(باب فضل العلم)
٨٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ
[ ١ / ٤٠٧ ]
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "بَيْنا أَنَا ناَئِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ"، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (العِلْمَ).
(فشربت)؛ أي: من ذلك اللَّبَن.
(حتى إني) بكسر (إِنَّ) لوُقوعها بعد (حتى) الابتدائية. قال (ك): وبالفتْح على تقديرها جارَّةً.
(لأرى) بفتح الهمزة، وذكر بلفظ المضارع؛ لاستحضاره هذه الرُّؤية للسامعين.
(الري) بفتح الراء وكسرها، قالَه الجَوْهَري، وقال غيره: بالكسر الفِعْل، وبالفتح المَصْدر، وجعله مَرئيًّا تنْزيلًا له مَنزلةَ الجِسْم.
(يخرج) الضَّمير إما للَّبَن، وإما للرِّي تجوُّزًا، وهو حالٌ إنْ كانت الرؤية بصريةً، أو مفعولٌ ثانٍ إنْ كانت عِلْميةً.
(من أظفاري)؛ أي: المَبدأُ منها، وفي بعضها: (في أَظْفارِي)، والظُّفُر ظرفٌ.
(ما أولته)؛ أي: عبَّرتَه؛ لأنَّه لغةً التفسير لما يَؤُول إليه الشيء.
(العلم) بالنَّصب، أي: أوَّلتُه العِلْمَ، وبالرفع، أي: المؤوَّل به العِلْمُ.
ووجه ذكر الحديث في الترجمة: أنَّ فَضْلة اللَّبن الذي شَرِبَه - ﷺ - بمعظمه، ولهذا قال ابن عبَّاس: لا أوثِرُ بنَصيبي منك أحدًا، وكان
[ ١ / ٤٠٨ ]
زِحام الصَّحابة على وَضوئه، وقد فسَّره بالعِلْم فدلَّ على فَضْله.
واعلم أَنَّ رُؤيا الأنبياء حقٌّ، فالظاهر أنَّ هذا الشُّرب كان حقيقةً على وجْه التَّخييل، والله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
ووجْه تأْويله بالعِلْم اشتراكهما في كثْرةِ النَّفْع، وسبَبِ الصَّلاح: ذاك في الأَبدان، وهذا في الأَرواح، والعِلْمُ فيه صلاح الدُّنيا والآخرة.
قلتُ: وقد سبَق حديث رُؤيا القَميص، وتأْويل ذلك بالدِّين؛ لأنَّ العِلْم باطن، والدِّين ظاهرٌ، ولازمه الباطن.
وفي الحديث منقبةٌ لعمر، وجواز تعبير الرُّؤيا، ورِعاية المُناسَبة بين التَّعبير والمعبَّر عنه.
قال (ك): ولا تغفُل عن الفَرْق بين فَضلة العِلْم وفضيلته؛ إذ الحديث دلَّ على الفَضْلة لا على فَضيلته لكنْ يُقال: فَضْلة الرسول - ﷺ - متضمِّنةٌ لفَضيلته وشرَفه.
* * *