(باب ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة)
ينبغي أنْ يكون (ما) موصولًا حرفيًّا، أي: كَون؛ لأنَّه القصْد لإتْيان الذي كان - ﷺ - يتخولهم به.
[ ١ / ٣٦٧ ]
والتخوُّل -بالمعجمة-: التعهُّد، وسيأْتي في لفْظ الحديث فيه زيادة بيانٍ، والموعظة: النُّصح والتذكير بالعواقب.
(والعلم) مِن عطْف العامِّ على الخاصِّ.
(ينفروا)؛ أي: يَتباعدوا منه.
* * *
٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَناَ سُفْيانُ، عَنِ الأَعمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يتخَوَّلُنَا بِالمَوْعِظَةِ فِي الأيَّامِ، كَراهةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
(يتخولنا)؛ أي: يتعهَّدنا؛ أي: يُراعي الأوقات في وعْظنا، ولا يفعلُه كلَّ يومٍ.
وقال ابن السِّكِّيت: معناه: يُصلحنا ويقوم علينا.
وكان أبو عمرو يقول: إنما هو بالنون، والتَّخوُّن: التَّعهُّد، ويردُّ على الأعمش روايته باللام، وكان الأَصمعيُّ يقول: ظلَمَه؛ فإنَّه يُروى باللام والنون.
وقال التَّيْمِي: تخوَّن فُلانًا: تَعهده وحفِظَه؛ كأنَّه اجتَنبَ منه الخيانة المُخلَّة بالحفظ.
وصوَّب بعضهم أنَّه بالحاء المهملة؛ أي: يتفقَّد أحوالهم التي ينشَطُون فيها للمَوعظة، فيعظِهُم فيها، ولا يُكْثِر عليهم فيَملَّوا.
[ ١ / ٣٦٨ ]
قيل: وهي روايةٌ، لكن الرِّواية الصحيحة بالإعجام، والإتيانُ بالفعل مضارعًا بعد (كان) الماضي؛ لقَصْد الاستمرار، نحو: كانَ حاتِمٌ يُكرِمُ الضَّيْف، وسبق نحوه مراتٍ.
(السآمة) كمَلالَة لفظًا ومعنًى، وسئِمَ تتعدَّى بـ (مِنْ) فحُذفتْ هنا، أي: السآمة من المَوعِظة، ثم المراد سآمتهم لا سآمَة النبي - ﷺ -، يدلُّ عليه السِّياق.
(علينا) متعلِّقٌ بـ (السآمة) على تضمين معنى: المشقَّة، أو بوصفٍ، أو حالٍ محذوفٍ؛ أي: السآمة الطارئة، أو طارئةٍ، أو بشفَقَة محذوفًا؛ إذ المراد شفَقته عليهم ورِفْقه بهم - ﷺ -.
* * *
٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحيىَ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا".
سنده بصريون.
(يسروا) مِن اليُسر، (ولا تعسروا) ذُكر تأكْيدًا، وإلا فالأمر بالشيء نهيٌ عن ضِدِّه، وقال (ن): لأنَّه قد يفعلهما في وقتَين فلا يُفهم من (يسِّروا) النَّهي عن ضِدِّه في وقتٍ آخر، انتهى.
(وبشروا) بمُوحَّدةٍ فمعجمةٍ، والبِشارة: الخبَر بالخير.
[ ١ / ٣٦٩ ]
(ولا تنفروا) إنما قُوبل به (بَشِّروا) مع أن ضِدَّ البِشارة الإنْذار؛ لأن القصد من الإنذار التنفير، فصرح به.
والحديث من جوامع الكلم لاشتماله على خير الدنيا والآخرة.
وفيه: طلَب التَّبشير بذكر فَضْل الله وسعة رحمته، والتحذير من التنفير بالمَخُوفات مع عدم ذكر التبشير، وتأليف مَن قَرُب إسلامه، وترك التَّشديد عليه، والتلطُّف بمن تابَ عن المَعاصي وتدريجه في أنواع الطاعات شيئًا فشيئًا كما جاءتْ أُمور الإسلام؛ لعدم التَّنفير لرجاء حمله.