وَالأَفَكِ، بِمَنْزِلَةِ النِّجْسِ وَالنَّجَسِ، يُقَالُ: إِفْكُهُمْ.
(باب حَديث الإفْك)
هو أبلَغ ما يكون من الكَذِب، وقيل: البُهتان، والمراد به: ما أُفِكَ به عائشة ﵂، والمَشهور فيه كسر الهمزة، وسُكون الفاء، وجاء فتحهما جميعًا، وذلك معنى قول البخاري: (بمنزلة النِجس والنَجَس) يُريد أنهما واحدٌ، وهو أَسوأُ الكَذِب.
لكنْ في "المثلَّث" لابن مالِك: الإفْك الكَذِب، والأفك جمعُ أَفُوك، وهو الكَذوب.
نعم، تمثيلُه بالنَّجَس فيه نظَرٌ، فقد قال ابن عزيز: إنَّ النَّجِس
[ ١١ / ١٩٨ ]
بكسر النون لا يُستعمل إلا تابِعًا للرِّجْس.
(يقول إفكهم) إلى آخره، مُراد البخاري منه بَيان القِراءات في قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨].
وفي "الكشَّاف": أنه قُرئ أيضًا: (إفَّكهم) بالتشديد، وآفَكهم بالمد، أي: جعلَهم آفِكِين، وآفِك بلفظ الفاعل، أي: قولهم الكاذِب.
* * *
٤١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا، وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ، وَأَثْبَتَ لَهُ اقْتِصَاصًا، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمُ الحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ، قَالُوا: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجِ بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَعَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ، فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ، فَسِرْناَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ
[ ١١ / ١٩٩ ]
غَزْوَتهِ تِلْكَ وَقَفَلَ، دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ قَافِلِينَ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي، فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، قَالَتْ: وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يُرَحِّلُونِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ عَلَيْهِ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَهْبُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأَكُلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ خِفَّةَ الهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وَحَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الجَمَلَ فَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَوَاللهِ مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، وَهَوَى حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا، فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الجَيْشَ مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، وَهُمْ نُزُولٌ، قَالَتْ: فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَ الإِفْكِ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ بنَ سَلُولَ.
[ ١١ / ٢٠٠ ]
قَالَ عُرْوَةُ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاعُ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ، فَيُقِرُّهُ وَيَسْتَمِعُهُ وَيَسْتَوْشِيهِ. وَقَالَ عُرْوَةُ أَيْضًا: لَمْ يُسَمَّ مِنْ أَهْلِ الإِفْكِ أَيْضًا إِلَّا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ فِي نَاسٍ آخَرِينَ لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ غَيْرَ أَنَّهُمْ عُصْبَةٌ -كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى- وَإِنَّ كُبْرَ ذَلِكَ يُقَالُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بنُ سَلُولَ. قَالَ عُرْوَةُ كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ، وَتَقُولُ: إِنَّهُ الَّذِي قَالَ:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهْوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ "، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَلِكَ يَرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ حِينَ نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ، وَكَانَ مُتَبَرَّزَناَ، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنَفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا. قَالَتْ: وَأَمْرُناَ أَمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ فِي البَرِّيَّةِ قِبَلَ الغَائِطِ، وَكنَّا نَتَأَذَّى بِالكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ -وَهْيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ- فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ
[ ١١ / ٢٠١ ]
شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟! فَقَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ! وَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ: وَقُلْتُ: مَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ، قَالَتْ: فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "كيْفَ تِيكُمْ؟ "، فَقُلْتُ لَهُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وَأُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ لأُمِّي: يَا أُمَّتَاهُ! مَاذَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَت: يَا بُنَيَّةُ! هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا. قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ! أَوَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي، قَالَتْ: وَدَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ يَسْأَلهُمَا وَيَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلَكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا. وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلِ الجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَرِيرَةَ، فَقَالَ: "أَيْ بَرِيرَةُ! هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟ ". قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ، غَيْرَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ
[ ١١ / ٢٠٢ ]
تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ يَوْمِهِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وَهْوَ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ! مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِي؟ وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي"، قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الأَسْهَلِ، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ أَعْذِرُكَ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ. قَالَتْ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الخَزْرَجِ، وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ فَخِذِهِ، وَهْوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهْوَ سَيِّدُ الخَزْرَجِ، قَالَتْ: وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ، فَقَالَ لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللهِ لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ رَهْطِكَ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلَ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَهْوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كذَبْتَ، لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ. قَالَتْ: فَثَارَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالخَزْرجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ عَلَى المِنْبَرِ، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، قَالَتْ: وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ ويَوْمًا لَا يَرْقأ لي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، حَتَّى إِنِّي لأَظُنُّ أَنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، فَبَيْنَا أَبَوَايَ جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي، فَاسْتَأْذَنَتْ
[ ١١ / ٢٠٣ ]
عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ، قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: يَا عَائِشَةُ إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ، ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ"، قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِّي فِيمَا قَالَ، فَقَالَ أَبِي: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِيمَا قَالَ، قَالَتْ أُمِّي: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةٌ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ كثِيرًا: إِنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي، فوَاللهِ لا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ حِينَ قالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ثُمَّ تَحَوَّلْتُ وَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، لَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بِأَمْرٍ، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى
[ ١١ / ٢٠٤ ]
رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ بِهَا، فَوَاللهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ، حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِنَ العَرَقِ مِثْلُ الجُمَانِ وَهْوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ القَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهْوَ يَضْحَكُ، فَكَانَتْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ! أَمَّا اللهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ"، قَالَتْ: فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، فَإِنِّي لَا أَحْمَدُ إِلَّا اللهَ ﷿، قَالَتْ: وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ العَشْرَ الآيَاتِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ ابْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: بَلَى وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ لِزَيْنَبَ: "مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ". فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهْيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَعَصَمَهَا اللهُ بِالوَرَعِ، قَالَتْ: وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ. ثُمَّ
[ ١١ / ٢٠٥ ]
قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللهِ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ ما قِيلَ لَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ مِنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ. قَالَتْ: ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ.
٤١٤٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ مِنْ حِفْظِهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَبَلَغَكَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ فِيمَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ؟ قُلْتُ: لَا، وَلَكِنْ قَدْ أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ مِنْ قَوْمِكَ -أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ- أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَهُمَا كَانَ عَلِيٌّ مُسَلِّمًا فِي شَأْنِهَا.
٤١٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْرُوقُ بْنُ الأَجْدَع، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ رُومَانَ -وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ ﵂- قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا قَاعِدَةٌ أَنَا وَعَائِشَةُ إِذْ وَلَجَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَتْ: فَعَلَ اللهُ بِفُلَانٍ وَفَعَلَ، فَقَالَتْ أُمُّ رُومَانَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: ابْنِي فِيمَنْ حَدَّثَ الحَدِيثَ. قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: كَذَا وَكَذَا. قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَتْ: وَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، فَمَا أَفَاقَتْ إِلَّا وَعَلَيْهَا حُمَّى بِنَافِضٍ، فَطَرَحْتُ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا فَغَطَّيْتُهَا. فَجَاءَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: "مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَخَذَتْهَا الحُمَّى بِنَافِضٍ، قَالَ: "فَلَعَلَّ فِي حَدِيثٍ تُحُدِّثَ
[ ١١ / ٢٠٦ ]
بِهِ؟ ". قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَعَدَتْ عَائِشَةُ فَقَالَتْ: وَاللهِ لَئِنْ حَلَفْتُ لَا تُصَدِّقُونِي، وَلَئِنْ قُلْتُ لَا تَعْذِرُونِي، مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ، وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ، قَالَتْ: وَانْصَرَفَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللهُ عُذْرَهَا، قَالَتْ: بِحَمْدِ اللهِ لَا بِحَمْدِ أَحَدٍ وَلَا بِحَمْدِكَ.
