عَنْ عِكْرِمَةَ ﵁ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ ﵁ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ في جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ فِرَاشًا أَوْثَرَ مِنْ هَذَا، فَقَالَ ﷺ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا مَثَلِى وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكِبٍ سَارَ في يَوْمٍ صَائِفٍ فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
أوثر … الوثير: الفِراشُ الوَطيء، وهو الكثيف، وكلّ وطيء وثير.
صائف … شديد الحر، تقول: صيف صائف اتباع له وتأكيد، كما يقال: ليل لائل، ويوم صائف، أي، حار، وليلة صائفة.
التعليق:
وقد صدق ﷺ، نسأل الله الرواح سالمين.
قال ابن رجب ﵀ (^٣): (وهذا إنما كان النبي ﷺ يفعله امتثالًا لما أمره الله به؛ ألّا يمدَّ عينيه إلى زهرة الحياة الدنيا، فكان يتباعد عنها بكل
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند برقم (٢٧٤٤)، والترمذي برقم (٢٣٧٧)، وابن ماجه برقم (٤١٠٩)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) ينظر: العين للفراهيدي (٨/ ٢٣٤)، وجمهرة اللغة لابن دريد (١/ ٤٧٥)، والشافي في شرح مسند الشافعي لابن الأثير (٣/ ٣٦٥).
(٣) ينظر: فتح الباري (٢/ ٤٢٦).
[ ١٠٧ ]
وجه، ولهذا قال: «مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها» (^١).
فكان حاله كله في مأكله ومشربه ولباسه ومساكنه حال مسافر، يقنع في مدة سفره بمثل زاد الراكب من الدنيا، ولا يلتفت إلى فضولها الفانية الشاغلة عن الآخرة، وخصوصًا في حال عباداته ومناجاته لله، ووقوفه بين يديه واشتغاله بذكره، فإن ذلك كان هو قرة عينه).
فكل أحد في الدنيا هذا شأنه، فإنه عن قريب سيرحل عنها، ولا يبقى له منها شيء إلا ما قدمه من عمل صالح.
قال الطيبي في قوله ﷺ: «إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها»: (تشبيه تمثيلي، ووجه الشبه سرعة الرحيل، وقلة المكث، ومن ثمة خصَّ الراكب.
قال عيسى ﵇: «يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارًا؟». قالوا: يا روح الله ومن يقدر؟، قال: «إياكم والدنيا لا تتخذوها قرارًا».
والحديث تزهيدٌ في الدنيا وتحقيرٌ لها، وترغيبٌ في الآخرة، فإنها الحيوان (^٢)، وإذا كان زهد فيها أفضل الخلائق الذي لو توسع لما خيف عليه ما يخاف على غيره، فغيره بالأولى) (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند برقم (٤٢٠٨)، وابن أبي شيبة في المصنف برقم (٣٤٣٠٣)، وأبو يعلى في المسند برقم (٤٩٩٨)، عن ابن مسعود ﵁، وصححه الأرناؤوط.
(٢) كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]: قال البدر العيني في عمدة القاري (١٩/ ١٠٨): (يعني الدار الباقية التي لا زوال لها ولا موت فيها، وقيل: ليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة خالدة لا موت فيها، وكأنها في ذاتها نفس الحيوان، والحيوان مصدر حي).
(٣) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٩/ ٤٣٥).
[ ١٠٨ ]
حقيقة الزهد في الدنيا:
بسط الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (^١) القولَ في حقيقة الزهد في الدنيا، وذكر أقوال العلماء في ذلك، فأجاد وأفاد ﵀، فكان مما قال:
(فأما الزهد في الدنيا، فقد كثر في القرآن الإشارة إلى مدحه، وإلى ذمِّ الرغبة في الدنيا، قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧].
وقال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧].
وقال تعالى في قصة قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾، إلى قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٧٩ - ٨٣].
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦].
وقد ذم الله من كان يريد الدنيا بعمله وسعيه ونيته.
والأحاديث في ذم الدنيا وحقارتها عند الله كثيرة جدًّا، ففي صحيح مسلم عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ مر بالسوق والناس كنفَيْه، فمر بجديٍ أسكٍّ (^٢) ميتٍ، فتناوله، فأخذ بأذنه، فقال: «أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟»،
_________________
(١) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ١٧٧)، وما بعدها باختصار.
(٢) (أسك): بتشديد الكاف أي: صغير الأذن أو عديمها أو مقطوعها.
