عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» (^١).
معاني الكلمات (^٢):
الكلمة … معناها
البر … قال العلماء: البر يكون بمعنى الصلة، وبمعنى: اللطف، والمبرة، وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى: الطاعة، وهذه الامور هي مجامع حسن الخلق.
فقوله: «الْبر حسن الْخلق»، أَي: يُطلق على مَا يُطلق عَلَيْهِ من الصِّلَة والصدق والمبرة واللطف وَحسن الصُّحْبَة وَالْعشرَة وَالطَّاعَة، فَإِنْ الْبر يُطلق على كل مِمَّا ذكر، وَهِي مجامع حسن الْخلق.
حاك … أَي: تردَّد وَلم ينشرح لَهُ الصَّدْر، وَحصل فِي الْقلب منه الشَّك.
التعليق:
قال الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله في شرح الأربعين (^٣): (البرُّ: كلمةٌ جامعة تشمل الأمور الباطنة التي في القلب، والأمور الظاهرة التي تكون على
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٥٥٣).
(٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١١).
(٣) ينظر: شرح الأربعين النووية للعباد (٢٥/ ١٣، ١٤).
[ ٤٠٦ ]
اللسان والجوارح، وآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] واضحة الدلالة على ذلك؛ فإنَّ أوَّلَها مشتمل على الأمور الباطنة، وآخرَها مشتمل على الأمور الظاهرة، ويُطلق البرُّ على خصوص برِّ الوالدين، لا سيما إذا قُرن بالصلة، فإنَّه يُراد بهما بر الوالدين وصلة الأرحام.
ويأتي البرُّ مقرونًا بالتقوى، كما في قول الله ﷿: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، فعند اجتماعهما كما في هذه الآية يُفسَّر البرُّ بفعل الطاعات، والتقوى بترك المنهيات، فإذا أُفرد أحدهما عن الآخر بالذِّكر شمل المعنيين جميعًا، وهذا نظير الإسلام والإيمان، والفقير والمسكين.
جاء في حديث النواس: «البرُّ حسن الخلق»: وحُسنُ الخُلُق يحتمل أن يكون المراد به خصوص الخلق الكريم المعروف بهذا الاسم، ويكون تفسير البرِّ به لأهميَّته وعظيم شأنه، وهو نظير: قوله: «الدِّين النصيحة» (^١)، وقوله: «الحجُّ عرفة» (^٢).
ويُمكن أن يُراد به العموم والشمول لكلِّ ما هو خير، ويدلُّ عليه وصف أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ لِخُلق الرسول ﷺ بأنَّه القرآن، والمعنى: أنَّه يتأدَّب بآدابه، ويمتثل أوامره، ويجتنب نواهيه.
وقوله: «والإثمُ ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطَّلع عليه الناس»:
من الإثم ما يكون واضحًا جليًّا، ومنه ما يحوك في الصدر ولا تطمئنُّ إليه النفس، ويكره الإنسانُ أن يطَّلع عليه الناس؛ لأنَّه مِمَّا يُستحيا من فعله، فيخشى صاحبُه ألسنةَ الناس في نيلهم منه، وهو شبيه بما جاء في الأحاديث الثلاثة
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٥٧) عن جرير بن عبد الله ﵁.
(٢) أخرجه الترمذي برقم (٨٨٩)، والنسائي برقم (٣٠١٦)، وابن ماجه برقم (٣٠١٥)، وأحمد في المسند برقم (١٨٧٧٤).
[ ٤٠٧ ]
الماضية: «فمَن اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (^١)، و: «دع ما يريبُك إلى ما لا يريبك» (^٢)، و: «إنَّ مِمَّا أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت» (^٣).
والإثمُ: يُراد به عموم المعاصي الواضحة والمشتبهة، ويأتي مقترنًا بالعدوان، كما في قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، فيُفسَّر العدوان بالاعتداء والظلم، فيدخل فيه الاعتداء على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم).
قال ابن دقيق العيد ﵀ (^٤): (قوله ﷺ: «البر حسن الخلق»: يعني: أن حسن الخلق أعظم خصال البر، كما قال ﷺ: «الحج عرفة» (^٥).
أما البر: فهو الذي يبر فاعله ويلحقه بالأبرار، وهم المطيعون لله ﷿.
والمراد بحسن الخلق: الإنصاف في المعاملة، والرفق في المحاولة، والعدل في الأحكام، والبذل في الإحسان، وغير ذلك من صفات المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، وقال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الترمذي برقم (٢٥١٨)، والنسائي برقم (٥٧١١)، وأحمد في المسند برقم (١٧٢٧)، وصححه الترمذي.
(٣) أخرجه البخاري برقم (٦١٢٠) عن أبي مسعود البدري ﵁.
(٤) ينظر: شرح الأربعين النووية (ص ٩٤).
(٥) تقدم تخريجه.
[ ٤٠٨ ]
الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾، إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]، وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١٠]، وقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، إلى آخر السورة.
فمن أشكل عليه حاله، فليعرض نفسه على هذه الآيات، فوجود جميعها علامة حسن الخلق، وفقد جميعها علامة سوء الخلق، ووجود بعضها دون بعض يدل على البعض دون البعض، فليشغل بحفظ ما وجده وتحصيل ما فقده.
ولا يظن ظان أن حسن الخلق عبارة عن لين الجانب وترك الفواحش والمعاصي فقط، وأن من فعل ذلك فقد هذب خلقه، بل حسن الخلق ما ذكرناه من صفات المؤمنين والتخلق بأخلاقهم.
ومن حسن الخلق: احتمال الأذى، فقد ورد في الصحيحين (^١): أن أعرابيًّا جذب بردَ النبي ﷺ حتى أثرت حاشيتُه في عاتق النبيِّ ﷺ وقال: يا محمد مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ، ثم ضحك وأمر له بعطاء.
وقوله: «والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطَّلع عليه الناس»:
يعني: هو الشيءُ الذي يورث نفرةَ في القلبِ، وهذا أصلٌ يتمسك به لمعرفة الإثم من البرِّ؛ إن الإثم ما يحوك في الصدر، ويكره صاحبه أن يطَّلع عليه الناس، والمراد بالناس والله أعلم: أماثلهم ووجوههم لا غوغاؤهم، فهذا هو الإثم فيتركه والله أعلم).
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٣١٤٩)، ومسلم برقم (١٠٥٧).
[ ٤٠٩ ]
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه بيان عظم شأن حسن الخلق.
ثانيًا: فيه أن المؤمن الصادق يستطيع بنفسه أن يفرق بين البر والإثم.
ثالثًا: أنَّ المسلمَ يُقْدِم في أمور دينه على فعل ما هو واضح الحلِّ دون ما هو مشتبه.
[ ٤١٠ ]