عَنْ عبد الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ». رواه مسلم (^١).
معاني الكلمات:
الكلمة … معناها
أفلح … بمعنى: فاز ونجا.
والكفاف … ما كفَّ عن الاحتياج وكفى.
وقنعه الله … القناعة: الرضا بالكفاف وترك الشَّره إلى الازدياد.
التعليق:
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ (^٢): (حكم ﷺ بالفلاح لمن جمع هذه الخلال الثلاث.
والفلاح: اسم جامع لحصول كلّ مطلوب محبوب، والسلامة من كلّ مخوفٍ مهوب.
وذلك أنَّ هذه الثلاث جمعت خير الدين والدنيا، فإنَّ العبد إذا هدي للإسلام الذي هو دين الله، الذي لا يقبل دينًا سواه، وهو مدار الفوز بالثواب والنجاة من العقاب، وحصل له الرزق الذي يكفيه ويكفّ وجهه عن سؤال الخلق، ثمّ تمّم الله عليه النعمة، بأن قنَّعه بما آتاه، أي: حصل له الرضى بما أوتي من الرزق والكفاف، ولم تطمح نفسه لما وراء ذلك: فقد حصل له حسنة الدنيا والآخرة.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (١٠٥٤).
(٢) ينظر: بهجة قلوب الأبرار للسعدي (ص ١٦٨).
[ ١٩٢ ]
فإنَّ النقص بفوات هذه الأمور الثلاثة أو أحدها: إمّا ألَّا يُهدى للإسلام، فهذا مهما كانت حاله، فإنّ عاقبته الشقاوة الأبديّة، وإمّا بأن يُهدي للإسلام، ولكنّه يبتلى: إمّا بفقرٍ ينسي، أو غنى يطغي؛ وكلاهما ضرر ونقص كبير، وإمّا بأن يحصل له الرزق الكافي موسَّعًا أو مقدّرًا، ولكنّه لا يقنع برزق الله، ولا يطمئن قلبه بما آتاه الله: فهذا فقير القلب والنفس.
فإنّه: ليس الغنى عن كثرة العرض، إنّما الغنى غنى القلب (^١)، فكم من صاحب ثروة وقلبه فقير متحسر، وكم من فقير ذات اليد، وقلبه غنيٌّ راض، قانع برزق الله.
فالحازم إذا ضاقت عليه الدنيا لم يجمع على نفسه بين ضيقها وفقرِها، وبين فقر القلب وحسرته وحزنِه، بل كما يسعى لتحصيل الرزق فليسع لراحة القلب، وسكونه وطمأنينته. والله أعلم).
وفي هذا الحديث مدح القناعة، وقيل هي: الاستغناء بالموجود، وترك للتشوف إلى المفقود.
وقيل: الاستغناء بالحلال الطيب عن الحرام الخبيث.
وقيل: أن يكتفي المرء بما يملك، ولا يطمع فيما لا يملك.
وقيل: امتلاء القلب بالرضا، والبعد عن التسخّط والشكوى.
وعن ابن عمر ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» (^٢).
_________________
(١) ورد مرفوعًا من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ». أخرجه البخاري برقم (٦٤٤٦)، ومسلم برقم (١٠٥١).
(٢) أخرجه البخاري برقم (٦٣١٦).
[ ١٩٣ ]
قال أبو حاتم البستي ﵀ (^١): (فقد أمر النبي ﷺ ابن عمر ﵄ في هذا الخبر أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، فكأنه أمره بالقناعة باليسير من الدنيا، إذ الغريب وعابر السبيل لا يقصدان في الغيبةِ الإكثارَ من الثروة، بل القناعة إليهما أقرب من الإكثار من الدنيا).
قال أكثم بن صيفي لابنه (^٢): (يا بني من لم يأسَ على ما فاته ودَّع بدنَه، ومن قنع بما هو فيه قرَّت عينُه).
وأنشد علي بن محمد البسامي:
من تمامِ العيش ما قرَّت به … عينُ ذي النِّعمةِ أثرى أو أقَلّ
وقليلٌ أنت مسرورٌ به … لك خيرٌ من كثيرٍ في دغَل
وأنشد ابن زنجي البغدادي:
أقول للنفس صبرًا عند نائبة … فعسر يومِك موصولٌ بيسْر غدِ
ما سرني أن نفسي غيرُ قانعةٍ … وأن أرزاقَ هذا الخلقِ تحتَ يدي
قال أبو حاتم ﵀ (^٣): (مِنْ أكثر مواهبِ الله لعباده وأعظمِها خطرًا القناعة، وليس شيء أرْوَح للبدن من الرِّضا بالقضاء، والثقة بالقسْم، ولو لم يكن في القناعة خصلةٌ تُحمد إلا الراحة وعدم الدخول في مواضع السوء لطلب الفضل، لكان الواجب على العاقل ألا يفارق القناعة على حالة من الأحوال).
_________________
(١) ينظر: روضة العقلاء للدارمي (ص ١٤٨).
(٢) ينظر: مجمع الأمثال للنيسابوري (٢/ ٢٦٥)، وجمهرة الأمثال للعسكري (١/ ٤٩٣). وروي بلفظ: «من لم يأس على مَا فَاتَهُ أراح نَفسه». ينظر: الأمثال لابن سلام (ص ١٦٣)، والمستقصى في أمثال العرب للزمخشري (٢/ ٣٦٠).
