[ ١ / ٢٦٣ ]
(باب الزكاة من الإسلام)، هما مبتدأٌ وخبرٌ، وما أورد فيه من الحديث، وإنْ كان فيه أن الصلاة والصيام كذلك لكن سبَق ما يدلُّ عليهما، وهذا هو الذي ورد فيه الزكاة؛ كما قاله التَّيْمِي.
(وقوله) يجوز رفعه كما سبق في نظيره.
(ألا ليعبدوا الله) استثناءٌ من مفعولٍ لأجله عامٍّ، أي: ما أُمروا لأجل شيءٍ إلا للعبادة.
(حنفاء) جمع حَنِيْف، وهو المائل عن الضلال إلى الهدى.
(ويقيموا) عطف خاصٍّ على عامِّ.
وفيه أن الصلاة والزكاة أفضل من سائر العبادات البدَنية والمالية.
(القيمة)؛ أي: المستقيمة؛ مثل: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾؛ أي: مستقيمة؛ قاله الزَّمَخْشَري.
* * *
٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْألُ عَنِ الإسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ"، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ"، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "وَصِيَامُ رَمَضَانَ"، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ"، قَالَ: وَذَكَرَ
[ ١ / ٢٦٤ ]
لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ"، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ! لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أنقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أفلَحَ إِنْ صَدَقَ".
(م د س).
وسنده مَدَنيُّون، وهو مسلسلٌ بالأقارب، فإنَّ إسماعيل هو ابن أبي أُويس، وهو ابن أخت مالك، وأبو سُهيل عمُّ مالك، وأبوه حَليف طلحة بن عبد الله.
(حدثني)؛ أي: حدَّثه وحدَه بخلاف قوله قبْله: (حدثنا).
(رجل)، قال (ط): هو ضِمام -بكسر المعجمة- ابن ثَعلبة من بني سعد بن بكْر، وتبِعه (ع)، وابن العرَبي، وابن المُنذِر، وابن باطِيْش، وآخرون.
قال (ن) في "شرح المهذب": وفيه نظرٌ.
وقال القُرطُبي في "المفهم"، ثم شيخُنا شيخ الإسلام البُلْقِيْني: الظاهر أنَّه غيرُه؛ لاختلاف السِّياقين.
(نجد) هو ما ارتفع من الأرض من تِهامة إلى العراق، وهو مذكَّرٌ.
(ثائر الرأس)؛ أي: مُنتفِش شعره منتشره، فالإسناد للرأْس إما لإطلاقه على الشَّعر؛ لأنَّه أصله كإطلاق السماء على المطر، أو للمبالغة بجعل الرأس كأنَّها المنتفِشة، أو على حذف مضافٍ، أي: شعر الرأْس
[ ١ / ٢٦٥ ]
للقرينة العقلية، وهو بالرفع صفةٌ لـ (رجل)، وقيل: نصب على الحال، ولا تضرُّ إضافته؛ لأنَّها لفظيةٌ.
(نسمع) بنونٍ مفتوحةٍ، وكذا (نَفقَه) على الأشهر الأكثر فيهما، ويُروى بضم المُثنَّاة تحت على البناء للمفعول.
(دوي) بفتح الدال، وحكي ضمها: شدَّة الصوت وبُعده في الهواء، أي: شديدٌ لا يُفهم منه شيءٌ كدوي النَّحل.
(عن الإسلام)؛ أي: عن فرائضه بعد التوحيد، وتصديق الرسول - ﷺ -، ولذلك لم يذكر له الشهادتين لعلمه ﷺ أنَّه لا يَسأل، ويحتمل أنَّه ذكرهما ولم يَسمع طلْحة لبُعده، أو لم ينقل ذلك لشهرته.
(إلا أن تطوع) بتشديد الطاء والواو، وأصله تتطوَّع بتاءين، فأُدغم، قيل: ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحدى التاءين، وينبغي أن يكون المحذوف هو الأصلية؛ لأنَّ الزائدة جاءت بمعنًى.
