عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ» (^١). رواه الطبراني.
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
صنائع المعروف … جمع: صنيعة، وهي ما يفعل من الإحسان إلى الأنام.
تقي … تدفع عن فاعلها.
مصارع السوء … كل مصرع لا يحبه الواقع فيه.
التعليق:
هذا تنويه عظيم بفضل المعروف وأهله.
قال الماوردي ﵀ (^٣): (فينبغي لمن قدر على ابتداء المعروف أن يعجِّله حذرا من فَوْته، ويبادر به خيفةَ عجزه، ويعتقد أنه من فرص زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يمهله ثقةً بالقدرة عليه، فكم من واثق بقدرة فاتت، فأعقبت ندما، ومعوِّلٍ على مُكنةٍ زالت، فأورثت خجلًا، ولو فطن لنوائب دهره، وتحفظ من عواقب فكره، لكانت مغانمه مذخورة، ومغارمه مخبورة. وقيل: من أضاع الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير برقم (٨٠١٤)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (٣٧٩٧).
(٢) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٤/ ٨).
(٣) ينظر: أدب الدنيا والدين للماوردي (ص ٢٠٢).
[ ٣٢٣ ]
وأما قوله: «وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر»:
قال النووي ﵀ (^١): (وهذا في صدقة التطوع، فالسر فيها أفضل، لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء، وأما الزكاة الواجبة فإعلانها أفضل.
وهكذا حكم الصلاة، فإعلان فرائضها أفضل، وإسرار نوافلها أفضل، لقوله ﷺ: «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (^٢).
وقال المناوي ﵀ (^٣): (استدل به الرافعي على أن صدقة السر أفضل من العلانية، قال ابن حجر: وأولى منه خبر: «سبعة يظلهم الله»، وفيه: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها» (^٤).
قال في الإتحاف: ذكر مع الصلة صدقة السر للمناسبة التامة المؤذنة بمزيد فضل؛ فالصلة وصفت بأنها تزيد في العمر سواء كانت سرًّا أو جهرًا بخلاف، إطفاء الغضب، فإنه لا يكون إلا بالصدقة سرًّا ثم إخفاؤها، فالصلة أفضل، فإنها نوع من الصدقة، فيجتمع فيها حينئذ الأمران؛ الزيادة في العمر، وإطفاء الغضب).
وقال الصنعاني ﵀ (^٥): (الجامع بينهما -أي: بين الصدقة والصلة- حتى تعاطفًا، إذ الكل إحسان يراد به وجه الله تعالى).
_________________
(١) ينظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٢).
(٢) أخرجه البخاري برقم (٧٣١)، ومسلم برقم (٧٨١)، عن زيد بن ثابت ﵁.
(٣) ينظر: فيض القدير للمناوي (٤/ ١٩٦).
(٤) أخرجه البخاري برقم (١٤٢٣)، ومسلم برقم (١٠٣١)، عن أبي هريرة ﵁.
(٥) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (٦/ ٥٨٥).
[ ٣٢٤ ]
حول زيادة العمر ونقصانه:
قوله: «وصلةُ الرحم تزيد في العمر»:
قال الشيخ محمد بن علي الأثيوبي ﵀ (^١): (استُدِلّ بهذا الحديث على جواز الزيادة في العمر، وهذا الاستدلال واضح، وهو الصواب من القولين في المسألة).
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ (^٢): (وأما نقص العمر وزيادته، فمن الناس من يقول: إنه لا يجوز بحال، ويَحمِل ما ورد على زيادة البركة، والصواب: أنه يحصل نقص وزيادة عما كُتب في صحف الملائكة، وأما علم اللَّه تعالى القديم فلا يتغيّر، وأما اللوح المحفوظ، فهل يُغيَّر ما فيه؟ على قولين، وعلى هذا يتفق ما ورد في هذا الباب من النصوص). انتهى كلامه ﵀، وهو كلام نفيس جدًّا.
وقد حقق المسألة العلامة الشوكاني ﵀، وكتب فيها رسالة مفيدة جدًّا، ورجح القول بأن العمر يزيد وينقص حقيقةً، أحببتُ إيرادها هنا تتميمًا ونشرًا للفائدة، قال ﵀ (^٣): (اعلم أنه قد طال الكلام من أهل العلم على ما يظهر في بادئ الرأي من التعارض بين هذه الآيات الشريفة، وهي قوله ﷿: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥].
_________________
(١) ينظر: ذخيرة العقبى في شرح المجتبى، الإثيوبي الوَلَّوي (٢٠/ ٢٠٦).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٤/ ٣٨١).
(٣) وهي كما قال رسالة مفيدة جدًّا، ويبدو أن الشيخ لم يذكرها كاملة خوفًا من الإطالة، فمن أراد التوسع في هذه المسألة فليرجع إلى هذا الموضع.
[ ٣٢٥ ]
فقد قيل: إنها معارضة لقوله ﷿: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٢].
