(باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه)
يحتمِل تقديمَه (من الإيمان) على (أنْ يُحبَّ) بخلاف قوله: حُبُّ الرَّسول من الإيمان، وإِطعام الطَّعام من الإيمان، ونحو ذلك؛ إما للاهتمام بذِكْره، أو الحصْرِ كأنَّه قال: ليست المَحبَّة المذكورة إلا مِن الإيمان تعظيمًا لشأنها، وتحريضا عليها.
وفاعل (يُحبَّ) مُضمرٌ في الفعلين، أو المكلَّف، أو المُؤمِن، أو الرَّجل.
١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قتادَةَ،
[ ١ / ١٤١ ]
عَنْ أَنسٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّم، قَالَ: حَدَّثَنَا قتَادَةُ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ".
(م ت س ق).
(لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ)؛ أي: إيمانًا كامِلًا، ولا يَلزم أنَّه يحصُل بذلك وإنْ لم يأْتِ بسائر الأركان؛ لأنَّه مبالغةٌ، كانَّ الركن الأَعظم منه هذه المَحبَّة نحو: "لا صَلاةَ إلا بطُهُورٍ"، أو هي مُستلزمةٌ لذلك، أو يَستلزم ذلك لصِدْقه في الجُملة، وهو عند حُصول سائر الأَركان؛ إذ لا عُموم للمَفهوم.
واعلم أنَّ في بعض الرِّوايات: (لا يُؤمِنُ عبْدٌ)، وفي بعضِها: (أَحَدٌ).
(حَتَّى يُحِبَّ) بالنَّصب بـ (أنْ) مضمرةٍ بعد (حتى)، وهي جارَّةٌ لا عاطفةٌ، ولا ابتدائيةٌ تدلُّ على مُخالفة ما بعدَها لما قبلَها.
(لأَخِيهِ)؛ أي: في الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
(مَا يُحِبُّ)؛ أي: في مثْل ما يُحبُّ؛ إذْ عينُه محالٌ؛ إذ لا يكون في مَحلَّين، والمراد: ما يحبُّ من الخَير كما جاء ذلك صَريحًا في روايةِ النَّسائي، وذلك الطَّاعات والمُباحات من الدُّنيا.
واللَّفْظ وإنْ كان ظاهره المِثْليَّة لكن حقيقته أنْ يحبَّ أنْ يكون
[ ١ / ١٤٢ ]
أَخوه أفْضلَ منه؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يحبُّ أنْ يكون أفْضل من غيره، فإذا أحبَّ لأخيه مثْلَ ذلك دخَلَ هو في جُملة المفضولين.
ثم قال ابن الصَّلاح: إنَّ هذا يُعدُّ من الصَّعب المُمتنِع، ولكنْ لا يُعدُّ بأنْ يحبَّ أنْ يحصل لأَخيه من جهةٍ أُخرى مثل ذلك من جِهةٍ لا يُزاحمه، ولا ينتقصُ عنه، وذلك سَهْل على القَلْب السَّليم.
واعلم أنَّ من الإيمان أيضًا أن يُبغض لأخيه ما يُبغض لنفْسه، ولكن تَركَه في الحديث إما اكتفاءً؛ لأنَّ حبَّ الشيء يَستلزم بُغْض نقيضه، أو لأنَّ الشَّخص لا يُبغض شيئًا لنفْسه، فلا يحتاج لذِكْره.
والمَحبَّة عرَّفها أكثَر المتكلمين: بالإِرادة، فقيل: فهي إما اعتقاد النَّفع، أو النَّفع، أو مَيل يَتبع ذلك، أو صفةٌ مخصِّصةٌ لأحد الطَّرفين بالوُقوع.
وقال (ن): أَصْل المحبة المَيْل إلى ما يُوافق المَحبوب، ثم الميْل قد يكون إلى ما يَستلذُّه بحواسِّه كحُسن الصُّورة، أو بعقْله كمحبه الفضْل والكمال، أو لإحسانه إليه، ودفْع المضارِّ.
وقال التَّيْمِي: دلَّك رسول - ﷺ - على مَعرفة الإيمان من نفْسك، فانظُر فإن اخترتَ لأَخيك في الإسلام ما تَختار لنَفْسك؛ فقد اتصفْتَ بصفة الإيمان، وإنْ فرَّقتَ بينك وبينه في إرادة الخير؛ فلستَ على حقيقة الإيمان، وإذا كان الإيمان مُشتقًّا مِن الأَمْن، فكأنَّه يُؤمِّن أَخاه من الضَّيم والشَّر، وإنما يصحُّ هذا إذا ساوى بينَه وبين نفْسه، فأمَّا إذا كان وُصول الشرِّ إلى أَخيه أَهون عليه من وُصوله إلى نفْسه، أو حصولُه
[ ١ / ١٤٣ ]
على الخير آثَرُ مِن حُصول أخيه عليه؛ فلم يُؤمِّنْه إيمانًا تامًّا.
(وَعَنْ حُسَيْنٍ)، قال (ك): إما عطْفٌ على مَعمُول (حدَّثنا)، فيكون تعليقًا لذلك عن الحُسين -قلتُ: وفيه بُعدٌ-، وإما عطفٌ على (شُعبة)، فيكون من تحديث مُسدَّد، عن يحيى، عن حُسين، أي: المعلِّم، أوردَه للمُتابَعة لكن باتصالِ بأوَّل السنَد، وفيه تحويلٌ، وإنما أُشير إلى ذلك في نسخته بكتابةِ (ح) التَّحويل، أو الحائل، أو الحَديث، كما سبَق في أول السند، وإما عطْفه على (قَتادة)، فكأنَّه قال: عن شُعبة، عن حُسين، عن قَتادة.
قلتُ: وهذا عجيبٌ؛ فإنَّه إذا عُطف على قَتادة يكون مُشاركًا له في أنَس، وكلامه آخِرًا يُناقض الأول، وبالجُملة فالصَّواب عطْفه على شُعبة.
قال: ولا يجوز عطْفه على يحيى؛ لأنَّ مُسدَّدًا لم يَسمع من الحُسين.
قلتُ: هذا ظاهرٌ لا يحتاج للتَّنْبيه عليه.
* * *