(باب قول النبي - ﷺ -: رب مبلغ أوعى من سامع)
علَّق هذا الحديث؛ إما لكونه في معنى الحديث المذكور بالسنَد، أو ثبَت عنده بلفْظه من طريقٍ آخَر.
و(رُبَّ) للتكثير كثيرًا غالبًا في العُرف، وللتَّقليل قليلًا، وإنْ كان هو الأصل لغةً، ومِن خصائصها: أنَّها لا تدخُل إلا على نكرةٍ ظاهرةٍ أو مضمرةٍ، وأنْ تكون موصوفةً بمفردٍ أو جملةٍ، وأنَّ الفعل الذي سلَّطته على الاسم يجب تأخيره عنها؛ لأنَّها للإنْشاء، ولها صَدر
[ ١ / ٣٥٧ ]
الكلام، وفِعْله يُحذف في الأكثَر، وأنَّ فِعلها يجب أنْ يكون ماضيًا، وهنا الفعل محذوفٌ نحو: كان، أو علمت، أو وجد، أو لقيت.
وفيها لغاتٌ عشرٌ: براءٍ مضمومةٍ ومُوحَّدةٍ مشددةٍ، أو مخففةٍ مفتوحةٍ، أو مضمومةٍ، أو مسكنةٍ، وبراء مفتوحةٍ، وباءٍ مشدَّدةٍ، أو مخفَّفةٍ، ورُبَّتَ بتاءٍ بعد الباء المُشدَّدة، أو المخفَّفة.
قلتُ: والأخيرتان إما مع ضم الراء أو فتحها، والأربعة إما مع فتح الباء التي زِيدتْ أو تسكينها، صارتْ ستَّ عشرة لُغةً.
وهي حرفٌ عند البصريين، واسمٌ عند الكوفيين، أي: فيكون مرفوعًا بالابتداء.
قلتُ: ونحو:
ورُبَّ قتْلٍ عارُ
ومُنع بأن (عارٌ) صفةٌ لـ (قتْلٍ)؛ لأنَّه مبتدأٌ مرفوع قبل دخول: رُبَّ، أو (عارٌ) خبر مبتدأ محذوفٍ، والجُملة صفةٌ لـ (قتل)، أو خبر عنه، وأما متعلَّق ربَّ بمحذوفٍ على قول البصريين، فكذا قال (ش): إنَّ ربَّ تتعلَّق بمحذوفٍ تقديره: يُوجد، أو يُصاب، ولكنه مُفرَّعٌ على أنَّ (رُبَّ) تدخل لتعدية عامل، وبه قال الجمهور.
وقال الرُّمَّاني، وابن طاهِر، ورجَّحه بعض المتأخرين: لا تتعلق ربَّ بشيءٍ؛ لاستغنائها عن تقديرٍ، فإنَّها لم تدخل لتعديةٍ بل لإفادة تكثيرٍ، أو تقليلٍ.
[ ١ / ٣٥٨ ]
و(مُبلَّغٍ) بفتح اللام، وغَلط من كسرها.
و(أَوعَى): أفعل تفضيلٍ من الوَغي، وهو الحِفْظ، وهو صفةٌ لـ (مبلَّغ)، و(مِن سامعٍ) صلتُه، والمراد: سامعٍ مني؛ لأنَّ ذلك هو المقصود.
* * *
٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ -أَوْ بِزِمَامِهِ- قَالَ: "أَيُّ يَوْمٍ هذَا؟ "، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: "أليْسَ يَوْمَ النَّحْرِ"، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَأَيُّ شَهْرٍ هذَا؟ "، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَننَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمه، فَقَالَ: "أليْسَ بِذِي الحِجَّةِ"، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءكم وَأَموَالَكُم وَأَغرَاضَكُم بَيْنَكُم حَرَامٌ كَحُرمَةِ يَوْمِكُم هذَا، فِي شَهْرِكُم هذَا، فِي بَلَدِكُم هذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ".
(على بعيره) كان ذلك بمنى يوم النَّحر في حَجَّة الوداع.
(أو زمامها) شكٌّ من الراوي.
