(باب: قول النبي ﷺ)، إضافة (باب) هنا متعيِّنةٌ.
(أَناَ أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ) هو مَقول القَول.
(وَأَنَّ) -بفتح الهمزة- عطْفًا على (قوله)، لا على الجُملة المَقولة، وإلا لكُسرتْ، وهو خلاف الرِّواية والدِّراية.
(الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ القَلْب)، فيه أنَّ مَحلَّ العِلْم الحادِث القَلْب، وهو ما دلَّ عليه السَّمع، وإنْ جاز عند أهل السنَّة أنْ يخلُقه الله تعالى في أيِّ جوهرٍ أراد، كما قال تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، وغير ذلك.
(﴿كسَبَت﴾)؛ أي: عزَمتْ قُلوبكم؛ إذ كسب القَلْب عزْمه.
ففيه حينئذٍ أنَّ المُؤاخذة بما يستقرُّ من فِعْل القَلْب، فيُحمل حديث: "إِنَّ الله تَجاوَزَ عن أُمَّتي ما حدَّثَتْ به أنفُسَها ما لم يَتكلَّموا أو يَعمَلُوا بهِ" على ما لم يَستقرَّ.
ووجه تعلُّق هذه الترجمة بـ (كتاب الإيمان): أنَّ المعرفة بالله التَّصديق به، والإيمان إما التَّصديق، أو التصديق والعمَل، فالمقصود: أنَّه - ﷺ - أشدُّ إيمانًا منهم، وأنَّ الإيمان هو أو بعضُه فِعْلُ القَلْب ردًّا على الكَرَّاميَّة في قولهم: إنَّ الإيمان قولٌ باللِّسان، ولا يُشترط عقْد القَلْب.
[ ١ / ١٦٦ ]
وقيل: أراد البخاريُّ بهذا بَيانَ تفاوُت الدَّرجات في العِلْم (١)، وأنَّ بعض الناس يكون فيه أفْضل من بعضٍ، ولسيِّدنا رسول الله - ﷺ - أَعلاها، وإنْ كان من العَقائد وأعمال القُلوب.
* * *
٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تأخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: "إِنَّ أتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا".
(خ).
(ابْنُ سَلَامٍ) مخفَّف اللام على المشهور حتى قيل: التَّشديد لَحْنٌ.
(إِذَا أَمَرَهُمْ)؛ أي: أمرَ النَّاسَ.
(بِمَا يُطِيقُونَ)؛ أي: يُطيقون الدَّوام عليه كما دلَّ عليه السِّياق.
والسِّر في ذلك أنَّ الكثْرة تُؤدِّي إلى القَطْع كما قال: "المُنبَتُّ لا أَرضًا قَطَعَ، ولا ظَهْرًا أَبْقَى"، فخير العمَل ما دام وإنْ قلَّ، ويصير مَن يقطَع في صورةِ ناقضِ العَهْد، واللائق بطالب الآخرة الترقِّي، فإنْ لم يكنُ؛ فالبَقاء على حاله.
وأيضًا فمعتاد ما يَدوم يدخُل بنشاطٍ وانشراحِ، ولا يَلحقُه ملَلٌ
_________________
(١) "في العلم" ليس في الأصل.
[ ١ / ١٦٧ ]
كما في حديث: "فإِنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تملُّوا"؛ أي: لا يترُك ثوابَه حتى تقطَعوا عِبادتَه.
(كَهَيْئَتِكَ)؛ أي: كحالتِك، فلا بُدَّ من تأْويلٍ في أَحد طرَفي المُشبَّه والمشبَّه به، أي: ليستْ هيئتُنا كهيئتك، أو لسْنا كمِثْلك، أي: كذاتِك، أو كنفْسك، وزِيْدَ لفْظ: الهيئة للتأْكيد نحو: مِثْلُك لا يَبخَل.
واعلم أنَّ مُرادهم بهذا الكلام طلَب الإِذْن في الزِّيادة من العِبادة، والرَّغْبة في الخير، كأنَّهم يقولون: أنْتَ مَغفور لك، لا تحتاج إلى عملٍ، ومع ذلك أنْت مُواظِبٌ على الأَعمال، فكيف بنا وذُنوبنا كثيرةٌ؟ فردَّ عليهم، وقال: أَنا أَولى بالعمَل؛ لأَنِّي أَعلَمُكم، وأَخشاكُم لله.
(قَدْ غَفَرَ اللَّهَ لَكَ)؛ أي: لقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢].
