وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيءٌ مِنَ العِلْم أَنْ يُضَيِّعَ نفسَهُ.
(باب رفع العلم وظهور الجهل)
قوله: (وقال ربيعة) هو تعليقٌ بصيغة الجزْم، فهو صحيحٌ.
(يضيع) وفي بعضها: (أنْ يَضَعَ) بأنْ لا يُفيد الناس.
قال التَّيْمِي: ولذلك قال الفُقهاء: إنَّ القَضاء يُندب لمن في البلَد إذا كان إذا ولي القَضاءَ زال خُمولُه، وانتشَر عِلْمه.
وقال (ط): مَن كان له قَبول العلم وفَهمه يَلزمه من طلَب العلم ما لا يَلزم غيرَه، فينبغي له أن يجتهد، ولا يُضيِّعَ نفْسَه حتى لا يرتفع العِلْم، ولا يَظهَر الجهل، أو أنَّ المراد أنْ لا يأتي بعِلْمه أهلَ الدُّنيا، ويَتواضَع لهم.
* * *
٨٠ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّناَ".
(أشراط)؛ أي: علامات، واحدها شرَط -بالتحريك-.
[ ١ / ٤٠٤ ]
(أن يرفع) في محلِّ نصب اسم (إِنَّ)، والمراد بموت العُلماء لا بنزْعه من الصُّدور كما في الحديث الآخر.
(ويثبت) من الثُّبوت.
قال (ن): وفي بعض نُسخ مسلم: (ويُبَثَّ) من البَثِّ، أي: الانتِشار.
وقال (ك): إنَّه في بعض نُسَخ البخاري أيضًا، قال: وفي بعضها: (يَنْبُتَ) من النَّبات.
(ويشرب)؛ أي يفشُوَ شُربه، وإلا فقد كان يُشرب في الأَزْمان، وحذَّر رسول الله - ﷺ - من شُربه، أو أنَّ مجموع ما ذُكر هو العَلامة.
ويَظهَر، أي: يَفشُو، ويَنتَشِر.
* * *
٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأةً القَيِّمُ الوَاحِدُ".
(يحيى) هو القَطَّان.
[ ١ / ٤٠٥ ]
(لأحدثنكم) بفتح اللام جوابُ قسَمٍ محذوفٍ، أي: واللهِ، ولهذا أُكِّد بالنون.
(حدثنا) قائمٌ مَقام المفعول الثاني، والثالث يحدث.
(لا يحدثكم أحد بعدي) إما لأن النبيَّ - ﷺ - أعلَم بذلك، أو لم يَبْقَ من الصَّحابة حينئذٍ غيرُه، أو قالَه على ظنِّه لماَ رأَى من التَّغيير، ونقص العلم، وغيره، فحثَّهم بذلك على طلَب العِلْم.
(سمعت) بيانٌ أو بدلٌ لقوله: (لأحدثنَّكم).
(يقل) بكسر القاف، ولا تَنافيَ بينه وبين ما سبَق من الرفع بالكُلِّيَّة، إما لأنَّ القِلَّة فيه يعبَّر بها عن العدَم، وذلك باعتبار ما بين مَبدأ الأَشراط وانتهائها، ولذلك قال هناك: (ويَثبُتَ الجَهْلُ)، وهنا: (ويَظهَر).
(وتكثر النساء)؛ أي: بسبب تلاحُم الفِتَن، وقَتْل الرجال فيها.
(ويقل الرجال) ففي ذلك قلَّة العِلْم، وظهور الجهل، والزِّنا؛ لأنَّهنَّ حبائل الشيطان.
(بخمسين) يحتمل إرادةَ حقيقةِ هذا العدَد، ويحتمل أنَّه مجازٌ عن الكثْرة، ووجْه الخمسين أن الأربعة هي كمال نِصاب الزَّوجات، فلما زِيدَ عليه لأجل الزيادة على الكمال مبالغةً في الكثْرة صار خمسةٌ لكل واحدٍ من ذلك عشرٌ؛ لأنَّها مركَّبةٌ من واحدٍ واثنين وثلاثةٍ وأربعةٍ،
[ ١ / ٤٠٦ ]
ومن العشَرات تتركَّب المئات، ومن المئات الأُلوف، وأنَّ كلَّ واحدٍ اعتبر بعشرةِ أمثاله تأْكيدًا للكثْرة ومبالغةً كما ذُكر نحو من ذلك في: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤].
(القيم)؛ أي: من يقوم بأمرهنَّ، واللام فيه للعهد في كون الرجال قوَّامين على النساء.
واعلم أنَّ للتخصيص بهذه الأمور نُكتةً: وذلك لأنَّها مُشعرةٌ باختلال الضروريات الخمس الواجب رعايتها في جميع الأديان، وبحفْظها صلاحُ المَعاش والمَعاد، فرفع العِلْم مُخِلٌّ بالدِّين، وشُرب الخمر مخلُّ بالعقْل وبالمال أيضًا، وقتْل الرجال مُخلُّ بالنفْس، وظُهور الزنا [مُخِلٌّ] بالنَّسَب.
وإنما كانت هذه الأمور علامةً؛ لأن الخلائق لا يُتركون سُدًى، ولا نبيَّ بعد هذا الزمان، فتعيَّن خَراب العالم، وقُرب القيامة.
* * *