عن أَنَسِ بْنَ مَالِكٍ ﵁، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ» (^١). متفق عليه.
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ … وهذا يقع في الأغلب، وربَّ ميت لا يتبعه إلا عملُه فقط.
وَمَالُهُ … مثل رقيقِه ودوابُّه على ما جرت به عادةُ العرب.
التعليق:
يخبر النبي ﷺ في هذا الحديث، أن الميت يتبعه إلى قبره: أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويتركانه وحيدًا مرتهنًا بما قدم، لأن أهله لن يدخل أحد منهم القبر معه ليؤنسه فيه.
وكذلك ماله، فلن يوضع معه في قبره، بل سيقسم على الورثة، وسيحاسب هو عليه؛ من أين اكتسبه، وفيما أنفقه.
وأما عمله، فهو الذي يدخل معه القبر، فإن كان سعيدًا مُثِّل له أحسن صورة، فيؤنسه ويبشره في قبره، فيقول: من أنت يرحمك الله؟ فيقول: عملك.
وإن كان سيئًا مُثِّل له في أقبح صورة، فيقول له: من أنت؟ فيقول: عملك.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٥١٤)، ومسلم برقم (٢٩٦٠).
(٢) ينظر: عمدة القاري للعيني (٢٣/ ٩٧).
[ ٣٧٢ ]
ويصحبه كذلك حَتَّى يحشر (^١).
قال الإمام ابن رجب ﵀ (^٢): (وتفسير هذا: أن ابن آدم في الدنيا لا بد له من أهلٍ يعاشرهم، ومالٍ يعيش به، فهذان صاحبان يفارقانه ويفارقهما، فالسعيد من اتخذ من ذلك ما يعينه على ذكر الله تعالى، وينفعه في الآخرة، فيأخذ من المال ما يبلغ به إلى الآخرة، ويتخذ زوجةً صالحة تعينه على إيمانه.
فأما من اتخذ أهلًا ومالًا يشغله عن الله تعالى، فهو خاسر، كما قالت الأعراب: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [الفتح: ١١]، وقال تعالى: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧].
قال الحسن وهو في جنازة: ابن آدم، لئن رجعتَ إلى أهل ومال، فإن الثَّوى (^٣) فيهم قليل، فإذا مات ابن آدم، وانتقل من هذه الدار لم ينتفع من أهله وماله بشيء، إلا بدعاء أهله له واستغفارهم، وبما قدمه من ماله بين يديه، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤].
_________________
(١) ينظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٢٩/ ٦١١).
(٢) ينظر: مجموع رسائل ابن رجب (٢/ ٤٢١ - ٤٣٤) باختصار، وهي رسالة بعنوان شرح حديث يتبع الميت ثلاثة.
(٣) الثوى: المكث. ينظر: الصحاح للفارابي (٦/ ٢٢٩٦)، ومجمل اللغة لابن فارس (١/ ١٦٤) ..
[ ٣٧٣ ]
فأما إن خلَّف من يدعو له من أهله، أو قدم شيئًا من ماله فإنه ينتفع به، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: «إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاث: إلا من صدقةٍ جارية، أو ولدٍ صالح يدعو له، أو علمٍ ينتفع به» (^١).
الصاحب الأول: الأهل:
فأهله لا ينفعه منهم بعد موته إلا من استغفر له ودعا له، وقد لا يفعل، وقد يكون الأجنبيُّ أنفعَ للميت من أهله، كما قال بعض الصالحين: وأين مثل الأخ الصالح؟! أهلك يقتسمون ميراثَك، وهو قد تفرَّد بحزنك، يدعو لك، وأنت بين أطباقِ الأرض، فمن الأهل من هو عدوٌّ، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، ومنهم من يشتغل عن الميت بحصول ميراثِه، كما قيل:
تمر أقاربي جنباتِ قبرى … كأن أقاربي لا اعرفوني
وذووا الميراثِ يقتسمون مالي … ولا يألون إن جحدوا ديوني
وقد أخذوا سهامَهُم وعاشوا … فيا للهِ أسرعَ ما نسوني
قال الحسن: أزهد الناس في عالم جيرانُه، وشرُّ الناس لميت أهلُه؛ يبكون عليه، ولا يقضون دينه (^٢). يشير إلى أنهم يفعلون ما يضرُّه ويتركون ما ينفعه؛ فالبكاء إذا كان معه ندبٌ أو نوْحٌ أو تسخطٌ يعذَّب به الميت (^٣)، وإنما يبكون لفقد حظوظهم منه، فبكاؤهم على أنفسهم لا على ميتِهم.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (١٦٣١).
