فَدَخَلَ فِيهِ الإيمَانُ وَالوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكاةُ وَالحَجُّ وَالصَّوْمُ وَالأَحكَامُ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُل كُلٌّ يعَمَلُ عَلى شَاكِلَته﴾ [الإسراء: ٨٤]: عَلَى نيَّتِهِ، "نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحتَسِبُها صَدَقَةٌ"، وَقَالَ: "وَلَكِنْ جِهادٌ وَنيَّة".
(باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة)، بحاءٍ مكسورةٍ، أي: الاحتِساب والإخلاص.
قال الجَوْهري: يُقال: احتسَب بكذا أَجرًا عند الله، والاسم
[ ١ / ٣٠٩ ]
الحُسْبة، وهي الأَجْر.
(فدخل) هو من كلام البخاري، ولهذا في بعض النُّسَخ: (قال أبو عبد الله).
(من الأحكام)؛ أي: من المُعاملات، والمُناكَحات، والجِراحات؛ إذ يُشترط في كلِّها القَصد، فلو سبَق لسانُه إلى بِعْتُ أو وهبتُ أو نكحت أو طلَّقتُ لَغَا، وأما ترتُّب الضَّمان على العاقِد أو على الجاني آخرًا في الخطأ؛ فمِن قَبيل ربْط الحُكم بالسَّبب كما في ضَمان إِتْلاف الطفل في ماله، وكالدُّلوك (١)، ونحوه من الأَحكام الوضعيَّة.
(وقال) الجُملة حاليةٌ على الظاهر لا معطوفةٌ على ما سبَق، أي: أنَّ هذه الآية أَيضًا تدلُّ على أنَّ جميع الأَعمال على حسَب النية، فهو تقويةٌ لمَا قال، فدَخَل فيه كذا وكذا.
(على نيته) تفسيرٌ لقوله: على شَاكِلَته، وفي بعضٍ: (أَي: على شَاكِلَتِه) بذكْر حرف التَّفسير، وفي بعضها، وعليه شَرَح (ك): (ونفَقَة الرَّجُلِ على أَهلِه يحتَسِبُها صَدَقةً)، فـ (يَحتَسِبُها) حالٌ متوسِّطةٌ بين المبتدأ والخبر.
(ولكن جهاد ونية) قالَه - ﷺ - يومَ فتْح مكَّة كما سيأْتي في محلِّه من البخاري.
* * *
_________________
(١) أي: دلوك الشمس.
[ ١ / ٣١٠ ]
٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحيىَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْراهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "الأعمَالُ بِالنية، وَلكُلِّ امرِئِ مَا نوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُها، أَوِ امرَأَةٍ يتَزَوَّجُها، فَهِجْرتُهُ إِلَى مَا هاجَرَ إِلَيْهِ".
الحديث الأول (ع):
(الأعمال بالنية) سبَق شرحه، وبَيان الحَصْر من هذه الصِّيغة، وأنَّها كروايةِ (إِنَّما) في ذلك، ولا يَرِد على دَعوى الحصْر نحو: صامَ رمضان بنيَّة قضاءٍ أو نذْرٍ حيث لم يقَع له ما نَوى؛ لعدَم قابليَّة المَحلِّ، والصَّرورة في الحجِّ يَنويه للمُستأجِر، فلا يقَع إلا للنَّاوي؛ لأنَّ نفْس الحج وَقَع، ولو كان لغير المَنويِّ له، والفَرْق بينه وبين نيَّة القَضاء أو النَّذْر في رمضان حيث لا يصحُّ أصلًا؛ لأن التعيين ليس بشرط في الحجِّ، فيُحرِم مطلقا، ثم يَصرِفُه إلى ما يَشاء، وكذا لو أَحرم بنفْله وعليه فرضه انصرَف للفرض لشِدَّة التشبُّث واللُّزوم، فإذا لم يَقبل ما أَحرم به انصرَف إلى القابِل، نعَم، لو أَحرم بالحجِّ قبْل وقْته انعقَد عُمرةً على المرجَّح؛ لانصِرافه إلى ما يَقبل، وهذا خلافُ ما لو أَحرم بالصلاة قبْل وقْتها لا تَنعقد على الأَظهر لقُوَّة الإحرام، ولهذا يَنعقدُ مع المُفسِد كمَن أَحرَم مُجامِعًا.
قلتُ: الأَرجح لا ينعقد أصلًا، وقيل: يَنعقد فاسدًا، وقيل: صَحيحًا.
[ ١ / ٣١١ ]
قال (ك): ولأنَّه عبادةٌ فيها مشقَّةٌ عظيمةٌ، فأَرادوا حفْظه من طُرق سُرعة الإحباط فيه، وأما إِزالة النَّجاسة حيث لا تفتقر إلى نيَّةٍ، فلأنَّها من التُّروك، نعَمْ، تفتقر لحُصول الثَّواب كتارك الزِّنا إنما يُثاب بقصد أنَّه ترك امتثالًا للشَّرع، وقيل: لأنَّ النَّجاسة أَسهل، فيُعفى عن قَليلها، ويُقتصر على محلِّها بخلاف الحدَث، فلم يحتَج لنيَّةٍ، وأما سُقوط العِدَّة عن المرأة بمضيِّ زمانها بلا نية، فلأنَّه لا فعلَ منها بل مضيُّ مدَّة، وأما صِحَّة الوُقوف بعرَفة بعدَم القصد حتى في النائم والمُغمَى عليه لاستِصحاب نيّة الإحرام فيه، وبالجُملة فهذه الصُّور فيها اختلاف، فمن منع فواضحٌ، ومَن جوَّز فعنده أنَّها خُصَّت من العُموم بالدليل.