٤١٤٤ - حَدَّثَنِي يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ نَافِعِ، عن ابْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: كَانَتْ تَقْرَأُ ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ وَتَقُولُ: الوَلْقُ الكَذِبُ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَكَانَتْ أَعْلَمَ مِنْ غَيْرِهَا بِذَلِكَ لأَنَّهُ نَزَلَ فِيهَا.
٤١٤٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: لَا تَسُبَّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. وَقَالَتْ عَائِشَةُ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي هِجَاءَ المُشْرِكِينَ قَالَ: "كيْفَ بِنَسَبِي؟ "، قَالَ: لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ العَجِينِ.
٤١٤٥ / -م - وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ فَرْقَدٍ، سَمِعْتُ هِشَامًا، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَبَبْتُ حَسَّانَ، وَكَانَ مِمَّنْ كَثَّرَ عَلَيْهَا.
٤١٤٦ - حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُنْشِدُهَا شِعْرًا
[ ١١ / ٢٠٧ ]
يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَهُ، وَقَالَ:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ
فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ. قَالَ مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ لَهَا لِمَ تَأْذَنِي لَهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْكِ وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؟ فَقَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ العَمَى؟ قَالَتْ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ -أَوْ يُهَاجِي- عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
الحديث الأول، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس:
(وكلهم)؛ أي: قال الزُّهْري: وكلُّهم.
(أثبت اقتصاصًا)؛ أي: أحفَظَ، وأحسَنَ إيرادًا، وسَرْدًا للحديث.
ولما كان الأربعة حُفَّاظًا لم تضُرَّ رواية الزُّهْري ذلك، وإدراجه هنا بين غَزْوة بني المُصْطَلِق، وحديث الإفْك غَزْوة أنْمار؛ لأنَّه لا يُراعي ترتيب الأبْواب، ولاحَظَ التعلُّق الذي بين الغَزْوتين.
(جَزْع) بفتح الجيم، وسُكون الزاي، وبمهملةٍ: خَرَز.
(ظَفار) بفتح المعجمة، وخفَّة الفاء، والراء، مبنيٌّ على الكسر: قَريةٌ باليمَن.
(يهبلن) بالبناء للمَفعول، مُضارِع التَّهبِيل، وللفاعِل من الهَبَل، والإِهْبَال، وهو الإثْقال، وكثْرة اللَّحم والشَّحْم.
(العُلقة) بضم المهملة: القَليل.
[ ١١ / ٢٠٨ ]
ولا يُنافي هذا ما سبَق في (الشَّهادات)، في (باب: تَعديل النِّساء): (فلم يَستنكِر القَومُ ثِقَل الهَوْدَج)؛ لأنهما من الأُمور المُتضايِفة، فيَتفاوَتان.
(المُعَطَّل) بفتح المهملتين، وتشديد الثانية.
(السُّلَمي) بضم المهملة، وفتح اللام.
(الذَّكْواني) بفتح المعجمة، وسُكون الكاف، وبالنُّون.
(باسترجاعه)؛ أي بقَوله: إِنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعُون.
(فخمرت)؛ أي: غَطَّيتُ.
(على يدها)؛ أي: ليَسهل الرُّكوب عليها، ولا تحتاجَ لمساعدةٍ.
(موغرين)؛ أي: داخلِين في الوَغْرة، بمعجمةٍ وراءٍ، وهي شِدَّة الحَرِّ.
(في نحر الظهيرة): أوَّل الظَّهيرة.
(كبر)؛ أي: مُعظَم.
(أُبي) بضم الهمزة.
(سَلُول) بفتح المهملة: أُمُّه.
(عندَه) تنازَعَه عاملان.
