قدَّم المؤلف -﵀- لكتابه هذا بمقدمة مبينة لمنهجه الذي قصده في شرحه، والسبب الباعث إلى تأليف هذا الكتاب، فذكر أن أهل زمانه في مصر وغيرها قد لهجوا بكتابين من كتب شروح صحيح الإمام البخاري، أولهما: شرح العلامة شمس الدين الكرماني، وثانيهما: كتاب الإمام الزركشي "التنقيح".
* وقد ذكر المؤلف -﵀- ما اشتمل كلُّ واحد منهما من المحاسن والمآخذ، فذكر أن الكرماني تتبع ألفاظ البخاري وأوضحها بالضبط والإعراب بأحسن اختصار، وشَحَنه بفوائد كثيرة ولطائف غزيرة.
* ثم ذكر المؤلف -﵀- المآخذ على شرح الكرماني؛ فذكر أنه كرر فيه كثيرًا، لا سيما في التراجم والأسماء، وربما أغلق في بعض العبارة، وأطال بما يمكن أن يشار إليه بأخصر إشارة، وربَّما قدَّم
[ مقدمة / ٢٥ ]
ما يحسُن تأخيره، وأخَّر ما يحسُن تقديمه، وربما غاير بين أقوال راجعةٍ في المعنى إلى واحد.
أما كتاب "التنقيح" للزركشي، فإنه أفاد في ضبط الألفاظ، وبيان الغريب، وإعراب ما أشكل، والجواب عما لعلَّه يُستشكل، إلا أنه ربما وقع فيه تصحيف من النساخ، لاستغلاق خطِّ مصنفه الدقيق، وربما تعرَّض لبيان الواضح.
* فأراد المؤلف -﵀- أن يجمع بين هذين الكتابين باختصار، ويحذف منهما الكثير مما وقع من التكرار، وينبه على الأوهام وخلاف الراجح المختار، مع زيادة فوائد لا يُستغنى عنها.
* هذا مع ضميمة وصل ما أهملا في شرحيهما من التعليقات، وتسمية ما أغفلاه من تفسير المبهمات، والجواب عما اعترض به الدارقطني والإسماعيلي وغيرها في الأسانيد والمتون، وغالب هذا الوصل والتفسير والجواب عن الاعتراضات من تصانيف الحافظ ابن حجر -والذي ذكره المؤلف بـ (بعض العصريين) - في "تغليق التعليق"، و"هدي الساري"، و"فتح الباري".
* كما ذكر المؤلف -﵀- بأنه بث في شرحه هذا فوائد تلقاها من شيخه شيخ الإسلام أبي حفص البلقيني ﵀، مع التزامه بعدم الإكثار منها خشية التطويل، وذلك منه لقصور الهمم في تلك الأزمان عن كتابة المطولات، ومطالعة الكثير من المبسوطات، ولأجل هذا المقصد قام المؤلف -﵀- بتأخير تراجم الرواة إلى ما بعد
[ مقدمة / ٢٦ ]
الفراغ من المتون مرتبة على حروف المعجم، لسهولة الكشف (١).
* أما المبهمات فإنه يقوم بذكرها في مواضعها من الأبواب.
* ولمَّا كان قصدُه -﵀- الاختصار في هذا الشرح، قام بالرمز للشرَّاح الذين يُكْثِر من النقل منهم، فالكرماني (ك)، والزركشي (ش)، والقاضي عياض (ع)، وابن بطال (ط)، والخطابي (خ)، والنووي (ن).
* وبيَّن المؤلف -﵀- مصطلحه في ضبط الأسماء، فإنه يقول: (بمثناة) لما هو مثناة من فوق لمقابلة المثلثة.
وبإطلاق الياء: لما هو منقوط باثنتين من تحت مقابلًا للباء الموحدة، فإنه يقول فيها: بموحَّدة.
* وذكر -﵀- أنه لا يُخِلُّ بشيء من تراجم البخاري أصلًا، ولا يشرحها إلا فصلًا فصلًا.
* ثم إنه يعدِّد أحاديث الباب بقوله: الحديث الأول، الثاني، وهكذا.
* ويذكر على كل واحد من الأحاديث منفردًا أو متعددًا في الباب رمزَ ما بقي من الكتب الستة على قاعدة المحدثين؛ فلمسلم (م)، وأبي داود (د)، والترمذي (ت)، والنسائي (س)، وابن ماجه (ق)، والأربعة غير مسلم (عو)، ولما وافق فيه الخمسةُ البخاريَّ (ع)،
_________________
(١) على أنه لم يوجد ما وعد به المؤلف -﵀- في شيء من النسخ الخطية التي بين أيدينا، فالله أعلم.
[ مقدمة / ٢٧ ]
وللبخاري وحده (خ)، وذلك لزيادة إفادة من شارك البخاري من الخمسة أولًا، ومراده -﵀- أصل الحديث، ولو خرج قطعة لطيفة منه.
هذا ما انتهجه الشارح -﵀- في هذا الشرح، وقد ظهر منه جليًّا أن مقصوده منه: الاختصار وعدم التطويل، والجمع بين شرحي الكرماني والزركشي بإيجاز، مع التنبيه على ما وقع فيهما من الأوهام، والقصور في ذكر بعض المهمات، وقد كان عزم -﵀- أن يضم إليه فوائد كثيرة مما شرح به الحافظ قطب الدين الحلبي، والحافظ مُغُلْطاي وشيخه سراج الدين بن الملقن وغيرها، لكنه أحجم عن ذلك، لميله إلى الاختصار كما ذكرنا، ولقصور الهمم، وسهولة التحصيل.
* ثم شرع -﵀- بذكر جوامع التراجم، ببيان مناسباتها، وحكمة ترتيبها عند الإمام البخاري -﵀- وذلك لسرعة كشفها، وإخراج الأحاديث منها.
* ومما يلحظه مطالع هذا الشرح الحافل من الأمور التي لم يأت المؤلف على ذكرها في مقدمته.
- ذكر الفروق بين نسخ صحيح البخاري، ورواياته، وما ينبني على تلك الفروق.
- بيان مناسبات الأبواب، ووجه تعلق الباب بالكتاب الذي عقده الإمام البخاري.
[ مقدمة / ٢٨ ]
- إظهار وجوه مطابقة الأحاديث لتراجمها.
- التنبيه على لطائف الأسانيد.
- إيضاح مذهب الإمام الشافعي عند الاحتياج إليه، كتعقبه لشارحٍ في نقل خطأ عن المذهب، أو تتميم، أو إزالة لبس، ونحو ذلك.
- بيان وجوه الإعراب، والكلام عن مشكلاته، معتمدًا على كلام الأئمة كالزمخشري وابن مالك والسهيلي وأبي البقاء وغيرهم.
* * *