(باب انشقاق القمر)
هو من معجزاته - ﷺ - العِظام الّتي اختصَّ بها على سائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعليهم حيث لم تتجاوَز معجزاتُهم من الأرضيات إلى السماويات.
وأمّا قول بعض الفلاسفة: إن الفلكيات لا تقبَل الخَرْق والالْتِئَام؛ فقولٌ ظاهر البُطلان؛ لأن الكلَّ من خلْق الله تعالى، يفعل فيه ما يشاء،
[ ١٠ / ٤٣٩ ]
كما يُفنيه، ويُكوِّره في آخر أمْرِه.
وقال بعضهم: لو وقَع هذا الأمر الغَريب لاشترَك أهل الأرض في معرفته، ولم يختصَّ به أهل مكَّة.
فأُجيب: بأنَّ الأنشقاق حصَل في اللَّيل، ومعظم النَّاس نيامٌ غافلون، والأبواب مغلقةٌ، والسُّتور حاجبةٌ.
وكيف يُنكر والخسوف الّذي هو معتادٌ مشهورٌ، وكذا الشُّهُب العِظام وغير ذلك ممّا يحدُث في اللَّيل، ولا يتحدَّث بها إلا آحادُ النَّاس.
وأيضًا قد يكون القمر في بعض المنازِل الّتي تظهر لبعض أهل الآفاق دون بعضٍ، كما يكون ظاهرًا لقومٍ، غائبًا عن آخرين، كما يَجِد الكسوفَ أهلُ بلدٍ دون أهل بلدٍ.
* * *
٣٨٦٨ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُرِيَهُم آيَةً، فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ، حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا.
الحديث الأوّل:
(شِقتين) بسكر الشين، أي: نِصفَين.
(حِرَاء) بكسر المهملة، والمدِّ: جبَلٌ على يسار الذاهب
[ ١٠ / ٤٤٠ ]
من مكّة إلى مِنَى.
* * *
٣٨٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - ﵁ -، قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِنًى، فَقَالَ: "اشْهَدُوا"، وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ نَحْوَ الْجَبَلِ.
وَقَالَ أَبُو الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: انْشَقَّ بِمَكَّةَ.
وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِم، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ.
الثّاني:
(فرقة)؛ أي: قطعةٌ في ناحية جبَل حِرَاء، وبقيتْ قطعةٌ في مكانه، والمشهور أنهما الْتَأَمَا في الحال، لا بعد الغُروب، ولا ينافي هذا قوله: (رأَوا حِرَاء بينهما)؛ لأنه إذا نزلَتْ قطعةٌ تحت حِرَاء وبقيت قطعةٌ منه فوقه فهو بينهما، وكذا إذا ذهبت الفرقة من يمين حِرَاء أو شِماله، أو أن الانشِقاق كان مرَّتين، كما أشار في "الكشاف" إلى أنَّه رُوي.
(وقال أبو الضحى) وصلَه أبو داود الطَّيَالِسي في "مسنده"، وابن مَنْدَه في "المعرفة".
[ ١٠ / ٤٤١ ]
(بمكة): لا يُنافي رواية: (بمنَى)، خلافًا لما قالَه الدَّاوُدي؛ لأنه لم يقُل: (ونحن بمكة)، فالمراد بذلك الإخبار عمن رآه بمكة، لا أنَّ ذلك كان بمكة.
(وتابعه محمّد بن مسلم) وصلَه البيهقي في "الدلائل".
* * *
٣٨٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أَنَّ الْقَمَرَ انشَقَّ عَلَى زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﵁ -.
٣٨٧١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ.
الثّالث:
(ابن عبّاس) هو مرسَلُ صحابيٌّ؛ لأنه كان حينئذٍ طِفْلًا ابن سنتَين أو ثلاث.
وكذلك في الحديث الأوَّل أنَس لم يكُن في ذلك الوقت بمكة.
* * *
[ ١٠ / ٤٤٢ ]