[ ١٠٩ ]
فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: «أتحبون أنه لكم؟»، قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيبًا فيه، لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: «والله، للدنيا أهون على الله من هذا عليكم» (^١).
وفيه أيضًا عن المستورد الفهري، عن النبي ﷺ قال: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بماذا ترجع» (^٢).
وخرَّج الترمذي من حديث سهل بن سعد ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء» (^٣).
ومعنى الزهد في الشيء: الإعراض عنه لاستقلاله، واحتقاره، وارتفاع الهمة عنه، يقال: شيء زهيد، أي: قليل حقير.
وقد تكلم السلف ومن بعدهم في تفسير الزهد في الدنيا، وتنوعت عباراتهم عنه، قال يونس بن ميسرة: ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون حالك في المصيبة وحالك إذا لم تصب بها سواء، وأن يكون مادحك وذامك في الحق سواء (^٤).
ففسر الزهد في الدنيا بثلاثة أشياء كلها من أعمال القلوب، لا من أعمال
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٩٥٧) عن جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) أخرجه مسلم برقم (٢٨٥٨).
(٣) أخرجه الترمذي برقم (٢٣٢٠) وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني.
(٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٩٥٩٧). وقد ورد مرفوعًا بأسانيد ضعيفة كما ذكر ابن رجب وغيره.
[ ١١٠ ]
الجوارح، ولهذا كان أبو سليمان يقول: لا تشهد لأحد بالزهد، فإن الزهد في القلب.
أحدها: أن يكون العبد بما في يد الله أوثق منه بما في يد نفسه، وهذا ينشأ من صحة اليقين وقوته، فإن الله ضمن أرزاق عباده، وتكفل بها، كما قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]، وقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٧].
وقال الحسن: إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله ﷿ (^١).
وقال مسروق: إن أحسن ما أكون ظنًّا حين يقول الخادم: ليس في البيت قفيز من قمح ولا درهم (^٢).
وقيل لأبي حازم الزاهد: ما مالك؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس (^٣).
وقيل له: أما تخاف الفقر؟ فقال: أنا أخاف الفقر ومولاي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟!
كذلك كان زاهدًا في الدنيا حقيقة، وكان من أغنى الناس، وإن لم يكن له
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب اليقين برقم (٣٣)، والقناعة والتعفف (ص ٥٠)، والتوكل وسؤال الله ﷿ لعبد الغني المقدسي برقم (٣١).
(٢) ينظر: حلية الأولياء لأبي نعيم (٢/ ٩٧)، ومصنف ابن أبي شيبة برقم (٣٤٨٧١)، والزهد لهناد برقم (٥٩٢)، وصفة الصفوة لابن الجوزي (٢/ ١٥).
(٣) ذكره أبو بكر الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (٥/ ٢١).
[ ١١١ ]
شيء من الدنيا كما قال عمار: كفى بالموت واعظًا، وكفى باليقين غنى، وكفى بالعبادة شغلًا (^١).
وقال ابن مسعود ﵁: «اليقين ألَّا ترضي الناس بسخط الله، ولا تحمد أحدًا على رزق الله، ولا تَلُم أحدًا على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لا يسوقه حرصُ حريص، ولا يرده كراهة كاره، فإن الله ﵎ بقسطه وعلمه وحكمه- جعل الروحَ والفرحَ في اليقين والرضا، وجعل الهمَّ والحزن في الشك والسخط» (^٢).
والثاني: أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة في دنياه من ذهاب مال، أو ولد، أو غير ذلك - أرغب في ثواب ذلك مما ذهب منه من الدنيا أن يبقى له، وهذا أيضًا ينشأ من كمال اليقين.
وقد روي عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا» (^٣).
وهو من علامات الزهد في الدنيا وقلة الرغبة فيها، كما قال علي ﵁: «من زهد الدنيا، هانت عليه المصيبات» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد في الزهد برقم (٩٨٤)، وورد عن ابن مسعود من قوله، أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢/ ٣٧)، وذكره البغوي في شرح السنة (٥/ ٢٦١).
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٠٥)، وقد أخرجه مرفوعًا برقم (٢٠٣)، وضعفه.
(٣) أخرجه الترمذي برقم (٣٥٠٢) عن ابن عمر ﵁ مرفوعا. وقال الترمذي: حسن غريب وحسنه الألباني.
(٤) أخرجه تمام في فوائده برقم (٤١)، والقضاعي في مسند الشهاب برقم (٣٤٨).