والزِّمام قال الجَوْهري: الخِطَام الذي يُشدُّ فيه البَرَّة، ثم يُشدُّ في طرفه المِقوَد، وقد يسمى المِقوَد زِمامًا، وزممتُ البعير: خطَمته.
[ ١ / ٣٥٩ ]
قال: والبَرَّة حلْقةٌ من صفرٍ تُجعل في لحم أنْف البعير.
وقال الأصمعي: تجعل في أحد جانبَي المِنْخَرين.
(سيسميه) فيه إشارةٌ إلى تفويض الأمور إلى الشارع، والانعزال عما عُرف من المتعارف المشهور.
(أعراضكم) جمع عِرْض بكسر المهملة، وسُكون الراء، وبضادٍ معجمةٍ: موضع المَدح والذمِّ من النكاح سواءٌ في نفسه أو سلَفه، فالمَدح: نِسبةٌ إلى الأخلاق الحميدة، والذم عكسه.
وقيل: العِرض: الخُلُق؛ من إطلاق اللازم على المَلْزوم.
وقيل: الحَسَب؛ أي: لا يجوز القَدْح في العِرْض كالغِيبة، وذلك كالقتْل في الدِّماء، والغَصب من الأموال.
واعلم أنَّ قوله: (فإنَّ دِماءكم) هو وما بعده على تقدير مُضافاتٍ، أي: سَفْك دمائكم، وأخْذ أموالكم، وثلْب أعراضكم؛ إذ الذَّوات لا تُحرَّم، فيُقدَّر في كل شيءٍ ما يُناسبه.
(كحرمة يومكم هذا) إلى آخره، شبَّهه بهذه الأُمور؛ لاشتِهار الحُرمة فيها عندهم، وإلا فالمشبَّه إنما يكون دون المشبَّه به، ولهذا قدَّم السؤال عنها مع شُهرتها؛ لتقرير الحرمة المطلوبة في نفُوسهم وتشديدها.
قال (ن): فيه ضرْب الأمثال، وإِلْحاق النَّظير بالنَّظير.
(ليبلغِ) أمرٌ، فالغين تكسر لالتقاء الساكنين.
(الشاهد)؛ أي: الحاضِر في المَجلِس، وظاهر الأَمر الوجوب،
[ ١ / ٣٦٠ ]
والمراد إما يُبلِّغ تحريمَ ما ذُكر، وإما جميع الأحكام.
(الغائب) مفعول: (يُبلِّغ)، والظاهر أنَّه بتقدير (إلى).
(منه) صلةٌ لأفعل التفضيل، وفُصل بينهما للتوسُّع في الظَّرف كالفَضل بين المضاف والمضاف إليه، كقول الشاعر:
كنَاحتٍ يَومًا صَخْرةً بعسيلٍ
وقد أُجيز الفصل بينهما بغير الظَّرف أيضًا إذا لم يكن أجنبيًّا من كلِّ وجهٍ.
قال (ط) عن المُهَلَّب: فيه من الفِقْه تبليغ العِلْم، وتبيينه لمن لا يَفهم، وهو الميثاق الذي أخذه الله تعالى في قوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
وفيه: أن المتأخِّر قد يكون له علْمٌ ليس لمن تقدَّمه، إلا أنَّه قليلٌ لأجل قرينةِ؛ لأنَّ (رُبَّ) للتقليل، أي: هنا للقَرينة.
وعسى للإطماع لا لتحقيق الشيء، وأنَّ حامِلَ الحديثِ يُؤخذ منه ولو كان جاهلًا بمعناه، وهو مأجورٌ في تبْليغه محسوبٌ في زُمرة العُلماء، وأن ما كان حرامًا يجب على العالم أن يؤكِّد حرمته، ويغلِّظه بأبْلَغ ما يجد، وجواز القُعود على ظهر الدَّوابِّ إذا احتيج إلى ذلك، وإنما خطَب على البعير ليُسمع الناس، وإنما أَمسَك إنسانٌ بخطامه ليتفرَّغ للحديث ولا يَشتغِل بإمساكه.
[ ١ / ٣٦١ ]