(باب: كيف يقبض العلم)؛ أي: الكيفيَّة التي يُرفع بها العِلْم.
وَكتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَاكتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا.
حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ بِذَلِكَ؛ يَعْنِي: حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى قَوْلهِ: ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ.
(إلى أبي بكر بن حزم) هو أبو بكر بن محمَّد بن عَمْرو بن حَزْم.
(ما كان من حديث)، (كان) فيه تامةٌ، ويُروى: (عنْدَكَ مِن حديثٍ)، فتكون (كان) ناقصةً، و(عندك) الخبَر.
[ ٢ / ٣٠ ]
(ولا تقبل) نهيٌ، وفي بعضها برفع (تَقبَلُ) على أنَّ (لا) نافيةٌ.
(ولتفشوا) بصيغة الأمر، وفي روايةٍ بتسكين اللام كما هو لغةٌ فيها، والإفْشاء: الإشاعة.
(ولتجلسوا) من الجلوس، بفتح أوله.
(حتى يعلم) بتشديد اللام، والبناء للمفعول.
(من لا يعلم) بفتح أوله، على البناء للفاعل.
(لهلك) بكسر اللام في الأشهر.
قال (ك): قوله: (بذلك)، يعني: بجميع ما ذُكر. قال: وفي بعض النُّسَخ بعده: (بمعنى حديث عُمر بن عبد العزيز إلى قوله: ذَهاب العُلماء)، والمقصود منه أن العَلاء رَوى كلامَ عُمر إلى قوله: (ذَهاب العُلماء) فقط.
ثم قال: فإنْ قلت: لم أَخَّر إسناد كلام عُمر، والعادة تقديم الإسناد؟
قلتُ: للفَرْق بين إسناد الخبر وبين الأَثر، وأما على رواية العلاء فظاهرٌ؛ إذ غرضه أنَّه ما روى إلا بعضَه.
قال (ط): فيه أمر عُمر بكتابة حديث النبي - ﷺ - خاصةً، وأنَّه لا يُقبل غيره الحضُّ على اتباع السُّنن وضبطها، إذ هي الحُجَّة عند الاختلاف.
وفيه أنَّه ينبغي للعالم نشْر العِلْم وإذاعته.
* * *
[ ٢ / ٣١ ]
١٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنتزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءَ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْم، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا".
قَالَ الْفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قتيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، نَحْوَهُ.
(انتزاعًا) مفعولٌ مطلقٌ لـ (يقبض)، على حدِّ: رَجَع القَهْقَرى، أي: برفعه من بينهم إلى السَّماء، أو بمحوه من صُدورهم، بل بقَبْضه؛ بقبْض أرواح العُلماء، وموتِ حَمَلته.
(حتى) ابتدائيةٌ، فما بعدها جملةٌ.
(إذا) ظرفٌ، والعامل فيها الخبر، ويحتمل أنَّه الشرط.
(يبق) بضم الباء رباعيًّا.
(عالمًا) مفعوله، أو (يبق) بفتح أوله، ورفْع (عالمٌ) على الفاعلية، فإنْ قيل: لم يَبْقَ للمُضي، فكيف وقع بعد (إِذا) وهي للاستقبال؟؛ قيل: لأنَّ (لم) جعَلَتْ البقاءَ ماضيًا، و(إذا) جَعَلَتْ البقاء مُستقبَلًا، أو يُقال: تعارَضَا فتسَاقَطا، فيبقى على أَصْله، وهو المضارع، أو تعادَلا، فيُفيد الاستمرار، نعم، الشرط يقتضي أنَّ اتخاذ رُؤوسٍ جُهَّالٍ إنما هو حيث: لم يَبق عالمٌ؛ لأنَّه يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المَشروط، لكنْ يجوز أن
[ ٢ / ٣٢ ]
يقَع اتخاذ الجُهَّال مع وُجود العلماء، فأجاب (ك): بأن الانتفاء بانتفاء الشرط إنما هو في الشُّروط العقلية.
قلتُ: وهو عجيبٌ، فإن الشرط اللغوي، وهو تعليق شيءٍ بشيءٍ يجعل المعلَّق عنه سببًا، فينتفي المشروط عند انتفاء الشَّرط.
قال (ك): ثم ذلك الاستلزام إنما هو في موضعٍ لم يكن للشرط بدلٌ، فقد يكون لمشروطٍ واحدٍ شروطٌ متعاقبةٌ، كصحة الصلاة بدون الوُضوء عند التيمم.
قلتُ: هذا ليس من الشَّرط اللُّغوي الذي يصير الشرط سببًا للمشروط.
قال: أو المراد الناس جميعهم، فلا يصحُّ أنَّ الكلَّ اتخذوا رُؤساء جهالًا إلا عند عدَم العلماء، وذلك ظاهرٌ.
قلتُ: هذا أصلَح من الجوابَين قبله، والأحسن في الجواب أن يُقال: إنَّ ذلك جرَى مَجرى الغالِب، فلا يُعمل بمفهومه.
(اتخذ) أصله: ائتَخَذَ، فقلبت الهمزة الثانية تاءً، وأُدغمت في التاء بعدها.
(رؤوسًا) بوَزْن فُعول جمعُ: رأْس، وتُروى: (رُؤَساءَ) بفتح الهمزة، والمدِّ: جمع رئيس.
(جهالًا) أعمُّ من الجهْل البَسيط؛ وهو انتِفاء العِلْم، أو المركَّب؛ وهو انتفاؤُه مع اعتقاد خِلاف الواقع.
(فسئلوا) بضم السين.
[ ٢ / ٣٣ ]
(فضلوا) من الضلال مُقابِل الهداية، وهي الدَّلالة الموصِلة للبِغْية، ويدخل فيه القاضي أيضًا، لأن القضاء إفتاءٌ وزيادةٌ، وإنما لم يقُل: فضَلُّوا فأَفْتَوا فأَضَلُّوا، قصدًا لترتيب المَجموعِ على السُّؤال، أو يُقال: الضلال الذي بعد الإِفْتاء غير الضَّلال الذي قبلَه.
واعلم أنَّه لا تَنافيَ بين هذا وبين حديث: "ولَنْ تَزالَ هذه الأُمةُ قائمةً على أَمْرِ اللهِ حتى يأْتيَ أَمْرُ اللهِ"، وأمثالِ ذلك؛ لأن الذي هنا بعد إتيان أمر الله، إنْ لم يُفسَّر أمر الله بالقيامة، أو عدَم بقاء العِلْم إنما هو في بعض المواضع كفي غيرِ بيت المقدِس أيضًا إنْ لم نُفسِّره به جمْعًا بين الأدلة.
وفي الحديث: التحذير من اتخاذ الجُهَّال رُؤوسًا، وأنَّ آخِر الزمان يخلُو عن المُجتهد كما قاله الجمهور خلافًا للحنابلة.
قال (ط): المعنى: لا يَهب الله تعالى العِلْم لخَلْقه ثم يَنْزِعه، تعالى الله أنْ يسترجع ما وَهَب من علْمه الذي يُؤدِّي إلى معرفته والإيمان به، وإنما يكون قبْض العِلْم بتضييع العِلْم، فلا يُوجد فيمَن يبقَى مَن يخلُف مَن مضَى، وقد أَنذَر - ﷺ - بقبْض الخير كلِّه، ولا يَنطِق عن الهوى.
* * *