(٢) ذكره القرطبي في التذكرة (ص ٣٣٠)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (٨/ ٥١٧).
(٣) لحديث عُمَرَ بن الخطاب ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». أخرجه البخاري برقم (١٢٩٢)، ومسلم برقم (٩٢٧).
[ ٣٧٤ ]
احتُضر بعض الصالحين فبكى أبواه وولده، فسألهم عن بكائهم، فذكر أبواه ما يتعجلانه من فقده، ووحشتَهم بعدَه، وذكر ولده ما يتعجلون من فقده، ويُتمَهم بعده، فقال: كلُّكم بكى لدنياي، أما منكم من يبكي لآخرتي؟!
أما منكم من يبكي لِمَا يلقاه في التراب وجهي؟! أما منكم من يبكي لمسائلةِ منكرٍ ونكيرٍ إياي؟! أما منكم من يبكي لمقامي بين يدي ربي؟! ثم صرخ صرخةً فمات ﵀.
وأكثر الورثة لا يوفون دينَ موَرِّثهم، فيتركونه مرتهَنا محتبَسا بدَيْنه، كما قال النبي ﷺ لقوم مات منهم ميت: «إن صاحبكم محتبَسٌ بدَيْنِه، فإن شئتم فأسْلموه أو فكُّوه» (^١)، أو كما قال.
وبكل حال فليوطن الإنسان في الدنيا نفسَه على مفارقة أهله، ولا ينتفع الميتُ بعد موته بأهله ولا غيرهم، إلا بالاستغفار له ودعائهم وترحمهم، أو صدقتهم عنه، وينتفع بزيارة من زاره ويسلِّم عليه ويستأنس بذلك.
وقد وصى عمرو بن العاص ﵁، أن يقيموا على قبرِه بعد دفنه بقدر ما تُنحر جزورٌ ويقسَّم لحمُها، وقال: أستأنس بكم، وأنظر ما أراجع به رسلَ ربي (^٢).
وفي سنن أبي داود أن النبي ﷺ كان إذا دفن الميت قال: «سلوا له التثبيتَ، فإنه الآن يُسأل» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند برقم (٢٠٢٢٢)، عن سمرة ﵁، ولفظه: أن النبي ﷺ صلى الفجر، فقال: «هاهنا من بني فلان أحد؟» ثلاثًا، فقال رجل: أنا، فقال: «إن صاحبكم محبوس عن الجنة بدينه»، وأخرجه أبو داود برقم (٣٣٤١).
(٢) أخرجه مسلم برقم (١٢١).
(٣) أخرجه أبو داود برقم (٣٢٢١)، والحاكم في المستدرك برقم (١٣٢٧)، عن عثمان بن عفان ﵁ قال الحاكم: (صحيح ولم يخرجاه).
[ ٣٧٥ ]
وأما إقامتهم عنده بعد ذلك فلا ينتفع به، ومع هذا فالمؤمن يبشَّر في قبره بصلاح ولده من بعده؛ لتقرَّ عينُه، وتنزل الملائكة عند موت المؤمن بالبشرى له، ويقال له: لا تخف مما أنت قادمٌ عليه، ولا تحزن على من خلَّفت من أهلك؛ فإن الله يتكفل بهم، فتقرّ عينُ المؤمن بذلك.
فهذا أحد الأخلاءِ الثلاثةِ، وهو الأهل يصِلون مع خليلهم إلى باب الملك وهو اللحدُ، ثم يرجعون عنه.
الصاحب الثاني: المال:
وأما الخليل الثاني وهو المال، فيرجع عن صاحبه أولًا ولا يدخل معه قبره، ورجوعُه كنايةً عن عدم مصاحبته له في قبره ودخوله معه، وقد فسر بعضهم المال الراجع بمن يتبعه من رقيقِه، ثم يرجعون مع الأهل فلا ينتفع الميت بشيءٍ من ماله بعد موته، إلا بما كان قدمه بين يديه؛ فإنه داخل في عمله الذي يصحبه في قبره، فأما ما خلَّفه وتركه، فهو لورثته لا له، وإنما كان خازنًا لورثته.
وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي، قال: وهل لك، يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيت، أو لبستَ فأبليت، أو تصدَّقت فأمضيت؟» (^١).
وفيه أيضًا (٢) عن النبي ﷺ قال: «يقول العبد: مالي مالي، إنما له من ماله ثلاثُ: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى (^٢)، وما سوى ذلك فهو ذاهبٌ وتاركُه للناس» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٩٥٨).
