون له مفهوم يعمل به.
قوله ﷺ: «ومن بطَّأ به عملُه لم يُسرعْ به نسبُه»:
معناه: من كان عمله ناقصًا لم يلحقه بمرتبة أصحاب الأعمال فينبغى أن لايتكل على شرف النسب وفضيلة الآباء ويقصر في العمل).
_________________
(١) يريد حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ ﷿ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». أخرجه مسلم برقم (٢٧٠٠).
[ ٢٠٠ ]
من فوائد الحديث (^١):
الأول: فضيلة تنفيس الكُرب عن المؤمنين وأن ذلك يجازى عليه بجنسه من تنفيس كُرب الآخرة.
والأصل والقياس أن الجزاء يكون من جنس العمل ثوابًا وعقابًا، كالتنفيس بالتنفيس، والستر بالستر، والعون بالعون في هذا الحديث، ونظائره كثيرة في أحكام الدنيا والآخرة.
وإنما كان تنفيس الكرب مطلوبًا للشرع مثابًا عليه لأن الخلق عيال الله ﷿، فتنفيس كربهم إحسانٌ إليهم، والعادة أن السيد والملك يحب الإحسان إلى عياله وحاشيته والمحسن إليهم.
وفي الأثر: «الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أرفقهم بعياله» (^٢).
الثاني: فضيلة التيسير على المعسر، والجزاء عليه بحسبه في الآخرة كما مَرَّ في تنفيس الكربة.
الثالث: فضيلة ستر عورة المسلم، والمكافأة عليها بجنسها كما مَرَّ، ولأن الله ﷿ حَيِيٌّ كريم، وستر العورة من الحياء والكرم، ففيه تخلق بِخُلُق الله ﷿، والله ﷿ يحب التخلق بأخلاقه.
الرابع: فضيلة عون الأخ على أموره والمكافأة عليها بجنسها من الإعانة الإلهية.
_________________
(١) باختصار من كتاب التعيين في شرح الأربعين للصرصري (١/ ٣٠٧ - ٣١٤).
(٢) أخرجه مرفوعًا أبو يعلى في مسنده برقم (٣٣١٥ - ٣٣٧٠)، والبزار في مسنده برقم (٦٩٤٧)، عن أنس ﵁. وأخرجه الطبراني في الأوسط برقم (٥٥٤١) عن ابن مسعود ﵁. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة برقم (٥٧٣٥).
[ ٢٠١ ]
الخامس: أن سلوك طريق العلم يجازى عليه بتسهيل طريق إلى الجنة، وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أن طلب العلم وتحصيله يرشد إلى سبيل الهداية والطاعة الموصلة إلى الجنة، وذلك بتسهيل الله ﷿ له، وإلا فبدون لطفه وتوفيقه لا ينتفع بشيء من علم ولا غيره.
والثاني: أنه يجازى على طلب العلم وتحصيله، بتسهيل دخول الجنة بقطع العِقَابِ (^١) الشاقة دونها يوم القيامة، بأن يُسَهَّلَ عليه الوقوف في المحشر والجواز على الصراط ونحو ذلك.
فإن قلت: قوله: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا» عام في كل علم شرعي أو فلسفي، فلم خصصتموه بالعلم الشرعي؟
قلنا: بدليل قوله: «سهل الله له به طريقًا إلى الجنة»، والعلوم التي يطلب بها الجنة ويسهل بها طريقها هي الشرعية دون غيرها.
السادس: أن الاجتماع في بيوت الله ﷿ لمذاكرة الكتاب ومدارسته يجازى عليه بأشياء:
أحدها: نزول السكينة عليهم لأنها الطمأنينة، وبذكر الله ﷿ تطمئن القلوب، والمراد أنها تطمئن للإيمان حتى يفضي بها إلى الروضات في جوار الرحمن.
الثاني: غشيان الرحمة لهم لأن ذكر الله تعالى إحسان، والرحمة إحسان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
_________________
(١) جمع: عقبة، وهي المرقى الصعب من الجبال، ويراد بها: المصاعب والعوائق. ينظر: العين للفراهيدي (١/ ١٨١)، ولسان العرب لابن منظور (١/ ٦٢١).
[ ٢٠٢ ]
الثالث: حفت الملائكة بهم لاستماع الذكر تعظيما للمذكور وإكراما للذاكر.
الرابع: ذكر الله ﷿ لهم فيمن عنده من الملائكة لقوله ﷿: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقوله: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه» (^١).
السابع: أن الإسراع إلى السعادة إنما هي بالأعمال، لا الأنساب لقول الله ﷿: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وقوله ﵊: «كلكم من آدم، وآدم من تراب» (^٢)؛ ولأن الله ﷿ خلق الخلق لطاعته، وهي المؤثرة لا غيرها ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١].
والله ﷿ أعلم بالصواب.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٧٤٠٥) ومسلم برقم (٢٦٧٥) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه أبو داود برقم (٥١١٦)، والترمذي برقم (٣٩٥٥)، وأحمد في المسند برقم (٨٧٣٥)، عن أبي هريرة ﵁، ولفظ أحمد: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ قد أذهب عنكم عُبِّيَّةَ الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، والناس بنو آدم، وآدم من تراب، لينتهين أقوام فخرهم برجال، أو ليكونن أهون عند الله من عدتهم من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن».
[ ٢٠٣ ]