[ ١١٢ ]
والثالث: أن يستوي عند العبد حامده وذامُّه في الحق، وهذا من علامات الزهد في الدنيا، واحتقارها، وقلة الرغبة فيها، فإن من عظمت الدنيا عنده أحب المدح وكره الذم، فربما حمله ذلك على ترك كثير من الحق خشية الذم، وعلى فعل كثير من الباطل رجاء المدح، فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق، دل على سقوط منزلة المخلوقين من قلبه، وامتلائه من محبة الحق، وما فيه رضا مولاه، كما قال ابن مسعود ﵁: «اليقين ألَّا ترضي الناس بسخط الله» (^١).
وقد مدح الله الذين يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم.
وقد روي عن السلف عبارات أخر في تفسير الزهد في الدنيا، وكلها ترجع إلى ما تقدم، كقول الحسن ﵁: «الزاهد الذي إذا رأى أحدًا قال: هو أفضل مني» (^٢).
وهذا يرجع إلى أن الزاهد حقيقة هو الزاهد في مدح نفسه وتعظيمها.
ولهذا يقال: الزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة، فمن أخرج من قلبه حب الرياسة في الدنيا والترفع فيها على الناس، فهو الزاهد حقًّا.
وهذا هو الذي يستوي عنده حامده وذامه في الحق، وكقول وهيب بن الورد: الزهد في الدنيا ألّا تأسى على ما فات منها، ولا تفرح بما آتاك منها (^٣)، قال ابن السماك: (هذا هو الزاهد المُبرَّز في زهده) (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ذكره البيهقي في شعب الإيمان برقم (٧٨٩٩)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣١٤).
(٣) ذكره المزي عنه في تهذيب الكمال (٣١/ ١٧٢).
(٤) أخرجه ابن الأعرابي في الزهد وصفة الزاهدين برقم (٣٤)، وابن أبي الدنيا في الزهد (ص ٥٠١)، ولفظ ابن أبي الدنيا: (عن إبراهيم بن رجاء، قال: سمعت ابن السماك يقول: الناس ثلاثة: زاهد، وصابر، وراغب، فأما الزاهد: فأصبح قد خرجت الأفراح والأحزان من صدره عن اتباع هذا الغرور، فهو لا يفرح بشيء من الدنيا أتاه، ولا يحزن على شيء من الدنيا فاته، لا يبالي على عسر أصبح أم على يسر، فهذا المبرز في زهده، وأما الصابر: فرجل يشتهي الدنيا بقلبه، ويتمناها بنفسه، فإذا ظفر بشيء منها ألجم نفسه عنها، كراهة شتاتها وسوء عاقبتها، فلو تطلع على ما في نفسه عجبت من نزاهته وعفته، أما الراغب: فلا يبالي من أين أتته الدنيا، ولا يبالي دنس فيها عرضه، أو وضع فيه حسبه، أو جرح دينه، فهؤلاء في غمرة يضطربون، وهؤلاء أنتن من أن يذكروا).
[ ١١٣ ]
وهذا يرجع إلى أنه يستوي عند العبد إدبارها وإقبالها وزيادتها ونقصها، وهو مثل استواء حال المصيبة وعدمها كما سبق.
وسئل الزهري عن الزاهد فقال: (من لم يغلب الحرام صبره، ولم يشغل الحلال شكره) (^١)، وهذا قريب مما قبله، فإن معناه أن الزاهد في الدنيا إذا قدر منها على حرام، صبر عنه، فلم يأخذه، وإذا حصل له منها حلال، لم يشغله عن الشكر، بل قام بشكر الله عليه.
وقال ربيعة: (رأس الزهادة جمع الأشياء بحقها، ووضعها في حقِّها) (^٢).
قصر الأمل:
وقال سفيان الثوري ﵀: (الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا بلبس العباء) (^٣).
وقال: (كان من دعائهم: اللهم زهدنا في الدنيا، ووسع علينا منها، ولا تَزْوِها عنا، فتُرغِّبنا فيها) (^٤).
_________________
(١) ينظر: شعب الإيمان (٦/ ٣٠٥)، والجامع في السنن والآداب والمغازي لأبي زيد القيرواني (ص ١٧٤).
(٢) ينظر: حلية الأولياء لأبي نعيم (٢/ ٢٥٩)، والمجالسة وجواهر العلم للدينوري (٤/ ٢٤٥).
(٣) ينظر: حلية الأولياء لأبي نعيم (٦/ ٣٨٦)، والمجالسة وجواهر العلم للدينوري (٦/ ٤١٩)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر برقم (١٣٣٤)، والرسالة القشيرية للقشيري (١/ ٢٤٠).
