ذَكَرَهُ أَنسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
[ ١١ / ٢٩٣ ]
(باب عُمْرَة القَضاء)
هو اشتِقاقٌ مما كتَبوه في الصُّلْح يوم الحُديبية: (هذا ما قاضَى عليه)، لا مِن القَضاء الاصطِلاحي؛ إذ لم تكُن هذه العُمْرَة قَضاءً للعُمْرة التي تحلَّلوا منها يوم الصُّلْح.
وسبب ذِكْر هذا الباب في (كتاب المَغازي) الخُصومة التي جرَتْ بينهم وبين الكُفَّار في سنَة التحلُّل، والسنَة القابِلَة وإنْ لم تكُن بالمُسايفَة؛ إذ لا يَلزم من إطْلاق الغَزْو وُقوع المُقاتَلة بالسُّيوف، ولهذا في بعضها: (باب: غزْوة القَضاء).
(ذكره أنس) موصولٌ في (الحج).
* * *
٤٢٥١ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ - ﵁ -، قَالَ: لَمَّا اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي ذِي القَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَتَبُوا الكِتَابَ، كَتَبُوا: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، قَالُوا: لَا نُقِرُّ بِهَذَا، لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا مَنَعْنَاكَ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. فَقَالَ: "أَنَا رَسُولُ اللهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ". ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ: "امْحُ رَسُولَ اللهِ". قَالَ عَلِيٌّ: لَا وَاللهِ لَا أَمْحُوكَ أَبَدًا، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الكِتَابَ، وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكتُبُ، فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، لَا يُدْخِلُ مَكَّةَ
[ ١١ / ٢٩٤ ]
السِّلَاحَ، إِلَّا السَّيْفَ في القِرَابِ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ، إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ، وَأَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا، إِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا، فَلَمَّا دَخَلَهَا، وَمَضَى الأَجَلُ أَتَوْا عَلِيًّا، فَقَالُوا: قُلْ لِصَاحِبِكَ: اخْرُجْ عَنَّا، فَقَدْ مَضَى الأَجَلُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَتَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ تُنَادِي: يَا عَمِّ! يَا عَمِّ! فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ، فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ ﵍: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ، حَمَلَتْهَا، فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ. قَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَخَذْتُهَا وَهْيَ بِنْتُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي، وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي. فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ - ﷺ - لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: "الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ". وَقَالَ لِعَلِيِّ: "أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ". وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: "أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي". وَقَالَ لِزَيْدٍ: "أَنْتَ أَخُوناَ وَمَوْلَاناَ". وَقَالَ عَلِيٌّ: أَلَا تتزَوَّجُ بِنْتَ حَمْزَةَ؟ قَالَ: "إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ".
(قاضاهم)؛ أي: صالحَهم على أنْ يُقيم بها في السَّنَة المستقبَلة ثلاثةَ أيامٍ، وعليه تُحمل الرواية الأُخرى: (أنْ يُقم بها ما أحبُّوا)؛ لأنَّ محبَّتهم كانت ثلاثةَ أيامٍ.
(لا أمحوك)؛ أي: لا أَمحُو اسمَكَ، وإنما لم يمتَثِلْ عليٌّ الأمرَ؛ لأنَّه عرَف بالقَرائن أنه لغير الإيجاب.
(فكتب) إنما كان كذلك مع أنَّه النبيُّ الأُميُّ - ﷺ -؛ لأنَّ الأُميَّ مَن لا يُحْسِن الكِتَابة لا مَن لا يَكتُب، أو الإسناد مجازيٌّ؛ لأنَّه أمَرَ بها، أو كتَب خارِقًا للعادة على سَبيل المُعجزة.
[ ١١ / ٢٩٥ ]
(القراب) هو الوِعاء الذي يُغمَد فيه السَّيف.
(فلما دخلوا)؛ أي: من العام المقبِل.
(ومضى الأجل)؛ أي: الثلاثةُ أيامٍ.
(دونك)؛ أي: خُذي، وهي كلمةٌ تُستعمل في الإغْراء بالشَّيء.
(بنت أخي)؛ أي: لأنَّ النبيَّ - ﷺ - كان آخَى بين زيدٍ وحمزة.
(إنها بنت أخي من الرضاعة)؛ أي: لأنَّ ثُوْيبَة أرضعتْه - ﷺ -، وحمزةَ.
ومرَّ في (الصُّلْح).
فإن قيل: كيف أخذوها وفيه مخالفةٌ لكتاب العهد؟
قيل: لعلَّهم أرادوا أخْذ المكلَّفين، أو الذُّكور.