(ويستوشيه)؛ أي: يَستخرجُه بالبَحْث والمسأَلة حتى يُفشيَه، وقال الجَوْهَري: أي: يطلُب ما عنده ليَزيدَه.
(ومِسْطَح) بكسر الميم، وسُكون المهملة الأُولى، وفتح الثانية.
[ ١١ / ٢٠٩ ]
(أُثاثة) بضم الهمزة، وتخفيف المثلَّثة الأُولى.
(وحَمْنة) بفتح المهملة، وإسكان الميم، وبنونٍ: بنْت جَحْشٍ، بفتح الجيم، وسُكون المهملة، ثم معجمةٍ.
(قال الله)؛ أي: فيما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١].
(أَبى) هو ثابِت.
(ووالده)؛ أي: والِد أبيه هو مُنْذِر بن حرام، بالمهملة، عاش كلُّ واحدٍ من الأربعة مائةً وعشرين سنةً، وهذا البيت من قصيدةٍ مشهورةٍ.
(فاشتكيت)؛ أي: مرضتُ.
(يفيضون)؛ أي: يخوضُون.
(يَريبني) بفتح أوله وضمِّه.
(اللُّطْف) بضم اللام، وسُكون المهملة، وبفتحهما: البِرُّ، والرِّفق.
(نَقَهت) بفتح القاف وكسرها.
(أُمّ مِسْطَح) سَلْمَى بنت صَخَر.
(تَعسَ) قال الجَوْهَري: بالفتح، والقاضِي: بالكسر.
(يا هَنْتاهُ) بفتح الهاء، وسُكون النُّون، وفتْحها، والهاء الأَخيرة
[ ١١ / ٢١٠ ]
تُضمُّ وتُسكَّن، أي: يا هذه، وهي مما يختصُّ بالنِّداء.
وقيل: معناها: يا بَلْهاء، كأنها نُسبت إلى قلَّة المعرفة بمكائد النَّاس وشرورهم.
(وضيئة) حسنةٌ جميلةٌ.
(أكْثرن)؛ أي: القَول الرَّديء.
(يَرْقأ) بالقاف، والهمز: ينقَطِع.
(أهلك) بالرفع والنَّصب.
(وقال علي) لم يقُل ما قالَه عداوةً وبُغْضًا، لكنْ لمَّا رأَى انزعاجَ النبيِّ - ﷺ - بهذا الأمر، وتقلقُلَه به أرادَ راحةَ خاطِره، وتَسهيلَ الأَمْر عليه.
(أغْمِصه) بفتح الهمزة، وسُكون المعجمة، وكسر الميم، وبمهملةٍ، أي: أَعيبُه.
(فاستعذر)؛ أي قال: مَن يَعذُرني، مَن يقُوم بعُذْري إنْ كافأْتُه على قُبْح فِعْله.
وقيل: مَعناه: مَن ينصُرني، والعَذِيْر: النَّاصِر.
(سعد أخو بني عبد الأشهل) هو ابن مُعاذ الأَوسِي.
قال (ع): هذا مُشْكلٌ؛ لأنَّه مات عقِب الخندق سنة أربعٍ من الرَّمْية التي أصابتْه، والمُرَيْسِيع سنة ستٍّ، فقيل: ذكْر سعد وهمٌ، والمتكلِّم أولًا وآخِرًا أُسَيد بن حُضَير، كما في "مغازي ابن إسحاق"،
[ ١١ / ٢١١ ]
والجواب: أن المُرَيْسِيع كانت سنة خمسٍ، والخنْدق وقُريظة بعدَها، ذكَرها الواقِدي وغيرُه، وهو أصحُّ.
قال (ك): والإشكال مُندفِعٌ أيضًا على ما روى البخاري عن موسى بن عُقْبة أنَّ غزوة الخندق سنة أربعٍ، وكذا غزوة بني المُصْطَلِق.