وقد اختلف في هذا الاستثناء، فقال الشافعي - ﵁ - وغيره: منقطعٌ، فلا يلزم إتمام التطوُّع، والتقدير: فالتطوع خيرٌ لك، وقدَّره الطَّيْبِي، وقال: إنَّه مثل: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، أي: لا يجب شيءٌ إلا أن تطوَّع، وقد علم أن التطوع ليس بموجَبٍ، فلا يجب شيءٌ آخَر أصلًا، ومَن أوجَب إتمامَ تطوع الصوم والصلاة قال: متصلٌ، أي: إلا إذا تطوَّعت، فالتطوُّع عليك يَلزمك إتمامُه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وبالقياس على الحج المتفَق على لزوم إتمامه، فعلى الأول يكون دليلًا
[ ١ / ٢٦٦ ]
أن التهجد لا يلزم الأُمة بل نُسخ عنهم، وكذا عن النبي - ﷺ - على المرجَّح، وعدَم وجوب الوتر والعيدين خلافًا لأبي حنيفة، وخلافًا لقول الإِصْطَخْري من أصحابنا: أنَّ صلاة العيدين فرض كفايةٍ.
(قال: وذكر له رسول الله - ﷺ -) كأن الراوي نسِي تلك، أو التبسَ فاستدركَه.
ففيه: التحرِّي في مُراعاة المروي.
(أفلح)؛ أي: فازَ، أو ظفِرَ، قيل: الفوز أربعة: بقاءٌ بلا فناءٍ، وغنًى بلا فقرٍ، وعزٌّ بلا ذلٍّ، وعلم بلا جهلٍ، فلا كلمةَ أجمع منها.
قال (ن): قيل: فلاحه راجعٌ إلى قوله: (ولا أنقُص)، والمختار رجوعه له ولقوله: (ولا أزيد)؛ إذ ليس فيه أنَّه إذا أتى بزائدٍ لا يُفلح، يُعلم ذلك بالضرورة، لأنَّه إذا أفلح بالواجِب فلأَنْ يُفلح بزيادة الندب عليه أَولى.
قال (ك): أو يحمل على أنَّه حلَف على أنْ لا يزيد في الإبلاغ على ما سَمع، ولا ينقُص منه، أو: أنَّه مبالغة في التصديق والقَبول، أي: قلتُ ما قلته لا أزيد عليه من جهة السؤال ولا أنقُص منه من طريق القبول، أو أن هذا كان قبْل مشروعية شيءٍ آخر، أو: (لا أزيد عليه) تتغيَّر صفته؛ كأنَّه قال: لا أُصلي الظُّهر خمسًا، أو أن المراد: نحافظ على الفرائض وإنْ لم نفعل النوافل، أو: لا أزيد على شرائع الإسلام، وسيأتي في (الصيام) في حديثٍ ما يوضح المراد، فإنَّ فيه: (وأخبَره - ﷺ -
[ ١ / ٢٦٧ ]
بشَرائع الإسلام)، فهذه ثمانية أجوبةٍ دفعتْ مفهوم الشَّرط في أنَّه إذا زادَ لا يُفلح.
ولقد حلَف وأقرَّه النبي ﷺ، وهو قد أَنكَر على من حلَف: أنْ لا يفعل خيرًا، وأنَّه كيف قال: لا أزيد، وهو لم يذكر جميع الواجبات، ولا المنهيات، ولا المندوبات، ولم ينكره ﷺ؟، بل قال: إنَّه أَفلَح.
واعلم أنَّه إنما لم يذكر الحج؛ لأنَّه لم يكن فُرض، أو أن الرجل سأله عن حاله، وهو ممن لم يجب الحجُّ عليه، أو أن هذا لتفاوُت الرواة حفْظًا أو نحوه، فإنَّ بعضهم لم يذكر الصوم، وبعضٌ الزّكاة، وبعضٌ ذكر صِلَة الرحم، وبعضٌ أداء الخمُس، وبالجملة فالقاعدة أن الزيادة يجب العمَل بها إلا أنْ تُغيِّر الباقي، فيقَع التعارُض.
(وأبيه) لا يُعارضه حديث: "إنَّ الله يَنهاكُم أنْ تحلِفُوا بآبائكم"، إما لأنَّه هنا ليس حلِفًا بل كلمةً جرتْ عادة العرب تحسينُ الكلام بها، وذاك من الحَلِف حقيقةً.
قال (ن): وفي الحديث أنَّه يُقال: (رمضان) من غير ذكْر (شهر)، فإنَّ المال ليس فيه حقٌّ سِوى الزّكاة.
قال (ط): وفيه أن الفرائض تُسمى إسلامًا، وفي قوله: (إنْ صدَق): أنَّه إن لم يصدُق في التزامها فليس بمفلحٍ، وهو خلاف قول المُرجئة.
* * *
[ ١ / ٢٦٨ ]