(باب من قعد حيث ينتهي به المجلس)
أي: حُكم مَن قَعد، وهو الجَواز، أو الأَدب، أو نحوه.
(فُرجة) بضم الفاء: فُعلَةٌ بمعنى: المَفعول، كقُبْضة، وبفتحها كذلك.
(الحلْقة) بسكون اللام على المشهور.
قال العَسْكَري: هي كلُّ مُستديرٍ خالي الوَسَط، والجمْع: حَلَق بفتح الحاء واللام.
قال: وحُكي فتح اللام في الواحد، وهو قليلٌ، وإنما عبَّر بالحَلْقة دون المَجلِس؛ لأنَّه لفْظ الحديث، وعبَّر في الأول بالمَجلِس؛ لأن الحُكم واحدٌ.
٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ،
[ ١ / ٣٥٤ ]
عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَذهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيها، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُم، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأدبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؛ أَمَّا أَحَدُهُم فآوَى إِلَى اللهِ، فآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحيَا، فَاسْتَحيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ".
(أبي واقد) بقافٍ، ومهملةٍ: الحارث، ليس له في البخاري غير هذا الحديث، حتى إنَّ المَقدِسيَّ في "الكمال" وَهِمَ بقوله: روى له الجماعة إلا البخاري.
(أقبل ثلاثة نفر) جملةٌ أُضيف إليها الظَّرف.
قال (ك): (جالسٌ) خبر مبتدأ محذوفٍ، وفي بعض الروايات: (هو جالِسٌ)، أي: بذِكْر (هو).
(نفَرٌ) بالتحريك: عدَّة رجالٍ من الثلاثة إلى العشَرة، فهو اسم جمعٍ تمييزٌ للثلاثة، أي: هم ثلاثةٌ، لا أنَّه نوَّع الثلاثة على عدد أنفارٍ فيكون تسعةً، وهذا كما يُقال: ثلاثة رجالٍ، ليس المراد ثلاثةُ جموعِ رجلٍ، ونظير وُقوع اسم الجمع تمييزًا كالجمع: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨].
(فأقبل اثنان) ذكره بعد: (فأقبل ثلاثة)؛ إما لأن التقدير: فأقبل
[ ١ / ٣٥٥ ]
اثنان منهم، وإما لأنَّ إقبال الثلاثة إقبالٌ إلى المجلس، أو إلى جِهتهم، وإقبالُ الاثنين إقبالٌ إلى رسول الله - ﷺ -.
(ذاهبًا)؛ أي: لم يرجع بل استمرَّ في إِدباره، وإلا فأدبر مُغْنٍ عن (ذاهبًا).
(فلما فرغ)؛ أي: مما كان فيه من الخُطْبة، أو تعليم العِلْم، أو الذِّكر.
(ألا) حرف تنبيهٍ، ويحتمل أن الهمزة للاستفهام، ولا نفْيَ، فثَمَّ في الكلام طَيٌّ كأنَّهم قالوا: أَخبرنا عنهم، فقال: كذا.
(فأوى) بالقصر؛ أي: رجَع.
(فآواه) بالمد. قال (ع): هذا [الأمر يحتمل أنْ] كان في اللُّغة في كلٍّ منهما القَصر والمدُّ، وفصدر المقصور: أَوْيًا على فَعُول، ومصدر الممدود: إِيْواءً، ونسبة الإيواء في: (إلى الله تعالى)، وكذا الاستِحياء، والإِعْراض مجازٌ؛ لاستحالتها في حقِّه تعالى؛ فالمراد لَوازمها: وهي إرادة إِيصال الخير، وترك العِقاب والإذلال، أو نحو ذلك.
وهذه قاعدةُ كل ما لا يُطلق على الله يكون المراد غايتَه ولازِمَه، وقَرينة الصَّرْف عن الحقيقة العقْل، وفائدته: بَيان الشيء بطريق عقْليٍّ، وزيادةُ توضيحٍ، وتحسين اللَّفْظ، ويُسمَّى مثْل هذا المَجاز مَجازَ المُشاكَلة، والمقابَلة.
واعلم أنَّ إِدخال هذا الباب في (كتاب العلم) إما لأنَّ الحلْقة كانت للعِلْم، فيكون من السُّنَّة الجلوس على وَضْع الحلقة، ويجلس
[ ١ / ٣٥٦ ]
الدَّاخل حيث ينتهي إليه المَجلس، ولا يُزاحم إنْ لم يجد فُرجةً، وأنَّ الإعراض عن مجلِس العلم مذمومٌ؛ أي: إذا ذهب لا لعُذْرٍ.
وفيه: أن مَن جلس في حلْقة علمٍ فهو في كنَفِ الله تعالى، فعلى العالِم أَنْ يُؤوي المتعلِّم؛ لأنَّ الله تعالى آواه، واستِحياء مَن لم يُزاحم محمودٌ، فلذلك لا يعذبه الله، وإنما المذموم فيه الحياء الباعِث على ترك العِلْم، ومَن أعرَضَ فقد تعرَّض لسخَط الله تعالى، فإنَّه أخبر بأنَّ الله أعرَض عنه.
وفي قوله الأخير رَدٌّ على مَن زعم أنَّه لا يُستعمل إلا في الأخير؛ فإنَّه قد استُعمل هنا في الوسَط.
* * *