* * *
٤٢٥٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا سُرَيْجٌ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ (ح).
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ، وَقَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يَعْتَمِرَ العَامَ المُقْبِلَ، وَلَا يَحْمِلَ سلَاحًا عَلَيْهِمْ إِلَّا سُيُوفًا، وَلَا يُقِيمَ بِهَا إِلَّا مَا أَحَبُّوا، فَاعْتَمَرَ مِنَ العَامِ
[ ١١ / ٢٩٦ ]
المُقْبِلِ، فَدَخَلَهَا كَمَا كَانَ صَالَحَهُمْ، فَلَمَّا أَنْ أَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا، أَمَرُوهُ أَنْ يَخْرُجَ، فَخَرَجَ.
الثاني:
كالذي قبلَه.
* * *
٤٢٥٣ - حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ المَسْجدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - ﵄ - جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ قَالَ: كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ -؟ قَالَ: أَرْبَعًا.
٤٢٥٤ - ثُمَّ سَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ، قَالَ عُرْوَةُ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ! أَلَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ؟ فَقَالَتْ: مَا اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - عُمْرَةً إِلَّا وَهْوَ شَاهِدُهُ، وَمَا اعْتَمَرَ في رَجَبٍ قَطُّ.
الثالث:
(استنان)؛ أي: استِيَاك.
(ألا تسمعين) في بعضها: (ألم تَسمَعين)، وهو على لُغة مَن لا يُوجِب الجزْم بأدوات الجزم.
* * *
[ ١١ / ٢٩٧ ]
٤٢٥٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، سَمِعَ ابْنَ أَبِي أَوْفَى، يَقُولُ: لَمَّا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَتَرْناَهُ مِنْ غِلْمَانِ المُشْرِكِينَ وَمِنْهُمْ، أَنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -.
الرابع:
واضحُ المعنى.
* * *
٤٢٥٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَفْدٌ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الإبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.
وَزَادَ ابْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِعَامِهِ الَّذِي اسْتَأْمَنَ، قَالَ: ارْمُلُوا؛ لِيَرَى المُشْرِكُونَ قُوَّتَهُمْ، وَالمُشْرِكُونَ مِنْ قِبَلِ قُعَيْقِعَانَ.
٤٢٥٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: إِنَّمَا سَعَى النَّبِي - ﷺ - بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؛ لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ.
[ ١١ / ٢٩٨ ]
الخامس:
(وفد) جمع: وافِدٍ، في بعضها بالقاف والواو للعطْف، و(قد) للتَّقريب.
(وهنتهم)؛ أي: أضعفتْهم، يُقال: وهَّنَهُ وأوهَنَهُ، لغتان.
(يرملوا) هو الهَرْوَلَة، أي: الإِسْراع في المشْي مع تقارُب الخُطَا.
(الثلاثة)؛ أي: الأول مِن الأَطْوِفة السَّبْعة.
(الإبقاء)؛ أي: الرِّفْق، يُقال: أبقَيتُ على فُلانٍ: إذا رحمتَه.
(وزاد ابن سَلَمة) بفتح اللام، وصلَه الإِسْماعيلي، والطَّبَراني.
(استأمن)؛ أي: دخَل في الأَمان.
(قُعَيْقِعَان) بضم القاف الأُولى، وكسر الثانية، وفتح المهملتين، وسُكون الياء: جبَلٌ بمكة معروفٌ، مقابِلٌ لأبي قُبَيْس.
* * *
٤٢٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَيْمُونَةَ وَهْوَ مُحْرِمٌ، وَبَنَى بِهَا وَهْوَ حَلَالٌ، وَمَاتَتْ بِسَرِفَ.
٤٢٥٩ - وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، وَأَبَانُ بْنُ صَالحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ - ﷺ -
[ ١١ / ٢٩٩ ]
مَيْمُونَةَ في عُمْرَةِ القَضَاءِ.
السادس:
(وهو مُحْرم) قال ابن المُسيَّب: وهِمَ فيه، ما تزوَّجَها إلا وهو حلالٌ، أي: لرواية يَزيد بن الأَصَمِّ، وأبي رافِع، وغيرهما، وقد رواه الدَّارَقُطْني عن ابن عبَّاسِ أيضًا.
(بسَرِف) بفتح المهملة، وكسر الراء: مَوضعٌ بين الحرَمين.
(وزاد ابن إسحاق) وصلَه ابن خُزيمة، وابن حِبَّان.
* * *