فذهب الجمهور إلى أن العمر لا يزيد ولا ينقص؛ استدلالًا بالآيات المتقدّمة، والأحاديث الصحيحة، كحديث ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «إن أحدكم يُجمع خلقُه في أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك، ثم يكون مُضْغَة مثل ذلك، ثم يبعث اللَّه ملكًا، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقيّ، أو سعيد» (^١)، وهو في الصحيحين وغيرهما، وما ورد في معناه من الأحاديث الصحيحة.
وذهب جمع من أهل العلم إلى أن العمر يزيد، وينقص، واستدلوا بالآيات المتقدّمة، فإن المحو والإثبات عامَّان، يتناولان العمر، والرزق، أو السعادة، والشقاوة، وغير ذلك.
وقد ثبت عن جماعة من السلف ﵏، ومن الصحابة ﵃ ومن بعدهم أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم: «اللَّهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة، فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة فامحُني، وأثبتني في أهل السعادة» (^٢).
ولم يأت القائلون بمنع زيادة العمر ونقصانه ونحو ذلك بما يخصِّص هذا العموم.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٣٢٠٨)، ومسلم برقم (٢٦٤٣) عن ابن مسعود ﵁.
(٢) ورد عن عمر بن الخطاب ﵁، أخرجه البيهقي في القضاء والقدر برقم (٢٥٧)، وابن بطة في الإبانة الكبرى برقم (١٥٦٥)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة برقم (١٢٠٧)، وورد عن ابن مسعود ﵁، أخرجه الطبراني في الكبير برقم (٨٨٤٧).
[ ٣٢٦ ]
وهكذا تدلّ على هذا المعنى الآية الثانية، فإن معناها أنه لا يطول عمر إنسان ولا ينقص إلا وهو في كتاب، أي: اللوح المحفوظ، وهكذا يدلّ قوله ﷿: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ أن للإنسان أجلين، يقضي اللَّه ﷿ له بما يشاء منهما، من زيادة، أو نقص.
ويدلّ على هذا أيضًا ما في الصحيحين، وغيرهما، عن جماعة من الصحابة ﵃، عن النبي ﷺ أن صلة الرحم تزيد في العمر (^١).
وفي لفظ في الصحيحين (^٢): «من أحبّ أن يبسط له في رزقه، وأن يُنسأ له في أثره، فليصل رحمه».
وفي لفظ: «من أحبّ أن يمدَّ اللَّه في عمره وأجله، ويُبسط له في رزقه، فليتق اللَّه، وليصِلْ رحِمه» (^٣).
وفي لفظ: «صلةُ الرحم، وحسن الخلق يعمّران الديار، ويزيدان من الأعمار» (^٤).
ومن أعظم الأدلة ما ورد في الكتاب العزيز من الأمر بالدعاء؛ لقوله ﷿: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢].
_________________
(١) كما سيأتي.
(٢) أخرجه البخاري برقم (٢٠٦٧)، ومسلم برقم (٢٥٥٧) عن أنس ﵁.
(٣) أخرجه أحمد في المسند برقم (١٢١٣)، والطبراني في الأوسط برقم (٣٠١٤)، عن علي ﵁.
(٤) أخرجه أحمد في المسند برقم (٢٥٢٥٩) عن عائشة ﵂.
[ ٣٢٧ ]
والأحاديث المشتملة على الأمر بالدعاء متواترة:
وفيها: إن الدعاء يدفع البلاء، ويردّ القضاء.
وفيها: أن الدعاء هو العبادة.
وفيها: الاستعاذة من سوء القضاء، كما ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: «اللَّهم إني أعوذ بك من سوء القضاء» (^١)، كما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «وقني شرّ ما قضيت» (^٢).
فإذا كان الدعاء لا يفيد شيئًا، وأنه ليس للإنسان إلا ما قد سبق في القضاء الأزليّ، لكان أمره ﷿ بالدعاء لغوًا، لا فائدة فيه، وكذلك وعده بالإجابة للعباد الداعين، وهكذا تكون استعاذة النبيّ ﷺ لغوًا لا فائدة فيها.
وهكذا يكون ما ثبت في الأحاديث المتواترة المشتملة على الأمر بالدعاء، وأنه عبادة لغوًا، لا فائدة فيها.
وهكذا يكون قوله ﷺ: «وقني شرّ ما قضيت»: لغوًا، لا فائدة فيه.
وهكذا يكون أمره ﷺ بالتداوي، وأن اللَّه ﷿ ما أنزل من داء، إلا وله دواء لغوًا لا فائدة فيه، مع ثبوت الأمر بالتداوي في الصحيح (^٣) عنه ﷺ.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٣٤٧)، ومسلم برقم (٢٧٠٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنْ: جَهْدِ البَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ».
(٢) أخرجه أبو داود برقم (١٥٢٥)، والترمذي برقم (٤٦٤)، والنسائي برقم (١٧٤٥)، وابن ماجه برقم (١١٧٨)، وأحمد في المسند برقم (١٧١٨).
(٣) أخرجه البخاري برقم (٥٦٧٨)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً».
