(باب: حب الرسول ﷺ من الإيمان)
اللام في (الرسول) للعَهْد، وهو نبيُّنا محمد ﷺ، وإنْ كان حُبُّ الرسُل كلِّهم من الإيمان؛ لقَرينة (حتى أَكونَ).
* * *
[ ١ / ١٤٤ ]
١٤ - حَدَّثَنَا أَبَو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَا يُؤْمِنُ أَحَدكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ".
الحديث الأول (س):
(بِيَدِهِ) هو مِن المُتشابِه، والأُمة فيه بين مُفوِّض عِلْمَه لله، والوقْف عندهم في الآية على: ﴿إِلا الله﴾، ومُؤوِّلٍ بما يَليق، ﴿وَاَلرَّسِخُونَ﴾ عندهم عطفٌ على فاعل: ﴿يعلم﴾ [آل عمران: ٧]، والأول أَسلَم، والثاني أَحكَم.
(أَحَبَّ) أَفْعل التَّفضيل بمعنى: المَفعول، وهو وإنْ كان كثيرًا على خِلاف القِياس.
(إِلَيْهِ) فصَل به بين أَفْعل ومَعموله؛ لأنَّه يتوسَّع في الظَّرْف ما لا يُتوسَّع في غيره.
(مِنْ وَالِدِهِ) يدخُل فيه الأُمُّ؛ لأنَّ الوالد مَن له ولَدٌ، أو ذُو ولَدٍ كـ (لابِنٌ) و(تامِرٌ).
قلتُ: الظَّاهر اتحاد القَولين، أو أنَّ ذلك من باب الاكتِفاء بأحَد الضدَّين نحو: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي: والبَرْد، أو أنَّهما سواءٌ، فذِكْر أحدهما يُشعر بالآخَر.
(وَوَلَدِهِ) إنما لم يَذكُر نفْسَه، وإنْ كانت نفْسه أحبَّ إليه من كلِّ
[ ١ / ١٤٥ ]
شيءٍ، واقتصَر في هذه الرِّواية على الوالد والولَد؛ لكونهما أعزَّ خلْق اللهِ على الإنسان غالبًا، وربَّما كانا عنْده أعزَّ من نفْسه، وقد عُلم أنَّه يكون أحبَّ إليه من غيرهما من الخُلُق من بابٍ أَولى، فذِكْرهما تنبيهٌ وتمثيلٌ، وقد جاءَ في الرِّواية الثانية التَّعميم.
* * *
١٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ح وَحَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".
الحديث الثاني (م س ق):
يُوجد في بعض النُّسَخ فيه قبْل: (وَحَدَّثَنَا آدَمُ ح) للتَّحويل مِن إسنادٍ إلى إسنادٍ، وفي روايتي حديث أنسَ زيادةُ: (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، أي: في الحديث الثاني مِن ذكر العُموم بعد الخُصوص.
فإنْ قيل: هل يدخُل في لفْظ (الناس) نفْسُه، أو يكون خارجًا للقَرينة العُرفيَّة؛ لأنَّ الذي يُطلق (الناس) إنما يُريد غيرَ نفْسه؛ قيل: نعَمْ، يدخُل، وما ذُكر ليس بمخصصًا لعُمومه.
فإنْ قيل: المَحبَّة أمرٌ طبيعيٌّ لا يدخُل تحت الاختِيار، فالتكليف بتحصيله تكليفٌ بما لا يُطاق؛ قيل: المراد الحبُّ الاختِياري المُستنِد للإيمان حتى يُؤثِرَ رِضاهُ على هوَى الوالدَين، وإنْ كان فيه هلاكهما،
[ ١ / ١٤٦ ]
فمحبَّةِ الرسول إرادةُ أفعالِ طاعته، وتركُ مخالفته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] الآيةَ.
قال (ط): المَحبَّة ثلاثةٌ: محبة إجلالٍ وإعظامٍ كمحبَّةِ الوالدَين، ومحبَّة شفَقةٍ ورحمةٍ كمحبة الأَولاد، ومحبَّة استحسانٍ واستلذاذٍ كمحبَّة سائر النَّاس، فجمَع النبيُّ - ﷺ - الأصنافَ الثلاثة، فمن استكمَل الإيمان عَلِمَ أنَّ حقَّ النبيِّ ﷺ آكدُ عليه من حقِّ والده، وولَده، والناس أجمعين؛ لأنَّ به يُستنقذ من النار، ويُهدى من الضلالة، أي: فالمعاني الثلاثة موجودةٌ فيه؛ لمَا جمَع بين جمال الظاهر والباطِن، وكمال أَنواع الفضائل، والإحسان لجميع المُسلمين بهدايتهم إلى الصِّراط المستقيم ودَوام النَّعيم.
قال (ع): ومن محبَّته - ﷺ - نصْر سُنَّته، والذَّبُّ عن شريعته، وتمنِّي حُضور حياته ببذْل ماله ونفْسه دُونه.
وفيه أنَّ حقيقة الإيمان لا تتمُّ إلا بذلك، ولا تصلح إلا بتحقيق إِعلاء قدْره ومنزلته على كلِّ والدٍ وولدٍ ومُحسِنٍ ومفضِل، ومَن لم يعتقد هذا فليس بمؤمنٍ.
قال (ن): فيه تلْميحٌ إلى قِصَّة النَّفْس الأَمَّارة بالسُّوء والمطمئنَّة، فإنَّ مَن رجَح جانب الأَمَّارة كان حُبُّ أهله وولده راجِحًا، ومن رجَح المطمئنَّة فبالعكس.
قال (ك): حاصله أنَّه يجب تَرجيح مُقتضى القوَّة العقليَّة على الشَّهوانيَّة ونحوها.
* * *
[ ١ / ١٤٧ ]