وَقَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ: كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ: (حَدَّثَنَا) وَ(أَخْبَرَناَ) وَ(أَنْبَأَناَ) وَ(سَمِعتُ) وَاحِدًا.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ الصِّادِقُ المَصدُوقُ.
وَقَالَ شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - كلِمَةً.
وَقَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَدِيثَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِيمَا يَروِي عَنْ رَبِّهِ.
وَقَالَ أَنسٌ: عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - يروِيه عَنْ رَبِّهِ - ﷿ -.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وَقَالَ أبَو هُرَيرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ - ﷿ -.
(باب قول المحدث: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا)
المراد بالمُحدِّث الرَّاوي لا الاصطِلاحي، وهو العالم بحديث النبيِّ - ﷺ -.
(قال لنا)، وفي نسخةٍ: (قال الحُمَيْدي) من غير ذِكْر لفْظ (لنا)، وكلاهما يحتمل روايته عنه بواسطةٍ بخلاف (حدَّثنا)، ولو قال: قالَ لي كان أيضًا دون (حدَّثنا)؛ لاحتمال أنَّه سُئل على سَبيل المُذاكَرة.
قال جَعفر بن حَمدان النَّيْسابُوري: كلُّ ما في البخاري: قالَ في فلانٌ، فهو عَرض ومُناوَلةٌ.
(واحدًا)؛ أي: الثلاثة بمعنًى واحدٍ، وتقرير البخاري ذلك من غير حكايةِ ما يُخالفه دليل على اختياره.
وقال مسلم: (حدَّثنا) لا يجوز إطلاقُه إلا على ما سمعه من الشيخ خاصةً، و(أخبرنا) لمَا قُرئ عليه، فالأول أَعلا، وهذا مذهب الشَّافعي، وجمهور أهل المشرق، قيل: وأكثر أصحاب الحديث الشَّائع الغالب عليهم، والقول الأوَّل نقلَه (ن) عن مالكٍ والبُخاري، ومُعظَم الحجازيين والكوفيين، ونُقل عن طائفةٍ أنَّهما لا يُطلَقان في القراءة على الشَّيخ، وهو قول أحمد، والمشهور عن النَّسائي، انتهى.
أما (أنبأنا) فيكون في الإجازة، فهي أَدنى من (أخبرنا).
[ ١ / ٣٣٤ ]
وأما (سمعت) فلِمَا سمعه من الشيخ، ولو كان مع غيره، فهو دُون: (حدَّثنا).
وقال الخَطيب: الأرفَع: سمعت، ثم حدثني، ثم أخبرني، ثم أنبأني.
ونقَل (ط) عن طائفةٍ: أنَّ (حدثنا) لا يكون إلا مُشافهةً، و(أخبرنا) يكون مُشافهةً وكتابًا وتبْليغًا، يقول: أخبَرنا اللهُ تعالى في كتابه، ورسولُه - ﷺ - بكذا.
وقال الطَّحَاوي: لم نجن بين الحديث والخبر فَرْقًا في كتابٍ ولا سنةٍ، قال تعالى: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، وقال النبيُّ - ﷺ -: "أخبرني تميمٌ الدَّارِيُّ".
(قال ابن مسعود) وصلَه فى (بدء الخلق)، و(الغسل)، وغيرهما.
(الصادق) في نفْس الأمر.
(المصدوق)؛ أي: بالنِّسبة إلى الله تعالى، وإلى النَّاس، أو الذي يُخبره صادقٌ، وهو جبريل - ﵇ -.
(وقال سُفْيان) وصلَه في (الجنائز)، و(التوحيد) وغيرهما.
(وقال حذيفة) وصلَه في (التوحيد)، وغيره، وقال (ك): في (كتاب الرقائق).
(وقال أبو العالية) وصلَه في (التوحيد) أيضًا، وأوَّله: (لكُلّ عمَلٍ كفَّارةٌ).
واعلم أنَّ من بعد قوله: (أنبأنا) ليس من الترجمة، نعَمْ، فيه ذكْر
[ ١ / ٣٣٥ ]
ما لا تعلُّق له بالترجمة، كما أن في الترجمة ما لم يذكُره، وهو: (أنبأنا)، لكنْ لفْظ الرواية لمَّا كان شاملًا للجميع صار كأنَّ الترجمة للكلّ.