(٢) فاقتنى: أي: ادخره لآخرته كما في شرح الأبي والسنوسي على صحيح مسلم (٩/ ٤٢٩).
(٣) أخرجه مسلم برقم (٢٩٥٩).
[ ٣٧٦ ]
وفي صحيح البخاري عنه ﷺ قال: «أيُّكم مالُ وارثِه أحبُّ إليه من ماله؟ قالوا: ما منا إلا مالُه أحبُّ إليه من مال وارثه. قال: فإن مالَه ما قدم، ومالُ وارثه ما أخر» (^١).
فلا ينتفع العبد من ماله إلا بما قدمه لنفسه، وأنفقه في سبيل الله ﷿.
فأما ما أكله ولبسه، فإنه لا له ولا عليه، إلا أن يكون فيه نيةٌ صالحة، وقيل: بل يثاب عليه مطلقًا.
فأما ما أنفقه في المعاصي فهو عليه لا له، وكذلك ما أمسكه ولم يؤدّ حق الله ﷿ منه؛ فإنه يمثَّل له شجاعًا أقرع (^٢)، يتبعه وهو يفرُّ منه، حتى يأخذَ بلهزمتيه (^٣)، ويقول: أنا مالك! أنا كنزُك، ويلقمه يدَه فيقضمُها (^٤) قضمَ الفحلِ (^٥).
وإن كان المكنوز ذهبًا أو فضة جُعل صفائح، فأحمي عليها، ثم كوي بها جبينه وجبهته وجنبُه، فمن تحقق هذا، فليقدم لنفسه من ماله ما يحبُّ، فإنه إذا قدمه كان له وبين يديه، ينتفع به في دار الإقامة، وإذا خلفه كان لغيره لا له، وقد يكون هو ممن يحبسه عن النفقة في سبيل الله، فيراه يوم القيامة في ميزان غيره، فيتحسَّر على ذلك، فيدخل هو بماله النار، ويدخل وارثه به الجنة!
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٤٤٢) عن ابن مسعود ﵁.
(٢) الشجاع الأقرع: فسر بحية بيضاء كريهة المنظر، كثيرة السم. ينظر: شرح مسلم للأبي (٣/ ٤٣٩).
(٣) بلهزمتيه: أي: بشدقيه، وفي الجامع: هما لحم الخدين الذي يتحرك إذا أكل الإنسان، ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣١٨).
(٤) فيقضمها: يأكلها، ينظر: المصدر السابق.
(٥) أخرجه البخاري برقم (١٤٠٣)، ومسلم برقم (٩٨٧).
[ ٣٧٧ ]
فالعاقل هو من قدم من ماله ما يحبه، فيفوز به في دار الإقامة؛ فإن من أحب شيئًا استصحبه معه، ولا يدعه لغيره، فيندم حين لا ينفعه الندم.
وقال بعض الملوك لأبي حازم الزاهد: ما بالنا نكره الموت؟
قال: لتعظيمِك الدنيا، جعلت مالك بين عينيك، فأنت تكره فراقَه، ولو قدمته لآخرتك لأحببت اللحوقَ به.
قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
كان ابن عمر ﵄ لا يعجبه شيء من ماله إلا قدَّمه لله، حتى إنه كان يومًا راكبًا على ناقة فأعجبته، فنزل عنها في الحال وقلَّدها وجعلها هديًا لله ﷿.
دخل رجل على أبي ذر ﵁ فجعل يقلب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذر، أين متاعكم؟ قال: إن لنا بيتًا نوجِّه إليه صالح متاعنا، قال: إنه لا بدَّ لك من متاع، ما دمت هاهنا قال: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه.
