(باب وُفُود الأنْصار، وبَيعة العقَبة)
أي: التي تُنسَب إليها جَمْرة العقَبة، وهي بمنَى، كان النبي - ﷺ - يعْرِض نفسَه على القبائل في كلِّ مَوسِمٍ، فبينما هو عند العقَبة إذ لقِيَ رَهْطًا من الخَزْرج، فدعاهم إلى الله تعالى، فأجابوه، فجاء في العام المقبِل اثنا عشَر رجلًا إلى الموسِم من الأنصار، أحدُهم عُبادة بن
[ ١٠ / ٤٦١ ]
الصَّامِت، فاجتمعوا برسول الله - ﷺ - في العقَبة، وبايَعوه، وهي بيعة العقَبة الأُولى، فخرج في العام الآخَر سبعون إلى الحج، فواعدَهم - ﷺ - العقَبةَ، فلمَّا اجتمعوا، أَخرجوا من كل فرقةٍ نَقيبًا، فبايعوه ليلًا هناك، وهي البيعة الثانية.
* * *
٣٨٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ - وَكَانَ قَائِدَ كعْبٍ حِينَ عَمِيَ- قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، بِطُولِهِ، قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ فِي حَدِيثهِ: وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيّ - ﷺ - لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا.
الحديث الأول:
(ولقد شهدت)؛ أي: قال كعْب: حضَرتُ العقبة الثانية.
(بها)؛ أي: بدَلَها، وتُسمى باء البدليَّة، كقوله:
فلَيْتَ لي بهِمُ قَومًا إِذَا رَكِبُوا
[ ١٠ / ٤٦٢ ]
وإنما قال ذلك؛ لأنها أول عقدٍ أُجيب فيه النبيُّ - ﷺ - إلى الخُروج والنُّصرة.
(وما أحب)؛ أي: لأنَّ هذه البيعة كانت في أول الإسلام، ومنها فشَا الإسلامُ، وتأكَّد أساسه.
(أَذْكَر) أفْعَل تفضيلٍ، أي: أشهر.
* * *
٣٨٩٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: كَانَ عَمْرٌو يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - يَقُولُ: شَهِدَ بِي خَالَايَ الْعَقَبَةَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أَحَدُهُمَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ.
الثاني:
(أحدهما البراء) قال الدِّمْيَاطِي: هذا وهمٌ من سفيان؛ لأن أُمَّ جابر، أُنيَسة بنت عُتبة بن عَدِيِّ بن سِنَان، وأخوها خالاه ثَعْلَبة وعمْرو ابنا عُتْبة، وقد شهدا هُما وجابر بن عبد الله وأبوه العَقَبة مع السبعين، فثعلبة لمَّا أسلَم كان يكسِر أصنام بني سَلِمة هو ومعاذٌ وعبد الله بن أُنيَس، وشهد بدرًا، وأحُدًا، والخندق، وقُتل يومئذٍ شهيدًا، قتله هُبيرة ابن أبي وَهْب المَخزُومي.
وأما عمرو فشَهِدَ أُحُدًا، وكان أحد البكَّائين المذكورين في القُرآن، وتُوفي وليس له عَقِبٌ.
وقال (ك): البراء ليس خالًا لجابر، إذ نُسَيبة -بضم النون- بنت
[ ١٠ / ٤٦٣ ]
عُقبة، بضم المهملة، وسُكون القاف، قال: فيحتمل أنه أَطلَق الخال عليه باعتبار أنَّ عُقبة أيضًا غُنْمي، يعني: سُلَميٌّ خزْرَجيٌّ، أو هو خالٌ رضاعيٌّ، أو هو من جهة الأُم فقط.
* * *
٣٨٩١ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: أَنَا وَأَبِي وَخَالِي مِنْ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ.
الثالث:
(خالاي) في بعضها: (خالِيْ) بالإفراد، وفي بعضها: (خالَيَّ) بالتشديد، أي: مع خاليَّ.
قال السَّفَاقُسي: بواوِ مَعَ، مثل: استوى الماءُ والخشَبةَ.
* * *
٣٨٩٢ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللهِ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ مِنَ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَمِنْ أَصْحَابِهِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، أَخبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: "تَعَالَوْا بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ، وَلَا تأْتُونَ بِبُهْتَانٍ
[ ١٠ / ٤٦٤ ]
تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهْوَ لَهُ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ"، قَالَ: فَبَايَعْتُهُ عَلَى ذَلِكَ.
الرابع:
سبق شرحه أول (كتاب الإيمان).
* * *
٣٨٩٣ - حَدَّثَنَا قتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ -، أنَّهُ قَالَ: إِنِّي مِنَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -. وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ، وَلَا نَنْتَهِبَ، وَلَا نَعْصِيَ بِالْجَنَّةِ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللهِ.
الخامس:
(ولا نعصي)؛ أي: في معروفٍ.
(بالجنة) متعلِّقٌ بقوله: (بايعْناه)، وفي بعضها: (فالجنَّة) بالفاء، كذا عندَ أبي ذَرٍّ، وهو ظاهرٌ؛ لأنَّ مَن لا يعصي له الجنَّة، ورُوي: (يقضي بالجنَّة) بالقاف، وبالموحَّدة: من القَضاء؛ لأنَّ الأمر موكولٌ
[ ١٠ / ٤٦٥ ]
إلى الله، لا حُكمَ لنا فيه.
(فإن غشينا) رُوي بالتكلُّم والغَيبة، ففي: (شيءٌ) النصب والرفع.
(قضاء)؛ أي: الحُكم، أي: إنْ شاء الله عاقَب، وإن شاء عفَا.
* * *