٧٠ - سألتَ عن قولِ اللهِ جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ (١)؟ .
° قلتَ: وهو في التوراةِ وفي جميعِ الكتب المُتَقَدِّمَةِ ورِوَاياتِ النُسَّابِ "تارِيخ" (٢) وعن قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٣) وعن قَوْلِهِ حِكايةً عَنْ قَوْمِ مَرْيَمَ لها: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (٤)؟ .
° قلت: ولم يكنْ لهم أَخٌ يُقالُ لَهُ هارونُ، وذَكَرْتَ أن أهلَ الكتابِ يَتَعَلَّقُونَ بِهِ على المسلمينَ، ويَطْعَنونَ بهِ على القُرْآنِ.
• ونحن نقولُ في أبي إبراهيمَ: إن اسمه كما ذكروا في التَّوْراةِ "تارِخ"، ولا نَعْلَمُ كيف اسمُهُ في غَيرِها من الكُتُب، ولا يَبْعُدُ أيضًا أن يكونَ اسمُهُ "آزَرُ"، لأنَّ الرجلَ قد يكونُ لَهُ الاسْمان، ويكونُ له الكُنْيَتان، ويكونُ له الاسمُ، والوصفُ، فَيُدْعَى بالوصفِ إذا غلبَ عليه، ويُتْرَكُ الاسمُ. فهذا إدريسُ اسمُهُ في التوراةِ
_________________
(١) سورة الأنعام الآية ٧٤.
(٢) انظر تاريخ الطبري ١/ ٢٠٥ و٢١١ و٢٣٣ و٢٩٢، وتاريخ اليعقوبي ١/ ٢٣ والمعارف لابن قتيبة ٣٠.
(٣) سورة التوبة الآية ٣٠.
(٤) سورة مريم الآية ٢٨.
[ ٢٠٢ ]
خَنُوخُ (١)، ويعقوبُ اسمُهُ إسرائيلُ (٢)، وعيسى يُدْعَى المَسيحَ (٣)، وقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: "لي خمسةُ أسماءٍ أنا مُحَمَّدٌ وأحمَدُ والماحي والعاقِب والحاشِرُ" (٤) وقال اللهُ ﷿ حكايةً عن المسيحِ: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٥). وقال جلَّ وعزَّ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ (٦).
وقد تكونُ للرجلِ الكُنْيَتانِ كما كان له اسمانِ. فحمزةُ بن عبد المطلبِ يُكْنَى أبا يَعْلَى وأبا عُمارَةَ (٧)، وعبدُ العُزَّى بن عبد المطلب يُكْنَى أبا لَهَبٍ وأبا عُتْبَةَ (٨)، وصَخْر بن حَرْبٍ أبو معاوِيَةَ يُكْنَى أبا سفيانَ وأبا حَنْظَلَةَ (٩)، وعثمان بن
_________________
(١) انظر الطبري ١/ ١٦٤ و١٧٠ - ١٧٣، والمعارف ص ٢٠ - ٢١.
(٢) انظر الطبري ١/ ٢٤٨ و٢٤٩، وتاريخ اليعقوبي ١/ ٢٩ والمعارف ص ٣٩.
(٣) انظر الطبري ١/ ٦٠١، وتاريخ اليعقوبي ١/ ٦٨، والمعارف ص ٣ و٥٤ و٥٧ و٥٨.
(٤) أخرجه البخاري ٦/ ٤٠٤ في الأنبياء، باب ما جاء في أسماء النبي - ﷺ -، وفي تفسير سورة الصف، ومسلم رقم ٢٣٥٤ في الفضائل، باب في أسمائه - ﷺ -، والموطأ ٢/ ١٠٠٤ في أسماء النبي - ﷺ -، والترمذي رقم ٢٨٤٢ في الأدب، باب ما جاء في أسماء النبي - ﷺ -.
(٥) سورة الصف الآية ٦.
(٦) سورة الفتح الآية ٢٩.
(٧) هو أبو عمارة، حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، من قريش: عمّ النبي - ﷺ - وأحد صناديد قريش وسادتهم في الجاهلية والإسلام. هاجر مع النبي - ﷺ - إلى المدينة، وحضر وقعة بدر وغيرها. ولما كان يوم بدر قاتل بسيفين، وفعل الأفاعيل. قتل يوم أحد سنة ٣ هـ. الأعلام ٢/ ٢٧٨.
(٨) هو عبد العزّى بن عبد المطلب بن هاشم، من قريش: عم رسول الله - ﷺ - وأحد الأشراف الشجعان في الجاهلية، ومن أشد الناس عداوة للمسلمين في الإسلام. مات بعد وقعة بدر بأيام ولم يشهدها سنة ٢ هـ. تاريخ الإسلام للذهبي ١/ ٨٤ و١٦٩، والأعلام ٤/ ١٢.
