عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَ: «يَا عبد الله بْنَ قَيْسٍ، قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ»، أَوْ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ هِيَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» (^١).
معاني المفردات (^٢):
الكلمة … معناها
لا حول … أي: لا حيلة، يقال: ما للرجل حيلة ولا استطاعة إلا بالله. قال ابن مسعود: معناه: لا حول عن المعصية إلا بعصمة الله، ولا قوة على الطاعة إلا بعون الله.
كنز من الجنة … أي: أجر مدخر وثواب مخبأ لقائلها، وقيل: بل لمن اتصف بذلك، وتبرأ من حوله وقوته، وفوض أمره إلى الله تعالى، ولمن قالها عن صدق نيته وتحقيق ضميره.
التعليق:
المؤمن دائم التعظيم لله تعالى، لأنه يعلم من أسماء الله تعالى وصفاته ما يدل على الكمال والجلال والعظمة والكبرياء والقدرة والقوة، ويعلم كذلك أنه ضعيف فقير عارٍ لا يقدر على شيء، إلا ما وفقه الله تعالى إليه، فلا يستطيع جلب
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٣٨٤)، ومسلم برقم (٢٧٠٤).
(٢) ينظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٨/ ٢٠٠).
[ ٤٦٠ ]
منفعة ولا دفع مضرة إلا بتوفيق الله تعالى، ولذلك فإن المؤمن يكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، ليتبرأ من حوله وقوته، وغناه واستطاعته ومكانته ومعارفه وحاشيته وسلطانه، ويستمد حصول كل خير ودفع كل شر من الله تعالى وحده.
كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من نظمه ما يدل على ذلك، فقال (^١):
أنا الفقيرُ إلى ربِّ البرياتِ … أنا المُسيكينُ في مجموعِ حالاتي
أنا الظلومُ لنفْسي وهي ظالمتي … والخيرُ إن يأتنا من عندِه يأتي
لا أستطيعُ لنفسي جلبَ منفعةٍ … ولا عن النفسِ لي دفعُ المضرَّاتِ
وليس لي دونَه مولًى يدبرني … ولا شفيعٌ إذا حاطتْ خطيئاتي
إلا بإذنٍ من الرحمن خالقِنا … إلى الشفيع كما قد جا في الآياتِ
ولستُ أملك شيئًا دونه أبدًا … ولا شريك أنا في بعضِ ذراتِ
ولا ظهير له كي يستعينَ به … كما يكون لأربابِ الولاياتِ
والفقرُ لي وصفُ ذاتٍ لازمٌ أبدًا … كما الغنى أبدًا وصفٌ له ذاتي
وهذه الحالُ حالُ الخلق أجمعهم … وكلُّهم عنده عبدٌ له آتي
فمن بغى مطلبًا من غير خالقِه … فهو الجهولُ الظلومُ المشركُ العاتي
والحمدُ لله ملءَ الكونِ أجمعِه … ما كان منه وما من بعدُ قد يأتي
قال النووي ﵀ (^٢): (قوله ﷺ: «لا حول ولا قوة إلا بالله كنزٌ من كنوز الجنة»، قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله
_________________
(١) ينظر: مدارج السالكين لابن القيم (١/ ٥٢٠)، والمستدرك على مجموع فتاوى ابن تيمية (١/ ١٤٤).
(٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢٦)
[ ٤٦١ ]
تعالى، واعتراف بالإذعان له، وأنه لاصانع غيره، ولارادَّ لأمره، وأن العبد لايملك شيئًا من الأمر.
ومعنى الكنز هنا: أنه ثواب مدَّخر في الجنة، وهو ثواب نفيسٌ، كما أن الكنز أنفسُ أموالكم.
وقد حث العلماء على الإكثار من هذا الذكر وبينوا فضائله وفوائده التي وجدوها بعد ملازمتهم له، ومن هذا قو ل الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ (^١): وليكن هجيراه لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها بها تحمل الأثقال، وتكابد الأهوال، وينال رفيع الأحوال).
وقال ابن القيم ﵀ (^٢): (وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معالجة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق، والدخول على الملوك، ومن يخاف، وركوب الأهوال، ولها أيضًا تأثير في دفع الفقر).
وقال ابن رجب ﵀ (^٣): (وأما الاستعانة بالله ﷿ دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ﷿، فمن أعانه الله، فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإن المعنى: لا تحول للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٠/ ١٣٧).
(٢) ينظر: الوابل الصيب لابن القيم (ص ٧٧).
(٣) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/ ٤٨٢).
[ ٤٦٢ ]
الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله ﷿، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» (^١).
ومن ترك الاستعانة بالله، واستعان بغيره، وكله الله إلى من استعان به فصار مخذولًا. كتب الحسن ﵁ إلى عمر بن عبد العزيز ﵀: لا تستعن بغير الله، فيكلك الله إليه. ومن كلام بعض السلف ﵏: يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك، وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك).
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه فضل قول لا حول ولا قوة إلا بالله وأنها من الوسائل التي يتوصل بها إلى الجنة.
ثانيًا: فيه إشارة إلى حاجة العبد الى ربه وافتقاره إليه، وأنه لا يقدر على فعل شيء من الخير، ولا يتحول عن شيء من الشر إلا بمعونة الله له وتوفيقه.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٦٦٤) عن أبي هريرة ﵁.
[ ٤٦٣ ]