(باب الفهم في العلم)
بمعنى المعلوم؛ أي: إدراك المعلومات، وإلا فالفهم نفس العلم كما فسَّر به الجَوْهري.
٧٢ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لِي ابنُ أَبِي نَجيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابنَ عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ فَلَم أَسْمَعهُ يُحَدِّثُ عَن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَال: كنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ
[ ١ / ٣٧٥ ]
فَقَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كمَثَلِ المُسْلِم"، فَأَردتُ أَنْ أقولَ هِيَ النَّخْلَةُ، فَإذَا أَناَ أَصغَرُ القَوْمِ، فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "هِيَ النَّخْلَةُ".
(علي)، قال (ك): في نُسخةٍ: (هو ابن عبْدِ الله)؛ أي: ابن المَدِيْني، والظاهر أنَّ ذلك من قول الفِرَبْرِي، أو راوٍ آخَر من رُواة الصَّحيح.
واعلم أن ما رواه البخاري من العَنْعنة في السَّنَد محمولٌ على أنَّه ثبَت السَّماع؛ لأنَّه لا يكتفي بإِمكانه كما يكتفي به مسلم.
وأما (قال): فإنما تُذكر عند المُذاكرة كما سبَق أن البخاري قال: كلُّ ما قلتُ: قال لي فلانٌ؛ فهو عرْضٌ ومُناولةٌ، فما رُوي عن سُفْيان من قوله: (قال لي ابن أَبي نَجيح) يحتمل أنْ يكون عَرْضًا لسُفْيان أيضًا.
(إلى المدينة)؛ أي: طَيْبة، فاللام للعهد، والظاهر أنَّ مَبْدأ صُحبته إياه كان من مكة.
(إلا حديثًا واحدًا) يريد به الحديث الذي بعدَه متصلًا به؛ وذلك لأن ابن عُمر كان متوقِّيًا الحديثَ عن النبي - ﷺ -، وقد كان عَلِمَ قول أبيه: أَقِلُّوا الحديثَ عن رسول الله - ﷺ -، وأَنا شَريكُكم.
قلت: كذا قال (ط).
ورد عليه بأن ابن عمر كان من المكثرين، وإنما ذلك لعدم سؤاله
[ ١ / ٣٧٦ ]
أو لعدم نشاطه أو نحو ذلك.
(فأُتي) بضم الهمزة، (بجمار) بضم الجيم، وتشديد الميم: قَلْب النَّخلة وشَحْمتُها.
(مثلها) بفتح الميم، والثاء: صِفَتها؛ أي: العَجيبة؛ لأنَّه لا يُستعمل إلا كذلك، وإنْ كان لغةً للأعمِّ.
ووجْه الشَّبه سبَق في: (باب قول المحدِّث: حدَّثنا وأخبرَنا).
(أن أقول)؛ أي: في جواب ذلك.
(فسكتُّ) بضم التاء للمتكلم؛ أي: حياءً وتعظيمًا للأكابر كما سبق.
قال (ط): لا يتمُّ العلم إلا بالفَهم.
وكذا قال علي - ﵁ -: ما عِنْدنا إلا كتابُ الله أو فَهمٌ أُعطيَه رجلٌ مؤمنٌ، أي: لأنَّ بالفَهْم تتبيَّن معاني كتاب الله وأحكامه، ولهذا قال عليه الصلاة السلام: "رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لا فقه لَهُ"، وقال [مالك]: ليس العِلْم بكثْرة الرواية، إنما هو نورٌ يضعه الله في القُلوب؛ أي: فهو فهم المعاني؛ فمن أراد الفهم فليُحضِر خاطرَه، ويفرِّغ ذهنه، وينظُر إلى بِسَاط الكلام، وينظر اتصاله بما قبله، وانفصاله، ويسأل ربه أن يُرشده إلى إصابة المعنى، ولا يتمُّ ذلك إلا لمن عرف كلام العرب، ووقف على أَغْراضها في مخاطبتها؛ ألا ترى أن ابن عُمر فَهِم من بِساط الحديث، ونفْس القصة: أنَّ الشجرة هي النخلة بقرينة إتيانه بالجُمَّار،
[ ١ / ٣٧٧ ]
وقوَّى ذلك عنده قوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤].
* * *