(باب إطعام الطعام من الإسلام)
برفْع (إطعام) مبتدأً، و(مِن الإسلام) خبَره؛ أي: مِن خِصال الإسلامِ.
وفي بعض النُّسَخ: (مِنَ الإِيمان) بدَل (مِن الإسلام)، وهو دليلٌ على القول باتحادِهما.
* * *
[ ١ / ١٣٨ ]
١٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الإسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ".
(م س).
(أَنَّ رَجُلًا) قيل: هو أبو ذَرٍّ؛ إسناده كلُّهم مِصْريُّون، وهو عَزيزٌ، ويُزاد: أنَّهم كلَّهم أَجِلَّاء.
(خَيْرٌ) هو للتَّفضيل مثْل: أَفْضل، لكنْ أفضل بمعنى: كثْرة الثَّواب، وخيرٌ بمعنى: النَّفْع في مُقابلة الشَّر، فالأول راجعٌ للكمِّية، والثاني للكيفيَّة.
فإنْ قيل: لم لا قال في هذا كما في الباب قبلَه: (أَيُّ الإسلامِ أَفْضل)، ولا عبَّر هناك كما هنا؛ قيل: لأنَّ النبيَّ ﷺ صرَّح هنا بأنَّ الإطْعام من الإسلام، ولم يُصرِّح هناك بأنَّ سلامة المسلمين منه من الإسلام، فلذلك احتيج هناك لتأويلٍ، وأيضًا فلو قال هناك: السَّلامة منه مِن الإسلام، لم تُعلَم الأفضليَّة، فخالَف بين التَّرجمتين لذلك.
(تُطْعِمُ)؛ أي: إطعامٌ، على حَدِّ: تَسمَعُ بالمُعيديِّ، أي: سَماعُك.
قلتُ: وفي "شرح التسهيل" لابن مالك: إنَّ سبْك الفعل مصدرًا لا يحتاج لحرفٍ مصدريٍّ قبلَه، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، أي: إِراءَتُكم، قال السُّهَيْلي: يحتمِل
[ ١ / ١٣٩ ]
إِطعام المجاويع، أو الضِّيافة، أو هما جميعا، وللضيافة في التحابُب والتآلُف أثرٌ عظيمٌ.
(وَتَقْرَأُ) بفتح المُثنَّاة والراء، وبضم التاء وكسر الراء، أي: تسلم على كل أحد، ولا تخصَّ بعضًا دون بعض كما قد يقع ذلك تكبرًا أو تهاونًا، أو تسلم مصانعة، بل يكون السلام عامًّا مراعاة لأخوة الإسلام، وتعظيمًا لشعائر الشريعة، وإذا كان خالصًا فلا يخص بأحد، ولا يمنع منه عداوة، نعم الكافر خارج من العموم إجماعًا.
فإن قيل: كيف جعل هنا الخير الإطعام، وإقراء السلام، وفي الحديث السابق الأفضل: السلامة من يده ولسانه، قيل: إن الجوابين في وقتين فكان الأفضل في كل منهما ما أجاب به إما باعتبار السامع أو بعض أهل المجلس، فقد يظهر من بعض قلة المراعاة ليده ولسانه وإيذاء المسلمين، ومن بعض إمساك عن الإطعام أو تكبر عن السلام، أو أن النبي - ﷺ - علم أن السائل الأول يسأل عن أفضل التروك، والثاني عن خير الأفعال، أو أن الأول يسأل عما يدفع المضار، والثاني عما يجلب المنافع، أو أنهما بالحقيقة متلازمان إذ الإطعام يستلزم سلامة اليد، والسلام يستلزم سلامة اللسان.
وفي الحديث الحث على الجود والسخاء، ومكارم الأخلاق، وخفض الجناح للمسلمين والتواضع، وتآلف القلوب، ونحو ذلك، فاشتمل الحديث على نوعي المكارم؛ لأنَّها إما مالية، والإطعام إشارة إليها، وإما بدنية، والسلام إشارة إليها.
[ ١ / ١٤٠ ]
قال البَيْضاوي: الأُلفة إحدى فرائض الإسلام، وأركان الشَّريعة، ونظام شَمْل الدِّين.
وقال (خ): دلَّ حرف الجواب عن جملةِ خِصال الإسلام وأَعماله إلى ما يجب من حُقوق الآدميِّين على أنَّ المسألة إنما عَرضتْ من السَّائل عن حُقوقهم الواجبة عليهم، فجعَل خيرَ أَفعالها في المَثوبة إطعام الطَّعام الذي به قِوام الأَبدان، ثم ما يكون به قَضاء حُقوقهم من الأَقوال، فجعَل خيرَها إِفْشاء السَّلام.
* * *