(٤) ذكره ابن أبي الدنيا في إصلاح المال برقم (٦٠)، وفي ذم الدنيا برقم (١٧٢).
[ ١١٤ ]
وكذا قال الإمام أحمد: (الزهد في الدنيا: قصر الأمل، وقال مرة: قصر الأمل واليأس مما في أيدي الناس) (^١).
ووجه هذا أن قصر الأمل يوجب محبة لقاء الله، بالخروج من الدنيا، وطول الأمل يقتضي محبة البقاء فيها، فمن قصُر أملُه، فقد كرِه البقاءَ في الدنيا، وهذا نهايةُ الزهد فيها، والإعراض عنها، واستدل ابن عيينة لهذا القول بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ الآية [البقرة: ٩٤ - ٩٦].
أقسام الزهد في الدنيا:
قال ابن رجب ﵀ (^٢): (وقد قسم كثير من السلف الزهد أقسامًا:
فمنهم من قال: أفضل الزهد الزهد في الشرك، وفي عبادة ما عبد من دون الله، ثم الزهد في الحرام كله من المعاصي، ثم الزهد في الحلال، وهو أقل أقسام الزهد، فالقسمان الأولان من هذا الزهد، كلاهما واجب، والثالث: ليس بواجب، فإن أعظم الواجبات الزهد في الشرك، ثم في المعاصي كلها.
وكان بكر المزني يدعو لإخوانه: زهَّدَنا الله وإياكم زهد من أمكنه الحرام والذنوب في الخلوات، فعلم أن الله يراه فتركه (^٣).
وقال ابن المبارك: قال سلام بن أبي مطيع: الزهد على ثلاثة وجوه: واحد: أن يخلص العمل لله ﷿ والقول، ولا يراد بشيء منه الدنيا، والثاني: ترك ما لا
_________________
(١) ذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية (٢/ ٢٤١)، والقاضي أبو يعلى في التوكل (ص ٧١).
(٢) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ١٨٥).
(٣) ينظر: حلية الأولياء لأبي نعيم (٦/ ٣٠٣)، والمجالسة وجواهر العلم للدينوري (٥/ ٢٤٤).
[ ١١٥ ]
يصلح، والعمل بما يصلح، والثالث: الحلال أن يزهد فيه وهو تطوع، وهو أدناها (^١).
وهذا قريب مما قبله، إلا أنه جعل الدرجة الأولى من الزهد الزهد في الرياء المنافي للإخلاص في القول والعمل، وهو الشرك الأصغر، والحامل عليه محبة المدح في الدنيا، والتقدم عند أهلها، وهو من نوع محبة العلو فيها والرياسة.
وقال إبراهيم بن أدهم: الزهد ثلاثة أصناف (^٢): فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة، فالزهد الفرض: الزهد في الحرام، والزهد الفضل: الزهد في الحلال، والزهد السلامة: الزهد في الشبهات).
مواقف الناس من الدنيا:
قال ابن رجب ﵀ (^٣): (وانقسم بنو آدم في الدنيا إلى قسمين:
أحدهما: من أنكر أن يكون للعباد بعد الدنيا دار للثواب والعقاب، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٧ - ٨]، وهؤلاء همهم التمتع بالدنيا، واغتنام لذاتها قبل الموت، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢].
ومن هؤلاء من كان يأمر بالزهد في الدنيا، لأنه يرى أن الاستكثار منها موجب الهم والغم، ويقول: كلما كثر التعلق بها، تألمت النفس بمفارقتها عند الموت، فكان هذا غاية زهدهم في الدنيا.
_________________
(١) ينظر: الزهد لابن أبي الدنيا برقم (٤٩٣)، وقوت القلوب لابن عطية (١/ ٤٤٥).
(٢) ينظر: شعب الإيمان (١٣/ ٢٥٢)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٨/ ٢٦)، والزهد لابن أبي الدنيا برقم (١٢٥).
(٣) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ١٨٧) باختصار.
[ ١١٦ ]
والقسم الثاني: من يقر بدار بعد الموت للثواب والعقاب، وهم المنتسبون إلى شرائع المرسلين، وهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام:
ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله.