(أُمّ حَسّان) اسمها: فُرَيعة، تصغير: فَرعة، بفاءٍ وراءٍ ومهملةٍ.
(من فخذه) فائدتُه مع أنَّه عرَف من بنْت عمِّه أنَّها من عَشيرته بَيان أنَّها ليستْ بنت عمِّه الحقِيقي، بل مِن جُملة أَقاربه؛ لأنَّ فُرَيعة بنت خالد بن خُنيْس، مصغَّر الخنس، بمعجمةٍ، ونونٍ، ومهملةٍ، ابن لَوذَان، بفتح اللام، وبمعجمةٍ، ابن عبْد ودِّ بن زيد بن ثَعلبة الخزْرجي السَّاعدي.
(صالحًا)؛ أي: كامِلًا.
(الحمية) فيه إشارةٌ إلى أنَّ العصَبية تنقُل الرجل عن الصَّلاح، أي: عصَبيته حملتْه على الجهل.
(منافق)؛ أي: تفعلُ أفعالَ المُنافقين، ولم يُرد النِّفاقَ الحقيقيَّ.
(مبرئي) اسم فاعلٍ مِن التَّبرئة.
(ببراءتي) الباء للسَّبَبية، أي: تحوَّلتُ مقدِّرةً أن الله تعالى يُبرِّئني عند الناس بسبَب براءتي في نفْس الأمر، فهو جملةٌ حاليةٌ مقدَّرةٌ، وفي بعضها بلفظ الفاعل مِن الإبْراء، وهي صلته.
(ما رام)؛ أي: ما فارقَ.
[ ١١ / ٢١٢ ]
(البرحاء) بضم الموحَّدة، وفتح الراء، وبمهملةٍ، ومدِّ الشدَّة.
(ليتحدّر)؛ أي: ينصَبُّ.
(الجُمان) بضم الجيم، وخفة الميم: الدُّرُّ، شبَّهتْ قطَرات عرَقه - ﷺ - بحبَّات اللّؤلؤ.
(فَسُرِّي)؛ أي: أُزِيلَ.
(لا أقوم) من باب الإِدْلال والمُعاتَبة؛ لكَونهم شكُّوا في حالها مع علمهم بحُسن طريقتها، وجميل سِيرتها.
(زينب) قد استُشكل بما ذكَره غيرُ واحدٍ من الأخباريِّين أنَّه - ﷺ - تزوَّج زَينَب بنت جَحْش لهلالِ ذي القَعدة سنة خمسٍ، وكانت غزْوة بني المُصْطَلِق قبْلَها في السنَة في شعبان، لكنْ حكَى أَبو عُمر عن أبي عُبيدة: أنَّه تزوَّجها في سنة ثلاثٍ، وعلى هذا القول يصحُّ اجتماعُهما في حديث الإفْك الواقِع في غزوة بني المُصْطَلِق، لكنَّ الصحيح أنه تزوَّجها في ذي القَعدة سنة أربعٍ.
(أحمي)؛ أي: أحفَظُ، فلا أقولُ: سمعتُ في ما لم أَسمَع.
(تساميني)؛ أي: تُضاهيني، وتُناظِرُني بجَمالها ومكانها عند رسول الله - ﷺ -.
(تحارب)؛ أي: تتعصَّب لها، فتَحكي ما يقُولُه أهل الإفْك، وفي بعضها بالزاي.
(الرجل)؛ أي: صَفْوان.
[ ١١ / ٢١٣ ]
(من كَنَف) بفتح الكاف، والنون: الثَّوب الذي يَستُرها، وفي "مسلم": (عن كَنَف)، وهو كنايةٌ عن عدَم الجِماع.
ويُروى: أنَّه كان حَصُورًا، وأنَّ معه مِثْلُ الهُدْبَة.
وبَراءة عائشة - ﵂ - قطعيةٌ بنصِّ القُرآن، مَن تشكَّك فيها كفَر.
وسبق الحديث في (الشهادات) بفَوائد كثيرة.