يا جامع الأموالِ بادر صرفَها … واعلم بأن الطالبين حِثاثُ
خذ من تراثِك ما استطعتَ فإنما … شركاؤُك الأيامُ والأحداثُ
لم يقض حقَّ المال إلا معشرٌ … نظروا الزمان يعيثُ فيه فعاثوا
ما كان فيه فاضلًا عن قوتِه … فليعلَمنَّ بأنه ميراثُ (^١)
_________________
(١) الأبيات للشريف الرضي كما في ديوانه (١/ ٢١٨)، وتمامها: تَحثو عَلى عَيبِ الغَنِيّ يَدُ الغِنى … وَالفَقرُ عَنْ عَيبِ الفَتى بِحّاثُ المالُ مالُ المَرءِ ما بَلَغَت بِهِ ال … شَهَواتُ أَوْ دَفَعَت بِهِ الأَحداثُ ما كانَ مِنهُ فاضِلًا عَنْ قوتِهِ … فَليَعلَمَنَّ بِأَنَّهُ ميراثُ ما لي إِلى الدُنيا الغَرورَةِ حاجَةٌ … فَليَخزَ ساحِرُ كَيدِها النَفّاثُ طَلَّقتُها أَلفًا لِأَحسِمَ داءَها … وَطَلاقُ مَنْ عَزَمَ الطَلاقَ ثَلاثُ سَكَناتُها مَحذورَةٌ وَعُهودُها … مَنقوضَةٌ وَحِبالُها أَنكاثُ أُمُّ المَصائِبِ لا يَزالُ يَروعُنا … مِنها ذُكورُ نَوائِبٍ وَإِناثُ إِنّي لَأَعجَبُ مِنْ رِجالٍ أَمسَكوا … بحَبائِلِ الدُنيا وَهُنَّ رِثاثُ كَنزوا الكُنوزَ وَأَغفَلَوا شَهَواتِهِم … فَالأَرضُ تَشبَعُ وَالبُطونُ غِراثُ أَتُراهُمُ لَم يَعلَموا أَنَّ التُقى … أَزوادُنا وَدِيارُنا الأَجداثُ
[ ٣٧٨ ]
قال الحسن: بئس الرفيقان الدرهم والدينار لا ينفعانك حتى يفارقانك.
وقيل لبعضهم: جمع فلان مالًا، قال: هل جمع عمرًا ينفقه فيه؟ قالوا: لا، قال: ما جمع شيئًا.
جمعت مالًا ففكر هل جمعت له … يا جامع المال أيامًا تفرقه
المال عندك مخزونٌ لوارثه … ما المال مالَك إلا حين تنفقه
من قدم اليوم شيئًا قدِم عليه غدًا، ومن لم يقدم شيئًا قدِم على غير شيء، فطال فقره في دار الإقامة.
دخلت امرأة على عائشة ﵂ قد شُلَّت يدُها، فقالت: يا أم المؤمنين، بتُّ البارحة صحيحةَ اليد فأصبحت شلَّاء! قالت عائشة ﵂: وما ذاك؟ قالت: كان لي أبوان موسران، كان أبي يعطي الزكاة، ويقري الضيف، ويعطي السائل، ولا يحقر من الخير شيئًا إلا فعله، وكانت أمي امرأة بخيلة ممسكة، لا تصنع في مالها خيرًا، فمات أبي ثم ماتت أمي بعده بشهرين، فرأيت البارحة في منامي أبي وعليه ثوبان أصفران، بين يديه نهرٌ جارٍ، قلت: يا أبهْ ما هذا؟ قال: يا بنية، من يعمل في هذه الدنيا خيرًا يره، هذا أعطانيه الله تعالى.
قلت: فما فعلت أمي؟ قال: وقد ماتت أمك؟! قلت: نعم، قال: هيهات!
[ ٣٧٩ ]
عُدلت عنا، فاذهبي فالتمسيها ذات الشمال، فملت عن شمالي، فإذا أنا بأمي قائمة عريانة متزرة بخرقةٍ، بيدها شُحَيمة تنادي: والهفاه، واحسرتاه، واعطشاه، فإذا بلغها الجهد دلَكت تلك الشُّحَيْمة براحتِها ثم لحسَتْها، وإذا بين يديها نهر جارٍ، قلت: يا أماه! ما لك تنادين العطش وبين يديك نهرٌ جار؟! قالت: لا أترك أن أشرب منه. قلت: أفلا أسقيك؟ قالت: وددتُ أنك فعلت، فغرفتُ لها غرفةً فسقيتُها، فلما شربت نادى منادٍ من ذات اليمين: ألا من سقي هذه المرأة شُلَّت يمينه مرتين فأصبحتُ شلاءَ اليمين، لا أستطيع أن أعمل بيميني.
قالت لها عائشة ﵂: وعرفتِ الخرقة؟ قالت: نعم يا أمَّ المؤمنين، وهي التي رأيتها عليها، ما رأيت أمي تصدَّقت بشيءٍ قط، إلا أن أبي نحر ذات يوم ثورًا، فجاء سائل فعمدت أمي إلى عظم عليه شُحَيْمةٌ فناولتها إياه، وما رأيتها تصدقت بشيء، إلا أن سائلًا جاء يسأل، فعمدت أمي إلى خِرقةٍ فناولتها إياه؛ فكبرت عائشة ﵂ وقالت: صدق الله وبلَّغ رسوله ﷺ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
أخرجه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب الترغيب والترهيب من طريق أبي الشيخ الأصبهاني الحافظ بإسناد حسن (^١).
