٦٠ - حَدَّثَنَا أبَو النُّعمَانِ عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثنَا أبو عَوَانة، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ - ﷺ - فِي سَفْرَةٍ سَافَرناَها، فَأَدركَنَا وَقَد أَرهقَتْنَا الصَّلَاةُ وَنَحْنُ نتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمسَحُ عَلَى أَرجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعلَى صَوْتهِ: "ويلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ"، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
(باب من رفع صوته بالعلم)
(م د س ق).
(في سفرة) في "مسلم": أنَّ ذلك مَقفَلهم من مكَّة إلى المدينة.
(سافرناها) الضمير مفعولٌ مطلَقٌ نحو: ظننتُه زيدًا منطلِقًا؛ أي: ظننت الظنَّ.
(فأدركنا)؛ أي: لحِقَ بنا.
(أرهقتنا الصلاة) برفع (الصلاة) فاعل: أَرهقَ، أي: غشِيتْنا، أو حملتْنا على أدائها.
قال أبو زيد: رهقَتْنا إذا حانَتْ.
وقال ابن الأَعرابي: رَهِقَ، وأرهق بمعنى: دنا، وهي بكسر الهاء، أَرهق بالفتح، قال الله تعالى: ﴿ولَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
[ ١ / ٣٣٠ ]
وفي روايةٍ: (أرهقَنَا) من غير تاءٍ، ورفْع (الصلاة)؛ لأن تأنيثها غير حقيقيٍّ.
وفي رواية: (أَرهقْنا) بسكون القاف، ونصب (الصلاة)، أي: أخَّرنا الصلاة حتى يدنُوَ وقْت الأُخرى.
قال (ش): وهو الأظهر.
قال صاحب "الأَفعال": أَرهقْتُ الصلاةَ أخَّرتها، وأَرهقتُه أدركتُه.
وهذه الصلاة كانت العَصْر، كذا في "مسلم"، وفي رواية البخاري في (العلم)، وفي (الوُضوء).
(فجعلنا) مِن أفعال المُقارَبة تُستعمل كـ (كادَ).
(أرجلنا) جمع رِجْل لمُقابلة الجمْع، وإلا فليس لكل إلا رِجْلان، ولا يُقال: يلزم أنْ يكون لكلِّ واحدٍ رِجلٌ واحدةٌ، لأنَّا نقول المراد به جنْس الرِّجل سواءٌ كانت واحدة أو ثنتين.
قال (ك): المَسْح على القدَم، فأُطلقت الرِّجل على بعضها، وهو عجيبٌ، فلا امتناعَ أنْ يكونوا مسحوا الرِّجل كلَّها، فأنكر عليهم عدَم الغَسل؛ إذ ليس المراد هنا مسْح الخُفِّ، فإنْ أراد أن الرِّجل تُطلق إلى الرُّكبة، فذاك فيه بحثٌ مذكورٌ في: (إلى) كما في (اليَد إِلى المرفَق).
(للأعقاب) جمع: عَقِب بكسر القاف، وهو مُؤخَّر القدَم، وإنما
[ ١ / ٣٣١ ]
أتى باللام؛ للاختصاص نحو: ﴿وَإِن أَسَأتُم فلها﴾ [الإسراء: ٧]، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠]، وإنْ كانت على أكثر ما يُستعمل في النَّشر نحو: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: ويلٌ لأَصحاب الأَعقاب المقصِّرين في غَسلها، نحو: ﴿وسئلِ القَريَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وقيل: العقِب هي المخصوصة بالعُقوبة.
وبالجُملة فهو دليلٌ لغَسل الرِّجلين، وهو الإِسباغ لا اللَّمس بالماء، وأما قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وإنْ كان ظاهرها عطفٌ على المَمسوح لكنَّ تأْويله: أنَّ الجرَّ على المُجاورة، أو نحوه؛ ليُوافق قراءة النَّصب أجود مِن تأويل النَّصب: بأنَّه عطفٌ على محلِّ الجارِّ والمَجرور؛ لما دلَّ عليه هذا الحديث ونحوِه من وُجوب الغَسل، وأيضًا فكلُّ مَن وصَف وضوء النبيِّ - ﷺ - رَوى غَسلَه إياهما.
قلتُ: وأيضًا في حديث عَمرو بن عَبَسة في "صحيح ابن خُزَيمة": (ثُمَّ يَغسِلُ قدَمَيْهِ إلى الكَعْبَين كمَا أَمرَه اللهُ تعالى).
(أو ثلاثًا) شكٌّ من ابن عُمر.
وقال (ك): إنما تَركوا الصلاة في الوقْت الفاضِل طمَعًا في إِتْيان النبيِّ - ﷺ -، فيُصلُّون معه، فلما ضاق الوقْت خشُوا فَوته، فتوضَّؤوا مُستعجِلين، ولم يُبالغوا، فأَدركهم النبيُّ - ﷺ -، فزجَرهم، وأنكَر عليهم.
واحتجَّ مَن اكتفى بالمَسح بأنَّ حُكم الوَجْه واليدَين في الوُضوء الغَسل، وفي التيمُّم المَسْح، والرأْس والرِّجلان ساقطان في التيمم،
[ ١ / ٣٣٢ ]
فوجَب أنَّ واجبَهما المسح؛ لأنَّ الرِّجل بالرأْس أشبَه، ولا يخفى ضَعفه.
وفي الحديث: التغليظ في الإنكار، والتكرار للمُبالغة، ورفع الصَّوت في المُناظرة بالعِلم.
قال ابن أبي شَيبة: مرَرتُ بأبي حنيفة هو وأَصحابه وقد ارتفَعتْ أصواتُهم بالعِلْم.
* * *