[ ٣٢٨ ]
فإن قلت: فعلى ما يحمل ما تقدّم من الآيات القاضية بأن الأجل لا يتقدم، ولا يتأخّر، ومن ذلك قوله ﷿: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
قلت: قد أجاب عن ذلك بعض السلف ﵏، وتبعه الخلف، بأن هذه الآية مختضة بالأجل إذا حضر، فإنه لا يتقدّم، ولا يتأخّر عند حضوره.
ويؤيد هذا أنها مقيدة بذلك، فإنه قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾، ومثل هذا التقييد المذكور في هذه الآية قوله ﷿: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، وقوله ﷿: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]، فقد أمكن الجمع بحمل هذه الآيات على هذا المعنى، فإذا حضر الأجل لم يتقدّم، ولم يتأخر، وفي غير هذه الحالة يجوز أن يؤخّره اللَّه بالدعاء، أو بصلة الرحم، أو بفعل الخير، ويجوز أن يقدم لمن عمل شرًّا، أو قطع ما أمر اللَّه به أن يوصل، وانتهك محارم اللَّه ﷿.
فإن قلت: فعلى ما يحمِل قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]، وقوله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، وكذلك معنى ما ورد في هذا المعنى؟
قلت: هذه أوّلًا: معارضة بمثلها، مثل قوله ﷿: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، ومثل ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح القدسيّ: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد اللَّه، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومنّ إلا نفسه» (^١).
وثانيًا: بإمكان الجمع بحمل مثل قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، وقوله
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٥٧٧) عن أبي ذر ﵁.
[ ٣٢٩ ]
﷿: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، على عدم التسبب من العبد بأسباب الخير من الدعاء، وسائر أفعال الخير، وحمل ما ورد فيما يخالف ذلك على وقوع التسبب بأسباب الشرّ المقضية لأمان المكروه، ووقوعه على العبد.
وهكذا يكون الجمع بين الأحاديث الواردة لسبق القضاء، وأنه فرغ من تقدير الأجل، والرزق، والسعادة، والشقاة، وبين الأحاديث الواردة في صلة الرحم بأنها تزيد في العمر، وكذلك سائر أعمال الخير، وكذلك الدعاء.
فتحمل أحاديث الفراغ من القضاء على عدم تسبب العبد بأسباب الخير والشرّ، وتحمل الأحاديث الأخرى على أنه قد وقع من العبد التسبب بأسباب الخير، من الدعاء، والعمل الصالح، وصلة الرحم، أو التسبب بأسباب الشرّ.
فإن قلت: قد تقرر بالأدلّة من الكتاب بأن علمه ﷿ أزليّ، وأنه قد سبق في كلّ شيء، ولا يصحّ أن يقدّر وقوع غير ما قد علمه، وإلا انقلب العلم جهلًا، وذلك لا يجوز إجماعًا.
قلت: علمُه ﷿ سابق أزليّ، وقد علم ما يكون قبل أن يكون، ولا خلاف بين أهل الحقّ من هذه الحيثية، ولكنه غلا قوم، فأبطلوا فائدة ما ثبت في الكتاب والسنة من الإرشاد إلى الدعاء، وأنه يردّ القضاء، وما ورد في الاستعاذة منه ﷺ من سوء القضاء، وما ورد من أنه يصاب العبد بذنبه، وبما كسبت يده، ونحو ذلك، مما جاءت به الأدلة الصحيحة، وجعلوه مخالفًا لسبق العلم، ورتبوا عليه أنه يلزم انقلاب العلم جهلًا، والأمر أوسع من هذا.
والذي جاءنا بسبق العلم، وأزليته هو الذي جاءنا بالأمر بالدعاء، والأمر بالدواء، وعرَّفَنا بأن صلة الرحم، تزيد في العمر، وأن الأعمال الصالحة تزيده
[ ٣٣٠ ]
أيضًا، وأن أعمال الشرّ تمحقُه، وأن العبد يصاب بذنبه، كما يصل إلى الخير، ويندفع عنه الشرّ بكسب الخير، والتلبّس بأسبابه، فإعمال بعض ما ورد في الكتاب والسنّة، وإهمال البعض الآخر، ليس كما ينبغي، فإن الكلّ ثابت عن اللَّه ﷿، وعن رسول اللَّه ﷺ، والكلّ شريعة واضحة، وطريق مستقيمة، والجمع ممكن بما لا إهمال فيه لشيء من الأدلّة.
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه فضل الإحسان إلى الخلق، وأن ذلك سببٌ في دفع مِيتتة السوء، وإرضاء الله تعالى، وبركة العمر.
ثانيًا: فيه فضل الإسرار بالصدقة كما قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
ثالثًا: فيه إشارة إلى أن من كان واقعًا في المعاصي، فعلاجه بعد التوبة والإقلاع عن الذنوب، أن يكثر من صدقة السر، حتى يذهب غضب الله عليه.
رابعًا: وفيه أن صلة الرحم تزيد في العمر حقيقة كما سبق ذكره.
[ ٣٣١ ]