من خرج إلى سفر من أسفار الدنيا بغير زاد، ندم حيث يحتاج إلى الزاد، فلا ينفعه الندم وربما هلك؛ فكيف بمن رحل إلى سفر الآخرة مع طوله ومشقته بغير زاد؟!
كان علي ﵁ يقول في الليل: آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة
_________________
(١) وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق أخرى (٤/ ٤٧١ - ٤٧٢)، وابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعاء برقم (٧١).
[ ٣٨٠ ]
الطريق (^١)، وبكى أبو هريرة ﵁ عند موته وقال: إنما أبكي على بعد سفري وقلة زادي (^٢).
إذا شكا من قلة الزاد من زاده كثير … فكيف يقول من لا زاد له؟!
يا جامع المال ما أعددتَ للحفر … هل يُغفل الزاد من أضحى على سفر
قال ابن السماك ﵀: ما بكوا لسكرة الموت، إنما بكوا لحسرة الفوت، خرجوا من دار لم يتزودوا منها، وقدموا على دار لا زاد لهم فيها (^٣).
إذا أنت لم ترحَل بزاد من التقى … وأبصرتَ بعد الموت من قد تزودا
ندمتَ على ألَّا تكون شركتَه … وأرصدتَ ما قد كان من قبل أرصدا
الصاحب الثالث: العمل
أما الخليل الثالث: فهو العمل، وهو الخليل الذي يدخل مع صاحبه قبره فيكون معه فيه، ويكون معه إذا بُعث، ويكون معه في مواقف القيامة، وعلى الصراط، وعند الميزان، وبه تُقتسم المنازل في الجنة والنار.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤].
قال بعض السلف ﵏: في القبر (^٤).
يعني: أن العمل الصالح يكون مِهادًا (^٥) لصاحبه في القبر، حيث لا يكون
_________________
(١) أورده ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٤/ ٤٠١)، والاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ١١٠٨).
(٢) أورده ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٧/ ٣٨٤).
(٣) أخرجه أبو القاسم الحنائي في فوائده برقم (١٩٨).
(٤) روي عن مجاهد، ينظر: تفسير الطبري (١٨/ ٥١٦)، وتفسير ابن أبي حاتم (٩/ ٣٠٩٣).
(٥) مهادًا: أي: فراشًا ممهدًا.
[ ٣٨١ ]
للعبد من متاع الدنيا فراش ولا وساد ولا مهاد؛ بل كل عامل يفترش عملَه ويتوسده من خير أو شر.
فالعاقل من عمر بيته الذي تطول إقامتُه فيه، ولو عمره بخراب بيته الذي يرتحل عنه قريبا لم يكن مغبونًا؛ بل كان رابحًا.
قال وهب بن منبه ﵀: قال لقمان ﵇ لابنه: يا بني، لكل إنسان بيتان: بيت غائب، وبيت شاهد؛ فلا يلهينك بيتك الشاهد الذي فيه عمرك القليل، عن بيتك الغائب الذي فيه عمرك الطويل (^١).
وقال بعض السلف ﵏: اعمل للدنيا على قدر مكثِك فيها، واعمل للآخرة على قدر مكثِك فيها.
وقال بعضهم: لابن آدم بيتان: بيت على الأرض، وبيت في بطن الأرض، فعمد إلى الذي على وجه الأرض، فزخرفه وزينه، وجعل فيه أبوابًا للشمال، وأبوابًا للجنوب، ووضع فيه ما يصلحه لشتائه وصيفه، ثم عمد إلى الذي في بطن الأرض فأخربه؛ فإذا قيل: هذا البيت الذي أصلحته كم تقيم فيه؟ قال: لا أدري. قيل له: والذي أخربته كم تقيم فيه؟ قال: فيه مقامي. قال: تقر بهذا على نفسك وأنت رجل تعقل؟! (^٢)
قال الحسن: تبع رجل من المسلمين جنازة أخيه، فلما دلي في قبره قال الرجل: ما أرى تبعك من الدنيا إلا ثلاثة أثواب، أما والله لقد تركت بيتي كثير المتاع، أما والله إن أقالني الله حتى أرجع لأقدمنه بين يدي، قال: فرجع فقدمه والله بين يديه، وكانوا يرون أنه كان عمر بن عبد العزيز ﵀.
