وَقَالَ أَنسٌ: نَسَخَ عُثْمَانُ المَصَاحِفَ، فَبَعَثَ بها إِلَى الآفَاقِ، وَرَأَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ويَحيَى بْنُ سَعِيدٍ وَمَالكٌ ذَلِكَ جَائِزًا، وَاحتَجَّ بَعضُ أَهْلِ الحِجَازِ فِي المُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبيِّ - ﷺ - حَيْثُ كتَبَ لأَمِير السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ: "لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا"، فَلَمَّا بَلَغَ
[ ١ / ٣٤٨ ]
ذَلِكَ المَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُم بِأمرِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
(باب ما يذكر في المناولة)؛ أي: المقرونة بالإجازة بأَنْ يأتي الشيخ بأصل سماعه فيُناوله للطالب، ويقول له: هذا سماعي، أَجزتُ لك روايتَه عني، وهي حالَّةٌ محلَّ السَّماع عند مالك، والزُّهري، ويحيى بن سعيد الأَنْصاري، فيَجوز فيها: حدثنا، وأخبرنا، لكنَّها مُنْحطَّةٌ على الصَّحيح عن السماع عند أكثر الأئمة، لا المُناوَلة المُجرَّدة عن قوله: أَجزْتُ لك، ولا يجوز له الرّواية بهذه على الصَّحيح.
(وكان) عطفٌ على (ما)، أو على (المُناوَلة).
(إلى البلدان)؛ أي: إلى أَهلها، وهو مِثالٌ، فالقُرى والصَّحارى وغيرها كذلك، والجارُّ متعلِّقٌ بـ (كتاب)؛ فإنَّه مصدرٌ.
ثم المكاتَبة إما مع إجازةٍ فكالمناولة معها، وإما مُجرَّدةٌ، فالصَّحيح المشهور فيها جواز الرِّواية بها بأَنْ يقول: كتَب إِليَّ فُلانٌ، وجوَّز بعضهم أنْ يُقال فيها: حدَّثنا، وأنبأنا.
(وقال أنس) وصلَه في (فضائل القرآن)، وغيره.
قلتُ: قال أبو عَمرو الدَّاني: أجمعوا أنَّ عُثمان كتَب أربع نُسخٍ: واحدةٌ عنده، والثلاثة للبَصرة، والكُوفة، والشام.
وقال أبو حاتم السِّجِسْتاني: سبعةً، والثلاثة الأُخرى بمكة، واليمَن، والبحرين.
(وعبد الله بن عمر)؛ أي: ابن عاصِم بن عُمر بن الخطَّاب، قال:
[ ١ / ٣٤٩ ]
كنتُ أَرى الزُّهري يأْتيه الرجل بالكتاب لم يَقرأْه عليه، ولم يُقرأْ عليه، فيقول: أَرويه عنكَ؟، فيقول: نعَم، وقال: ما أَخذْنا نحن ولا مالكٌ عن الزُّهريِّ عرْضًا.
(ذلك)؛ أي: المُناوَلة والكتابة على حَدِّ: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨].
(بعض أهل) هو الحُمَيْدي.
(الحجاز) هي مكة، والمدينة، واليَمامة، ومَخاليفها؛ أي: قُراها كخَيْبر للمدينة، والطائف لمكة، سُميت بذلك لأنَّها حَجَزتْ بين نَجْدِ والغَور.
(حيث كتب)؛ أي: أمَر بالكتابة، فهو مجازٌ بقَرينة كونه أُميًّا؛ إذ الأُميُّ مَن لا يُحسن الكتابةَ لا من يَعرفها، وقد نقُل أنَّه كتَب بيَديه، وسيَجيء في (الجهاد)، أو يقال: إنَّه من خَرْق العادة.
(لأمير السرية) هو عبد الله بن جَحْش كما في "سيرة ابن إسحاق" مُرسلًا بسندٍ ثقاتٍ، وفي "الطبراني الكبير" من حديث جُنْدُب بسندٍ حسنٍ.
قلتُ: وكانتْ في رجب في السنَة الثانية مع ثمانيةٍ من المهاجرين.
قال (ش): وخَدَش البيهقيُّ في هذا الاحتِجاج بأنَّ التبديل فيه كان غير مُتوهَّم لعدالة الصحابة، وهو بعد ذلك عند تغيُّر الناس مُتوهَّمٌ، وقال: إنَّ الشافعي أشار إلى ذلك في باب القَضاء.
* * *
[ ١ / ٣٥٠ ]
٦٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صالحٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِم رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُمَزَّقُوا كلَّ مُمَزَّقٍ.
(بكتابه)؛ أي: مُلتبسًا به مُصاحبًا له.
(رجلًا) هو عبد الله بن حُذافة السَّهمي كما سيأْتي في (المغازي)، وغيرها.