(٣) ينظر: روضة العقلاء للدارمي (ص ١٤٨).
[ ١٩٤ ]
وعن محمد بن المنكدر قال: (القناعة مال لا ينفذ) (^١).
وقال محمد بن حميد الأكاف:
تقنع بالكفاف تعش رخيًّا … ولا تبغ الفضولَ من الكفافِ
ففي خبز القفار بغير أدمٍ … وفي ماء الفراتِ غنى وكاف
وكل تزين بالمرء زين … وأزينُه التزينُ بالعفاف
وأنشد محمد بن إسحاق الواسطي:
الحمد لله حمدًا دائما أبدا … لقد تزين أهلُ الحرصِ والشّين
لا زين إلا لراضٍ في تقلُّله … إن القنوعَ لثوبُ العزِّ والدين
وأنشد عبد العزيز بن سليمان الأبرش:
إذا المرءُ لم يقنع بعيشٍ فإنه … وإن كان ذا مالٍ من الفقر موقَرُ
إذا كان فضلُ الناسِ يغنيك بينهم … فأنت بفضلِ الله أغنى وأيسرُ
وقال ابن المبارك ﵀ (^٢): (مروءة القناعة أفضل من مروءة الإعطاء).
وقال أبو حاتم ﵁ (^٣): (القناعةُ تكون بالقلب، فمن غني قلبُه غنِيَت يداه، ومن افتقر قلبه لم ينفعْه غناه، ومن قنع ولم يتسخَّط عاش آمنا مطمئنًّا، ومن لم يقنع لم يكن له في الفوائتِ نهايةٌ لرغبته، والجد والحرمان كأنهما يصطرعان بين العباد).
_________________
(١) أخرجه محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ مرفوعًا بسند ضعيف. ينظر: الكامل في الضعفاء لابن عدي (٥/ ٣١٧)، وأخرجه الطبراني في الأوسط برقم (٦٩٢٢)، وقال: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن المنكدر إلا ابنه يوسف، ولا عن يوسف إلا خالد بن إسماعيل، تفرد به: أبو يوسف الصيدلاني، ولا يروى عن رسول الله ﷺ إلا بهذا الإسناد.
(٢) ينظر: ترتيب الأمالي الخميسية للشجري برقم (٢١٧٦).
(٣) ينظر: روضة العقلاء للدارمي (ص ١٤٨).
[ ١٩٥ ]
ولقد أحسن الذي يقول:
فما كل ما حاز الفتى من تلاده … بكيْسٍ ولا ما فاته بتوانِ
بكيْسٍ ولا ما فاته بتوانِ … سيكفيكه جدانِ يصطرعان
وعن المديني قال: (كان يقال: مروءة الصبر عند الحاجة والفاقة بالتعفف والغنى، أكثر من مروءة الإعطاء).
قال أبو حاتم ﵀ (^١): (من نازعته نفسه إلى القنوع ثم حسد الناس على ما في أيديهم فليس ذلك لقناعةٍ ولا لسخاوة، بل لعجز وفشل، فمثله كمثل حمار السوء، الذي يعرج بخفةِ حِمْلِه، ويحزن إذا رأى العلفَ يُؤثر به ذو القوةِ والحمل الثقيل، فالقانع الكريم أراح قلبه وبدنه، والشرِه اللئيم أتعب قلبه وجسمه والكرام أصبر نفوسًا واللئام أصبر أجسادًا).
وأنشد عمرو بن محمد أنشدنا الغلابي:
لعمرك ما الأرزاق من حيلة الفتى … ولا سببٌ في ساحة الحي ثاقب
ولكنها الأرزاق تقسم بينهم … فما لك منها غير ما أنت شارب
وقال الخليل بن أحمد (^٢):
إن لم يكن لك لحمٌ … كفاك خلٌّ وزيتُ
إلَّا يكنْ ذا وهذا … فكسرةٌ وبُيَيْتُ
تظلُّ فيه وتأوي … حتى يجيئَك موتُ
هذا لعمري كفاف … فلا يغرّك ليتُ
_________________
(١) ينظر: روضة العقلاء للدارمي (ص ١٤٨).
(٢) ينظر: تاريخ الإسلام للذهبي (٤/ ٣٥٥)، والثقات لابن حبان (٨/ ٢٣٠).
[ ١٩٦ ]
وعن محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، قال: (القناعة) (^١).
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث إشارة إلى فضل الإسلام، وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.
ثانيًا: فيه فضل القناعة بالقليل، وأن ذلك نعمة من الله تعالى.
والقناعة هي أول درجات الرضا، كما قال أبو سليمان الداراني ﵀: (الورع أول الزهد، كما أن القناعة أولُ الرضا) (^٢).
وإذا انحرف الإنسان عن القناعة انحرف: إما إلى حرصٍ وكلَبٍ، وإما إلى خسةٍ ومهانة وإضاعة (^٣).
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ١٦٤).
(٢) ينظر: مدارج السالكين لابن القيم (٢/ ٢٤).
(٣) ينظر: مدارج السالكين لابن القيم (٢/ ٢٩٦).
[ ١٩٧ ]