فالظالم لنفسه: هم الأكثرون منهم، وأكثرهم وقف مع زهرة الدنيا وزينتها، فأخذها من غير وجهها، واستعملها في غير وجهها، وصارت الدنيا أكبر همه، لها يغضب، وبها يرضى، ولها يوالي، وعليها يعادي، وهؤلاء هم أهل اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر، وكلهم لم يعرف المقصود من الدنيا، ولا أنها منزل سفر يتزود منها لما بعدها من دار الإقامة، وإن كان أحدهم يؤمن بذلك إيمانًا مجملًا، فهو لا يعرفه مفصلًا، ولا ذاق ما ذاقه أهل المعرفة بالله في الدنيا مما هو أنموذج ما ادخر لهم في الآخرة.
والمقتصد منهم: أخذ الدنيا من وجوهها المباحة، وأدى واجباتها، وأمسك لنفسه الزائد على الواجب، يتوسع به في التمتع بشهوات الدنيا، وهؤلاء قد اختلف في دخولهم في اسم الزهادة في الدنيا كما سبق ذكره، ولا عقاب عليهم في ذلك، إلا أنه ينقص من درجاتهم في الآخرة بقدر توسعهم في الدنيا.
روى الإمام أحمد ﵀ في كتاب الزهد بإسناده عن عمر ﵁ قال (^١): (لولا أن تنقص حسناتي لخالطتكم في لين عيشكم، ولكني سمعت الله عيَّر قومًا فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠]).
ويشهد لهذا ما خرَّجه الترمذي عن قتادة بن النعمان ﵁، عن النبي
_________________
(١) ينظر: تاريخ المدينة لابن شبة (٢/ ٦٩٥)، وإصلاح المال لابن أبي الدنيا برقم (٣٥٦)، والجوع له برقم (١٨٨).
[ ١١٧ ]
ﷺ، قال: «إن الله إذا أحب عبدًا حماه عن الدنيا، كما يظل أحدكم يحمي سقيمَه الماء» (^١).
وخرجه الحاكم، ولفظه: «إن الله ليحمي عبده من الدنيا وهو يحبه، كما تحمُون مريضكم الطعامَ والشراب، تخافون عليه» (^٢).
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ، قال: «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر» (^٣).
وأما السابق بالخيرات بإذن الله: فهم الذين فهموا المراد من الدنيا، وعملوا بمقتضى ذلك، فعلموا أن الله إنما أسكن عباده في هذه الدار ليبلوهم أيهم أحسن عملا؟ كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٧]، وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢].
قال بعض السلف: (أيهم أزهد في الدنيا، وأرغب في الآخرة، وجعل ما في الدنيا من البهجة والنضرة محنةً، لينظر من يقف منهم معه، ويركن إليه، ومن ليس كذلك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]).
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم (٢٠٣٦)، والحاكم في المستدرك برقم (٧٤٦٤). قال الترمذي: حسن غريب، وصححه الحاكم برقم (٧٤٦٤)، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني.
(٢) أخرجه أحمد في المسند برقم (٢٣٦٢٢ - ٢٣٦٢٣)، والحاكم في المستدرك برقم (٧٤٦٥) عن ابن مسعود ﵁ وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه مسلم برقم (٢٩٥٦) عن أبي هريرة ﵁.
[ ١١٨ ]
ثم بين انقطاعه ونفاده فقال: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]، فلما فهموا أن هذا هو المقصود من الدنيا، جعلوا همَّهم التزود منها للآخرة التي هي دار القرار، واكتفوا من الدنيا بما يكتفي به المسافر في سفره، كما كان النبي ﷺ يقول: «ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها» (^١).
ووصى ﷺ جماعة من الصحابة أن يكون بلاغ أحدهم من الدنيا كزاد الراكب منهم: سلمان ﵁، وأبو عبيدة بن الجراح ﵁، وأبو ذر ﵁، وعائشة ﵂، ووصى ابن عمر ﵄ أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل (^٢)، وأن يعد نفسه من أهل القبور (^٣).
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه محبة أصحاب النبي ﷺ له وشفقتهم عليه، وتأثرهم بأحواله وما كان يلاقيه في الدنيا من الشدائد وضيق العيش.
ثانيًا: فيه ما كان عليه النبي ﷺ من الزهد في الدنيا والتقلل منها.
ثالثًا: فيه إشارة إلى تقلب الدنيا بأهلها، وسرعة انقضاء الأعمار.
رابعًا: فيه إشارة إلى التزام قصر الأمل، والتوثق بالعمل، واغتنام الأعمار في الطاعات، قبل هجوم هادم اللذات.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري برقم (٦٤١٦) عن ابن عمر ﵄.
(٣) أخرجه أحمد في المسند برقم (٥٠٠٢)، وابن ماجه برقم (٤١١٤).
[ ١١٩ ]