(باب قَول النبيِّ - ﷺ -: "أَمْضِ لأَصحابي هِجْرتَهم"، ومَرثيته لمَن ماتَ بمكَّة)
(مرثيته)، بتخفيف الياء: معطوفٌ على: (قَول)، يُقال: رثَا للميِّت: رَقَّ له، ورثَيتُه: بكَيتُ عليه، وعدَدْتُ مَحاسنَه.
٣٩٣٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، عَن أَبيِهِ، قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ مَرَضٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: "لَا"، قَالَ: فَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟
[ ١٠ / ٥١٦ ]
قَالَ: "الثُّلُثُ يَا سَعْدُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ ذُرِّيَّتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ". قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: "أَنْ تَذَرَ ذُرِّيَّتَكَ، وَلَسْتَ بِنَافِقٍ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا آجَرَكَ اللهُ بِهَا، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ". قُلْتَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي، قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ"، يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ تُوُفِي بِمَكَّةَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَمُوسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: "أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ".
(أشفيت)؛ أي: أشرفْتُ من الوَجَع.
(إلا ابنه)؛ أي: حين ذلك، وإلا فقد تجدَّد له أولاد ذُكور بعد ذلكَ وغيرهم، فلا حاجةَ لتأْويله بأنَّه لا يَرثُه من النِّساء، أو لا يرثُه بالفَرْض، أو غير ذلك.
(أن تذر) بفتح (أنْ)، وفي بعضها بكسرها، فالجواب: (خيرٌ)، أي: فهو خيرٌ.
(ورثتك) كذا للجمهور، وعند القَابِسِيِّ: (ذُرِّيتَك)، والأول أصوب.
[ ١٠ / ٥١٧ ]
(عالة) جمع عائِل: وهو الفقير.
(يتكففون)؛ أي: يبسُطون أكفَّهم للناس للسُّؤال.
(بنافق) بمعنى: مُنْفِق، كما هو في بعضها، وهو واضحٌ.
(أجرك) بقصر الهمزة.
(حتى اللقمة) بالنَّصب، عطْفًا على (نفَقة).
(أخلف)؛ أي: في مكَّة، أي: بعد أَصحابي، أو في الدُّنيا، فأَجابه بأنَّه لم يخلَّف بمكة ولا بغيرها حتى ينتفِع به أقوامٌ، ويستضِرَّ به آخَرون؛ وكذا وقَع، وبقي بعد ذلك نيِّفًا وأربعين سنةً، وولي العِراق، وفتَحَها الله تعالى على يدَيه، فأسلَم على يدَيه خلْقٌ كثيرٌ، فانتفعوا، وأَسَر من الكفَّار، وقتل، فاستضَرُّوا، فهو من أعلام نبوته - ﷺ -.
(أمض) من الإمضاء، أي: أَنفِذْها، وتمِّمْها لهم، ولا تُنقِصْها عليهم.
(البائس): شديدُ الحاجَة الفَقير.
(سعد بن خولة) بفتح المعجمة، وسُكون الواو، وباللام: بَدْريٌّ من بني عامِر بن لُؤَي، من أنفُسهم، وقيل: حَلِيْفٌ لهم، وهو زَوج سَبِيْعة الأَسلَميَّة، وقد اختُلف فيه، فقيل: لم يُهاجر من مكة حتى مات بها، فيكون قولُ النبي - ﷺ - ذلك على وجْه الذَّمِّ له، وقال الأكثر: هاجَر، ورجَع إلى مكة، ومات بها في حَجَّة الوَداع، فيكون ذلك من النبي - ﷺ - تفجُّعًا عليه، وترحُّمًا.
[ ١٠ / ٥١٨ ]
(يرثي له) هو من كلام سَعْد، أو من كلام الزُّهْري، وعليه الأكثر.
(إن توفي) مَنْ فَتَحَ (أنْ) قال: أَقامَ بها، ومَن كسر (إن) قال: لم يُقِم.
(وقال أحمد بن يونس) موصولٌ في (حجة الوداع).
(وموسى) في (الدعوات).
(ورثتك)؛ أي: بدَل قوله في الرِّواية الأُولى: (ذُرِّيتَك)، ويحتمل أنَّ الطريق الأَولى بفتْح (أنْ)، وهذه بكسرها، أو بالعكس.
ومرَّ الحديث في (الجنائز).
* * *