_________________
(١) ينظر: التبصرة لابن الجوزي (٢/ ٩).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور برقم (١٠٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٨/ ٨٣) عن عبيد الله بن العيزار، وينظر: أهوال القبور لابن رجب (ص ١٦٥).
[ ٣٨٢ ]
وكان ينشد هذه الأبيات كثيرًا (^١):
من كان حين تصيب الشمسُ جبهتَه … أو الغبارُ يخاف الشينَ والشعَثا
ويألف الظلَّ كي تبقى بشاشتُه … فسوف يسكن يوما راغمًا جَدَثا
في ظل مقبرةٍ غبراءَ مظلمةٍ … يطيل تحت الثرى في غمها اللبثا
تجهَّزي بجهازٍ تبلغين به … يا نفس قبل الرَّدى لم تُخلقي عبثا
فالمؤمن يأتيه عمله الصالح في قبره في أحسن صورة، فيبشره بالسعادة من الله، والكافر بعكس ذلك.
والأعمال الصالحة تحيط بالمؤمن في قبره؛ في صحيح ابن حبان عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «والذي نفسي بيده، إنه ليسمع خفْقَ نعالهم حين يُولُّون عنه، فإن كان مؤمنًا كانت الصلاةُ عند رأسه، والزكاةُ عن يمينه، والصوم عن شماله، وفعل الخيرات والمعروفُ والإحسانُ إلى الناس من قِبلِ رجليه، فيؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ليس قِبَلي مدخل …».
وذكر سائر الأعمال كذلك، وقال في الكافر: «يؤتى من هذه الجهاتِ فلا يوجد شيء فيجلس خائفًا مرعوبًا» (^٢).
قال عطاء بن يسار ﵀ (^٣): إذا وضع الميت في لحده، فأول شيء يأتيه عمله، فيضرب فخذه الشمال فيقول: أنا عملك. فيقول: فأين أهلي وولدي وعشيرتي وما خوَّلني الله؛ فيقول: تركت أهلك وولدك وعشيرتَك وما خوَّلك الله
_________________
(١) ينظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (٤٥/ ٢٤٠)، وسير أعلام النبلاء للذهبي (٥/ ١٣٨).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه برقم (٣١١٣)، وعبد الرزاق في المصنف برقم (٦٧٠٣)، والطبراني في الأوسط برقم (٢٦٣٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٥١ - ٥٢): رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.
(٣) ينظر: أهوال القبور لابن رجب (ص ٣٣).
[ ٣٨٣ ]
وراء ظهرك، فلم يدخل معك قبرك غيري. فيقول: يا ليتني آثرتك على أهلي وولدي وعشيرتي وما خولني الله، إذ لم يدخل معي غيرك.
قال يزيد الرقاشي ﵀ (^١): بلغني أن الميت إذا وضع في قبره احتوَشَتْه (^٢) أعمالُه، ثم أنطقَها الله، فقالت: أيها العبد المنفرد في حفرته، انقطع عنك الأخلاءُ والأهلون، فلا أنيس لك اليوم غيرنا، ثم بكى يزيد وقال: طوبى لمن كان أنيسه صالحًا، والويل لمن كان أنيسه وبالًا.
تزوَّد قرينًا من فعالك إنما … قرين الفتى في القبر ما كان يفعل
وإن كنت مشغولًا بشيءٍ فلا تكن … بغير الذي يرضى به الله تُشغل
فلن يصحب الإنسانَ من بعد موتِه … إلى قبرِه إلا الذي كان يعملُ
ألا إنما الإنسانُ ضيف لأهلِه … يقيم قليلًا عندهم ثم يرحلُ).
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث التذكير بالموت وانقضاء الأعمار وانقطاع الأعمال.
ثانيًا: فيه الحث على قصر الأمل، واغتنام الأعمار في طاعة الله والأعمال الصالحة.
ثالثًا: فيه أن المال والأهل اللذان يتبعان الميت لا ينفعانه بعد موته، وإنما ينفعه عمله الصالح، أما ماله الذي أنفق، فلا ينفعه منه إلا ما قدمه لآخرته.
_________________
(١) ينظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (٦٥/ ٨٨)، وتاريخ بغداد للخطيب البعدادي (٤/ ٦٦٤)، وتهذيب الكمال للمزي (٣٢/ ٧٤).
(٢) احتوشته: أحاطت به. ينظر: تهذيب اللغة للهروي (٥/ ٩٣).
[ ٣٨٤ ]