(البحرين) بلفْظ التَّثنية عَلَمٌ على بلدٍ قريبٍ من جَيْرُون وقَيْس، وإنما لم يقُل: إلى مَلِك البحرين؛ لأنَّه لا مُلكَ ولا سَلْطنة للكفَّار.
(فدفعه) عطفٌ على مقدَّرٍ، أي: فذهبَ إلى عَظيم البَحرين، فدفعه إليه، ثم دفعَه ذلك العظيم إلى كِسْرى، وتُسمى الفاءَ الفَصِيحة.
(كسرى) بفتح الكاف وكسرها، قال الجَوالِيْقي: وهو أفْصح، وهو لقَبٌ لمن مَلَكَ الفُرس، كما سبق بيان ذلك في حديث هِرَقْل.
(قرأه)؛ أي: قرأَ كسرى الكتابَ.
(مزَّقه)؛ أي: خَرَّقه وفَرَّقه، والفاعل لذلك منهم: أَبرويز بن هُرمُز أَنُوشُرْوان.
(فحسبت)؛ أي: ظننتُ.
[ ١ / ٣٥١ ]
(ممزَّق) -بفتح الزاي- مصدرٌ كالتَّمزيق، والمعنى: كلَّ نوعٍ من التَّفريق.
وفي التاريخ: أنَّ ابنه شِيْرويهِ قَتلَه بأنْ مزَّق بطنَه، ثم لم يَلبَثْ بعده إلا ستة أشهرٍ، ويُقال: إنَّه لما أحسَّ بالهلاك كتَب على حِقَّة السُّمِّ من حِقاق الأَدوية: الدَّواء النَّافع للجِماع، وكان ابنُه مُولَعًا بذلك، فاحتالَ في هلاكِ ابنه، فلمَّا فتح الخِزَانة ورأَى الحِقَّة تَناوَلَ منها، فماتَ في ذلك الشَّهر، ولم يقُم لهم بعد الدُّعاء أمرٌ حتى انقَرضُوا عن آخِرهم في خلافة عُمر - ﵁ - حين توجيهه سعدًا للعراق.
واعلم أنَّ هذا الحديث دالٌّ على الجُزء الثاني من الترجمة، أما الأول فدلَّ عليه الكتاب الذي ناولَه له أمير السَّريَّة.
وفي الحديث: جواز مُكاتبة الكفَّار ودُعائهم إلى الإسلام، والعمَل بالكتابة، وخبَر الواحد، وجواز الدُّعاء عليهم حين أَساؤُوا الأَدَب وأَهانُوا الدِّين، وأنَّ الواحد يُجزئ في حمل كتاب الحاكم للحاكم، ولا يُشترط شاهدان، وإنما استقرَّ الحُكم باعتبارهما احتياطًا لمَا دخَل من الفَساد.
قلتُ: هذا حُكمه ودليله عُموم: ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
* * *
٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعْبَةُ، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كتَبَ النَّبِيّ - ﷺ - كِتَابًا
[ ١ / ٣٥٢ ]
-أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ- فَقِيلَ لَهُ: إِنهم لَا يَقْرَءُونَ كتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّد رَسُولُ اللهِ، كأنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدهِ، فَقُلْتُ لِقتادَةَ: مَنْ قَالَ نَقْشُهُ مُحَمَّد رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: أَنسٌ.
(كتابًا)؛ أي: إلى العجَم، أو إلى الرُّوم، ففي (كتاب اللِّباس) روايتان صريحتان بذلك.
(أو أراد) شكٌّ من أنَس.
(وأنَّهم)؛ أي: الرُّوم، أو العجَم على الرِّوايتين، فكانُوا لا يَقرؤُون] إلا المَختُوم خَوفًا من كشْف أسرارهم.
(خاتم) فيه لُغاتٌ، المشهورةُ منها أربعة: فتح التاء، وكسرها، وخَاتام، وخِيْتَام؛ أي: وخِتَام، وخَتْم.
(نقشه) مبتدأٌ، والجملة بعده خبرٌ، وليس فيها عائد؛ لأنَّها عين المبتدأ كأنَّه قيل: نقْشُه هذا المَذكور.
وفي الحديث: ختْم الكتُب، واتخاذ الخاتَم من فِضَّة للرِّجال، ونقشه، ونقش اسم صاحبه، ونقش اسم الله تعالى فيه، وجوازُ الكتابة، بل يُندب ذلك كله.
(في يده) حالٌ من (البياض)، أو من المضاف إليه؛ أي: كأَني أنظُر إلى بَياض الخاتَم حالةَ كونه في يَدِ رسول الله - ﷺ -، ومعنى كونه في اليَدِ: في الأصبَع، فأُطلق الكلُّ على الجُزء.
ثم إنَّه من باب القَلْب؛ إذ الأصل الأصبَع في الخاتم لا الخاتم
[ ١ / ٣٥٣ ]
في الأصبع، كـ: عَرضْتُ النَّاقةَ على الحَوْض.
* * *