قال ﷺ: «أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضَك يومًا ما، وأبغضْ بغيضَك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبَك يومًا ما» (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
أحبب حبيبك هونًا ما … قال في النهاية: (حبًّا مقتصدًا لا إفراط فيه، وإضافة «ما» إليه تفيد التقليل، بمعنى: لا تسرف في الحب والبغض).
وعسى … الأولى: للإشفاق، والثانية: للترجي ك (لعل).
التعليق:
وهذا فيه النصيحة بالاقتصاد في إظهار مشاعر الكراهية والحب معًا، لأن القلوب تتغير، والمواقف التي أثمرت تلك المشاعر تتغير أيضًا.
ونقل البغوي ﵀ في شرح السنة (^٣): (عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: قال لي عمر بن الخطاب ﵁: يا أسلم لا يكن حبُّك كَلَفا، ولا بغضُك تلفًا، قلت: وكيف ذاك؟ قال: إذا أحببت فلا تكْلَف كما يكلف الصبي بالشيء يحبه، وإذا أبغضت؛ فلا تبغض بغضًا تحب أن يتلفَ صاحبُك ويهلك.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١٩٩٧)، والطبراني في الأوسط برقم (٣٣٩٥)، عن أبي هريرة ﵁، وقال الترمذي: غريب، وصححه الألباني.
(٢) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (١/ ٤٠٠).
(٣) ينظر: شرح السنة (١٣/ ٦٥).
[ ٤٤١ ]
وقال الحسن: أحبوا هونًا، وأبغضوا هونًا، فقد أفرط أقوام في حب أقوام، فهلكوا، وأفرط أقوام في بغض أقوام فهلكوا.
قال علي ﵁: أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما.
ورفعه بعضهم عن علي ﵁ وعن أبي هريرة ﵁، والصحيح أنه موقوف على علي ﵁.
قال الحليمي ﵀: (والاقتصاد في كل أمر أفضل وأجمل من البغي فيه، حتى الحب والبغض) (^١).
يعني: لا يسرف في الحب والبغض، فعسى أن يصير الحبيب بغيضًا، والبغيض حبيبًا، فلا تكون قد أسرفت في الحب فتندم، ولا في البغض فتستحي.
والحديث فيه إرشاد إلى الاعتدال في الأمور، وعدم المبالغة والغلو في الحب والبغض، وأن كلا طرفي قصد الأمور ذميم، والأمر هنا للندب.
وألَمَّ بمعنى الحديث من قال (^٢):
وأحبب إذا أحببتَ حبًّا مقاربًا … فإنَّك لا تدري متى أنت نازعُ
وأبغض إذا أبغضتَ غير مباينٍ … فإنك لا تدري متى أنت راجع
وكن معدنًا للخير واصفح عن الأذى … فإنك راءٍ ما عملتَ وسامع
وقال ابن العربي ﵀ في فوائد هذا الاقتصاد (^٣): (أن القلوب بين إصبعين
_________________
(١) ينظر: شعب الإيمان للبيهقي (٨/ ٥١٤).
(٢) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (١/ ٤٠٠).
(٣) ينظر: فيض القدير للمناوي (١/ ١٧٦).
[ ٤٤٢ ]
من أصابع الرحمن فقد يعود الحبيب بغيضًا وعكسه، فإذا أمكنته من نفسك حال الحب وعاد بغيضًا، كان لمعالم مضارِّك أجدر، لما اطلع منك حال الحب بما أفضيت إليه من الأسرار.
وهذا الاقتصادُ في الحب والبغض لا يمنع من النصيحة عند البغض، ولا يمنع المحبُّ من إعلام الشخص المحبوب بأنه يحبه، فإن هذا أدوم للمحبة، ففي الحديث عن المِقدام بن معدي كرب ﵁ وقد كان أدركَه- عن النبي ﷺ، قال: «إذا أحَبَّ الرجُلُ أخاهُ فَليُخبِرْهُ أنه يُحبُّه» (^١).
قال البغوي ﵀ (^٢): (ومعنى الإعلام: هو الحث على التودد والتآلف، وذلك أنه إذا أخبره، استمال بذلك قلبه، واجتلب به ودِّه.
وفيه: أنه إذا علم أنه محبٌّ له، قبل نصحه فيما دله عليه من رشَده، ولم يردّ قوله فيما دعاه إليه من صلاحٍ خَفِي عليه باطنُه.
قال ابن عمر ﵄: ليس المعرفة أن تعرف الرجل بوجهه، حتى تعرف اسمه واسم أبيه، وإذا مات شهدت جنازته).
من فوائد الحديث:
أولًا: الاقتصاد في الأمور وعدم المبالغة والغلو حتى في المشاعر، وذلك كي يظل المرء متماسكًا متحكمًا في نفسه، ولا يصل إلى منزلة من قال:
أحبُّ لحبها السودانَ حتى … أحب لحبِّها سودَ الكلابِ
_________________
(١) أخرجه أبو داود برقم (٥١٢٤)، والترمذي برقم (٢٣٩٢)، وأحمد في المسند برقم (١٧١٧١)، وقالالترمذي: حسن صحيح غريب، وصححه الألباني.
(٢) ينظر: شرح السنة (١٣/ ٦٧).
[ ٤٤٣ ]
ثانيًا: فيه أن المحبة الكاملة لا تكون إلا لله تعالى ثم لرسوله ﷺ فهذه محبة مطلقة غير مشروطة، أما محبة غيرهما فتابعة لمحبتهما والانقياد لحكمهما.
ثالثًا: فيه إشارة إلى تغير المشاعر بتغير الزمان والأحوال والمواقف والقناعات.
[ ٤٤٤ ]