(قومك)؛ أي: قُريش.
(مُسَلِّمًا) بكسر اللام، كما رواه السَّفَاقُسي، مِن تَسليم الأَمْر بمعنى: السُّكوت، وبفتْحها كما رواه الحمُّوي، مِن السَّلامة في الخَوض فيه.
ورواه النَّسَفي، وابن السَّكَن: (مُسيئًا) (١) ضِدُّ مُحسِنًا، أي: في تَرْك التَّحزُّن لها ونحوِه، وكذا رواه ابن أبي شَيبة.
وهو - ﵁ - مُنزَّهٌ أنْ يقولَ مَقالة أهل الإفْك، فغرَضُها بالإساءَة قولُه: (النِّسَاءُ سِواها كثيرٌ)، وفي بعضها: (فراجَعوه)، أي: الزُّهْري في المسأَلة، فلم يَرجِعْ، أي: فلم يُجبْ بغير ذلك.
وقال مَعْمر: قال الزُّهري: (مسلمًا)، لا شكَّ في هذا اللَّفظ، وزاد أيضًا لفظة: (عليه)، أي: قال: فلم يَرجِع الزُّهريُّ على الوليد، وكأنَّ في النُّسَخ العَتيقة القديمة: (مُسلِّمًا) لا (مُسيئًا)، و(لم يَرجِع
_________________
(١) "مسيئًا" ليس في الأصل.
[ ١١ / ٢١٤ ]
عليه) بزيادة لفظ: (عليه).
(أمُّ رُومان) زينب الفارسيَّة، وقد استُدركَ على سنَد هذا الحديث؛ فإنَّ أُمَّ رُومان ماتتْ سنة ستٍّ من الهجرة، ونزَل - ﷺ - قبرَها (١)، ومَسروقًا قدِم في خِلافة أبي بكرٍ أو عُمر.
قال أَبو عُمر: رواية مَسروق عنها مرسلةٌ، ولعلَّه سمع ذلك من عائشَة.
وقال عبد الغني: قد رُوي الحديث عن مَسْرُوق، عن ابن مَسعود، عن أُمّ رُومان، وهو الصواب.
(بنافض)؛ أي: ذات رِعْدَةٍ.
(حلفت)؛ أي: على بَراءتي.
(قلت)؛ أي: أن تخلُّفي عن الجيْش كان بسبَب العِقْد.
(تقرأ: إذ تَلِقُونَهُ) بفتح المثنَّاة، وكسر اللام، والوَلْق، بفتْح الواو، وسُكون اللام: الكَذِب.
(يُشَبِّب) هو ذكْر الشَّاعرِ ما يتعلَّق بالغَزَل ونحوِه.
(حَصان) بفتح المهملة: العَفِيْفة.
(رَزَان) بفتح الراء، والزاي: صاحِبة الوَقار، رَزيْنةٌ في مجلِسها. (تُزن) مبنيٌّ للمفعول، من الإزْنان، بزايٍ، ونونيَن، وهو الاتِّهام.
_________________
(١) "قبرها" ليس في الأصل.
[ ١١ / ٢١٥ ]
(بريبة) بكسر الراء: التُّهْمة.
(غَرْثى)؛ أي: جائعةً لا تَغتاب الناس، لو كانتْ مُغتابةً لكانت آكلةً من لحم أخيها، فتكون شبعانةً لا جوعانةً.
(لست كذلك) إشارةٌ إلى أنَّ حسَّان اغتابَ عائشةَ حين وقَعتْ قِصَّة الإفْك.
(تولى كبره) قد أُنكر بأنَّ الذي تَولَّى كِبْره هو عبد الله بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُوْل، وإنما كان حسَّان من جُملتهم.
(من العمى)؛ أي: لأنَّه عَمِي في آخِر عمُره.
(ينافح)؛ أي: يَذُبُّ عنه بالشِّعر، ويُخاصم عنه.
* * *