* * *
٦١ - حَدَّثَنَا قتيْبةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَة لَا يَسْقُطُ وَرَقُها، وإنها مَثَلُ المُسْلم، فَحَدِّثُوني مَا هِي؟ "، فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنّها النَّخْلَةُ، فَاسْتَحيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ".
(م ت س).
(الشجر)؛ أي: جنْسها، واحدُه: شجَرة كثَمَر وثَمَرة.
(مَثَل) بفتح الميم، والمُثلَّثة في الرِّواية، ويُقال فيه بكسر الميم وسُكون ما بعدَها، كشَبَهٍ وشِبْهٍ لفْظًا ومعنى، والمَثَل بالتحريك: واحدُ الأمثال.
ووجْه الشَّبَه بينها وبين المسلم: كثْرة خيرها، ودوام ظلِّها، وطيب ثمرتها، ووجوده على الدوام، فيُؤكل من حين يطلُع إلى ما بعد يُبسه، ويُستعمل خشَبها جِذْعًا، وحَطَبًا، وعِصيًّا، ومَخاصِر، وورقها حُصُرًا، وأواني، وحبالًا، وآخرها النَّوى يُعلف به الإبل، هذا مع جمال نبَاتها، وحُسن بيئة ثمرها، والمؤمن خيرٌ كلُّه من كثرة طاعته،
[ ١ / ٣٣٦ ]
ومَكارم أخلاقه، ومُواظبة صلَواته، وصيامه، وقراءته، وذكره، والصدقة، والصلة، وسائر الطاعات، ودوام ذلك كدوام ورق النخلة.
قال السُّهيْلي في "التعريف": زاد فيه الحارث بن أبي أُسامة في متْنه زيادةً تُساوي رِحلةً: عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: "هيَ النَّخلة لا تَسقُط لها أَنْمُلةٌ، وكَذا المؤمِنُ لا يسقُطُ له دَعوةٌ)، انتهى.
وقيل: في وجْه الشَّبَه أيضًا إذا قُطع رأْسها ماتتْ، وأنَّها لا تحمِل حتى تلقَّح، وتموت إذا غرقَتْ، أو يفسد ما هو كالقَلْب لها، وإنَّ لطَلْعها رائحة المَنيِّ، أو لأنَّها تعشق كالإنسان، لكن هذه الأُمور كلَّها لا تختصُّ بالمسلم، فلا وجْه لتفسير الشبَه ها هنا.
(ما هي) مبتدأٌ وخبرٌ في موضع الثاني من مفعولي (حدَّث).
(فوقع الناس)؛ أي: فسر كل واحدٍ بنوعٍ، وفي رواية: (البَوادِ) بحذف الياء، وهو لغةٌ.
(فاستحيت)؛ أي: أنْ أتكلَّمَ وعنده - ﷺ - الكبار هيبةً منه، وتوقيرًا لهم.
(حدِّثنا) طلَبٌ؛ إذْ لا عُلوَّ ولا استعلاءَ ولا تَساوي.
ففي الحديث أن سماع الشيخ والسماع منه يُطلق فيهما التحديث لقوله - ﷺ -: (حدثوني)، وقولهم: (حدِّثْنا)، ولا يخفى ما فيه من نظَرٍ؛ فإنَّ قوله: (حدِّثُوني) مساوٍ لـ (حدِّثْنا)؛ لتنزيله إياهم منزلة الشيخ.
وفيه: إلقاء العالم المسألةَ على أصحابه ليَختبر أفْهامَهم،
[ ١ / ٣٣٧ ]
ويُرغَبهم في العِلْم كما سيترجِم له عَقِبَ ذلك.
وفيه: ضرب الأمثال بالشجرة وغيره، وتوقير الكبار، وترك التكلم عندهم، وفضْل النخل؛ قيل فيها: إنَّها خُلقتْ من بَقيَّة طِينة آدم، وهي كالعمَّة للأَناسيِّ.
* * *