(إلى دنيا) يُروى: (لدُنْيا)، وسبق أنَّ رواية البخاري هناك فيها خرمٌ، فإنْ كان من شيخه، فعلى حسَب ما رَوى، وإنْ كان منه، فلأنَّ القصد الاستدلال بما ذكَر دون المَحذوف.
قال (ط): غرَض البخاري هنا الردُّ على مَن زعم من المُرجئة أنَّ الإيمان قولٌ باللِّسان دون عقد القَلْب، فبيَّن أنَّ الإيمان لا بُدَّ له من نيةٍ واعتقاد قلْبٍ.
* * *
٥٥ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنهالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعبةُ، قَالَ: أَخْبَرَني عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا أنفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهُا فَهُو لَهُ صَدَقَةٌ".
[ ١ / ٣١٢ ]
الحديث الثاني (م ت س):
(أنفق) حُذف مفعوله ليعمَّ القليلَ والكثيرَ.
(على أهله)؛ أي: زَوجته وولَده، أي: ونفقتُهما واجبةٌ، فهي هنا صدقةٌ من بابٍ أَولى.
(يحتسبها) حالٌ من الفاعل، أو من المفعول المَحذوف.
(فهو)؛ أي: الإنْفاق.
(صدقة)؛ أي: كالصَّدقة في الثَّواب لا حقيقةً، وإلا لحرُمتْ على هاشميٍّ ومُطَّلبي، والصارف له عن الحقيقة الإجماع، ولا يضرُّ المشابهةَ كونُ هذا واجبًا والصدقة غالبًا تطوُّعٌ، وبه يجاب عن كون المشبَّه به دون المشبَّه، فكيفَ شبَّه الواجب بالتطوُّع؟ فيُقال: الشَّبه في أصل الثواب لا من كل وجهٍ على أنَّ كل شبَهٍ لا يُشترط فيه كون المشبَّه دون المشبَّه به كما قُرر في محلَّه من علم البَيان.
قال (ن): في الحديث الحثُّ على الإخلاص وإحضار النيَّة في الأعمال، والردُّ على المُرجئة في قولهم: الإيمان إقرارٌ باللسان فقط، وفي قوله: (يحتسِبُها) دليلٌ على أنَّها لا تكون طاعةً إلا بذلك، أي: يَنوي بها وجْه الله تعالى.
* * *
٥٦ - حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نافعٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيب، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعدٍ، عَنْ سَعدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بها وَجْه اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ
[ ١ / ٣١٣ ]
عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ".
الحديث الثالث (ع):
(لن) لتأْكيد النَّفي، فيه الأقوال المشهورة أنَّه حرفٌ برأْسه، أو أصله (لا)، فأُبدل من ألفه نونٌ، أو أصله (لا أَنْ) فخُفِّفت الهمزة، وسقَطت الألف لالتقاء الساكنين.
(تنفق نفقة) عامٌّ في القليل والكثير؛ لأنَّه نكرةٌ في النَّفي، والخِطاب للعموم لا لسعدٍ فقط مثل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢]، والصارِف قَرينهُ عدَم اختصاصه، ويحتمل أنَّه لسَعد والباقي بالقياس، أو أن العُموم من حديث: "حُكْمِي على الواحِدِ"، ونحوه.
(تبتغي): تطلُب.
(وجه)؛ أي: جِهةَ. والحديث من المُتشابه، ففيه مذهبا التأْويل والتَّفويض.
(إلا أجرت) بضم الهمزة، وتقدير الاستِثناء هنا: لن تُنفق في حالٍ من الأحوال إلا وأنت في حالِ مأْجُوريتك عليها، أو تقديره: وإلا فقد أُجرتَ بها، فالمُستثنى اسمٌ لا فعلٌ، والاستثناء متصِلٌ.
(عليها) في نُسخةٍ بدله: (فيها).
(حتى) عاطفةٌ لا جارَّةٌ، وما بعدها منصوب المَحل.
(ما) موصولٌ، والعائد محذوفٌ.
(في في)، قال (ع): رُوي: (في فَمِ)، ولكنَّه لغةٌ قليلةٌ.
[ ١ / ٣١٤ ]
(امرأتك)؛ أي: فتُؤجر على ذلك؛ لأنَّ قيد المعطوف عليه قيدُ المعطوف، أو يجعل (حتى) ابتدائيةً، و(ما) مبتدأٌ، وخبره محذوفٌ، أي: فأنت مأْجورٌ، ويَخرج من مفهومه أنَّ المرائي بعمل الواجب لا يُؤجر وإنْ سقَط عقابه بفِعْله.
قال (ن): فيه قاعدةٌ مهمةٌ، وهي أنَّ ما أُريد به وجْه الله يثبُت فيه الأَجر، وإنْ حصَل لفاعله في ضمنه حظُّ نفْسٍ من لذَّةٍ أو غيرها، كوضْع اللُّقمة في فمِ الزوجة، وهو غالبًا لحظِّ النفْس والشَّهوة، فإذا كان هذا فيه الأَجر، فالأَجر فيما يُراد به وجه الله فقط أَولى.
ثم هذا في الزَّوجة غير المضطَرَّة للُقمةٍ، فكيف اللُّقمة لمحتاجٍ؟ والكسوة، أو الرغيف، أو كل فعلٍ مما في معنى ذلك ما مشقَّته فوق مشقَّة ثمن اللُّقمة التي في الحقارة بالمحل الأدنى.