ومعنى الغُفران له مع أنَّه معصومٌ: قال (ك): أي: للذَّنْب الذي قبْل النُّبوَّة المتقدِّم بعضُه على بعضٍ، أو تَرْك الأَولى، أو نسَب إليه ذَنْبَ قَومه.
قلتُ: كلُّ هذه ضعيفةٌ، والصَّواب: أنَّ معنى الغُفران للأنبياء الإِحالة بين الأنبياء وبين الذُّنوب، فلا يصدُر منهم ذنبٌ؛ لأنَّ الغَفْر هو السَّتْر، فالسَّتْر إما بين العبْد والذَّنْب، وإما بين الذَّنْب وبين عُقوبته، فاللائق بالأنْبياء القسم الأول، واللائق بالأُمَم الثاني.
(فغضب)، وفي بعضها: (فيَغضبُ) بالمضارع بمعنى الماضي؛
[ ١ / ١٦٨ ]
لأنَّه حكايةٌ عن الحال الواقعة.
(حَتَّى يُعْرَفَ) بالنصب، ويجوز فيه الرفع.
(ثُمَّ يَقُولُ) بالنَّصب والرفع أيضًا، فإنْ قُدِّر عطْفه على (فغَضِبَ) تعيَّن الرفع.
(إِنَّ أتقَاكُمْ) إشارةٌ إلى كمال القُوَّة العمَلية.
(وَأَعْلَمَكُمْ) إشارةٌ إلى كمال القُوَّة العِلْمية.
والتَّقوى ثلاث مَراتب: وِقاية النَّفْس عن الكُفر، وهو للعُموم، وعن المعاصي، وهو للخاصَّة، وعمَّا سِوى الله، وهو لخواصِّ الخاصَّة.
والعلم بالله: إما بصِفاته، وهو المسمى بأُصول الدين، وإما بأَحكامه، وهو فُروع الدين، وإما بكلامه، وهو عِلْم القرآن وما يتعلَّق به، وإما بأَفْعاله، وهو العِلْم بحقائق أشياء العالم.
ولمَّا جمع - ﷺ - أنواعَ التقوى وأقسامَ العُلوم كان أتقى وأَعلَم على الإطْلاق.
وهذا كما يقولون البَيانيُّون: إنَّ حذْف المتعلَّق يُفيد العُموم، فرسول الله - ﷺ - جمَع كمالَ العِلْم، وكمالَ العمَل.
فإنْ قيل: ما وَجْه تعلُّق الحديث بالجُزء الثاني من الترجمة، وهو كون المعرفة فعل القَلْب؟
قيل: قال (ك): يمكن أنْ يُوجَّه وإنْ كان احتمالًا بعيدًا بأنَّه يدلُّ عليه بحسَب السِّياق، فيتجاذب طرَفا الكلامَين، لكنْ لمَّا أَرادوا أن
[ ١ / ١٦٩ ]
يَزيدوا أعمالهم على عمَله؛ قال: لا يَتهيَّأ لكم؛ لأني أعلمُكم، والعِلْم من جملة الأفعال بل مِن أَشرفها؛ لأنَّه عمل القَلْب، وأنْ يُقال: غرَضه أن يتبيَّن الشِّقُّ الأول بالحديث، والثاني بالقرآن، انتهى.
ثم قال: قاعدة البُخاري فيما يُترجمه كثيرًا ولا يَذكُر لذلك حديثًا: أنَّه ذكَر تراجِم ليذكُر فيها أحاديث، فكان يذكُر شيئًا فشيئًا، فمات قبل أنْ يذكُر الكلَّ.
وقيل: قصد بذلك أنَّه لم يثبُت عنده حديثٌ يدلُّ عليه بشَرْطه، فيحتمل أنْ تكون هذه الترجمة منها.
قال (ن): في الحديث: أنَّ الأَولى في العبادة القَصْد، ومُلازَمة ما يمكن الدَّوام عليه، وأنَّ الصالح لا يَنبغي له أن يَترك الاجتهاد اعتمادًا على صلاحه، وأنَّه يذكُر فضْلَه إذا دعت الحاجة لذِكْره، لكنْ يَنبغي أن يحرص على كتمانها خوفًا من إشاعتها زوالُها، وجوازُ الغضَب عند ردِّ أمر الشارع، فإنَّ الصحابة كانوا في الغاية من الرَّغبة في طاعة الله تعالى، والازدياد من أَنواع الخير.
* * *