(باب)
٥١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صالحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أبَو سُفْيَانَ: أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلتكَ: هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أنَّهمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلتكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَد.
الحديث الثاني (م):
وربَّما يُوجد في بعض النُّسَخ قبْله: (بابٌ)، وصوَّبه (ن)، وقال: إنَّه أكثر أُصول بلادنا، قال: لأنَّ ترجمة الباب الأول لا يَدخُل فيها هذا الحديث.
وقال (ك): بل يتعلَّق بالترجمة؛ لأن المراد بها جعْل الإيمان دِيْنًا، وهذا يدلُّ عليه.
قال (ن): في الاستدلال به إشكالٌ من حيث إنَّ هِرَقْل كافرٌ فلا يُستدلُّ بقوله.
[ ١ / ٢٩٣ ]
قلتُ: وكذا ذكره الإِسْمَاعِيْلي، وقد يُقال: هذا الحديث رواه الصَّحابة ولم يُنكروه بل استَحسنوه.
قال (ك): لا إشكالَ؛ لأنَّ في إيمان هِرَقْل اختلافًا، وبتقدير عدَم إيمانه فليس هذا أمرًا شرعيًّا بل مُحاورةٌ، ومحاورتهم كانت على العُرف الصحيح المعتبَر الجاري على القَوانين، فيُستدلُّ به، وأيضًا فهو من أهل الكتاب، وفي شرعهم كان الإيمان دِيْنًا، وشرْعُ مَن قبْلَنا حُجَّةٌ، وتداولتْه الصحابة كما قالَه كثيرٌ.
والإسناد مَدَنيُّون، وفيه ثلاثة تابعيون.
وسبق كثير من شرح الحديث أوائل الكتاب.
(هل يزيدون) إنْ قيل: القياس: أَيزيدون؟ كما رواه هناك؛ لأن أَم المتصلة إنما تكون بعد الهمزة؛ قيل: هي منقطعةٌ، تقديره: بل أَينقُصون؟ حتى يكون إِضْرابًا عن سؤال الزِّيادة، واستفهامًا عن النُّقصان، على أنَّ صاحب "المفصَّل" أطلق أنَّها لا تقع إلا بعد الاستفهام، فهو أَعمُّ، نعَمْ، المُتصِلة لا تقَع إلا بين اسمين أو فعلَين، وفاعلهما واحدٌ كما هنا.
فإنْ قيل: الاتصال يقتضي الاستفهامَ عن تعيين أحد الأَمرَين، وهل لطلَب الوُجود؛ قيل: يجب حمل مُطلَق (هل) على أعمَّ منه تصحيحًا للمَعنى، وتطبيقًا بينه وبين الرِّواية السابقة.
(فزعمت) سبَق في تلك الرواية: (فذكرت).
(الإيمان)؛ أي: أَمْر الإيمان.
[ ١ / ٢٩٤ ]
(هل يرتد) هناك: (أَيَرتَدُّ؟).
(سخطة) مما زيد هنا، وفي إسناد السابق بين البخاري والزُّهري اثنان، وهنا ثلاثةٌ، وأيضًا فهناك أتمُّ من هذا.
وقد اختُلف في حذْف بعض الحديث، ويُسمى الخَرم، فمُنع مطلقًا، وجُوِّز مطلقًا؛ والصَّحيح يجوز إذا كان ما يَتركه غير متعلِّقٍ بما رواه بحيث لا تختلف الدلالة، والظاهر أن هذا الخرم من الزُّهري لا من البخاري؛ لاختلاف شُيوخ الإسنادَين بالنِّسبة إلى البخاري، ولعلَّ شيخه ابن حمزة لم يَذكُر في الاستدلال على أنَّ الإيمان دِينٌ إلا هذا القَدْرَ، وإنما يقَع الخَرْم لاختلاف المقامات والسِّياقات، فهناك بيانُ كيفيَّة الوحي يقتضي ذِكْر الكُلِّ، ومقام الاستدلال يقتضي الاختصار.
* * *