(٩) هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف: صحابي، من سادات قريش في الجاهلية. وهو والد معاوية رأس الدولة الأموية. قاد قريشًا وكنانة يوم أحد لقتال رسول الله - ﷺ -. أسلم يوم فتح مكة (سنة ٨ هـ). توفي بالمدينة سنة ٣١ هـ. الإصابة (ترجمة رقم) ٤٠٤١.
[ ٢٠٣ ]
عَفَّانَ يُكْنَى أبا عبد اللهِ وأبا عمرٍو وأبا لَيلَى (١). وعبدُ اللهِ بن الزبيرِ يُكْنَى أبا بَكْرٍ وأبا خُبَيبٍ (٢). وهذا كثير في العرب. فما يُنْكَرُ مِنْ أنْ يكونَ لأبي إبراهيمَ اسمانِ بأيِّهما دعوتَهُ كنتَ صادِقًا، أو اسمٌ وصفةٌ فتَدْعوهُ، بالصفةِ تارةً، وبالاسمِ تارةً كما قلتَ في عيسى والمسيح، وخنوخَ وإدريسَ.
وقد كان بعض القُرَّاء (٣) يَقْرَأ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ (٤) يرفع آزرَ على نيّةِ النِّداءِ كأنَّهُ: يا آزَرُ ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ (٥) وعلى هذه القراءةِ يجوزُ أن يكونَ دَعاهُ لصفةٍ كأنّهُ قال: يا ضعيفُ، أو يا جاهلُ إن كان ذَمَّهُ، أو ما أشبه هذا، أو قال: يا مؤازري، ويا مصاحبي إن لم يكن ذمَّهُ، ويا شيخي، وما أشبهه (٦).
• وأمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٧) فإن بُخْذَنُصَّرَ (٨) لما أخْرَبَ بيتَ المَقْدِسِ ونَفَى بني إسرائيلَ وسَبَى ذَراريهِمْ حَرَّقَ التوراةَ حتى لم يُبقِ به
_________________
(١) هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، من قريش: أمير المؤمنين، ذو النورين، ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين. من كبار الرجال الذين اعتز بهم الإسلام في عهد ظهوره. ولد بمكة. قُتل صبيحة عيد الأضحى سنة ٣٥ هـ. شرح نهج البلاغة ٢/ ٦١، والأعلام ٤/ ٢١٠.
(٢) هو أبو بكر القرشي الأسدي، عبد الله بن الزبير بن العوام: فارس قريش في زمنه، وأول مولود في المدينة بعد الهجرة. شهد فتح إفريقية زمن عثمان، وبويع له بالخلافة سنة ٦٤ هـ. وهو أول من ضرب الدراهم المستديرة. قتل سنة ٧٣ هـ. السير ٣/ ٣٦٣.
(٣) قراءة أبيّ ويعقوب. وانظر القرطبي ٧/ ٢٢/ ٣٣ (قراءة أبي ويعقوب )، والعكبري ١/ ٥١٠، والنشر ٢/ ٨٥٨ ومشكل إعراب القرآن ١/ ٢٧٣، والبيان في غريب إعراب القرآن ١/ ٣٢٧.
(٤) سورة الأنعام الآية ٧٤.
(٥) سورة الأنعام الآية ٧٤.
(٦) القرطبي ٧/ ٢٢.
(٧) سورة التوبة الآية ٣٠.
(٨) بخذنصر تاريخ الطبري ١/ ٥٣٨ وما بعد، والمعارف ص ٤٩.
[ ٢٠٤ ]
رَسْمًا، وكان في أُساراهُ دانيالُ وعزيرٌ. فأمَّا دانيالُ فَعَبَرَ لَهُ رُؤْياهُ ونَزلَ مَعَهُ بأَحْسَنِ مَنْزِلٍ (١)، وأمَّا عزير فإنّه أقام لهم التوراةَ بِعَينِها حينَ عادَ إلى الشَام يَعْرِفُونَها، فقالتْ طائِفَةٌ من اليهودِ: هوَ ابنُ الله، ولم يقل ذلك كُلُّ اليهودَ (٢). وهذا خصوصٌ خَرَجَ مَخْرَجَ العُموم كما قال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (٣) ولم يَقُلْ ذلكَ كُلُّ النّاسِ لكلّ النَّاسِ (٤). وقد انقرضَ هؤلاءِ اليهودُ الذينَ قالوا: ﴿عُزَيرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، فلم يَبْقَ منهمْ أحَدٌ.
• وأما قَوْلُهُ في مَرْيمَ: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ (٥)، فلم يُرِدْ أنَّها أُخْتُهُ في النَّسَب، وإِنّما أرادَ "يا شِبْهَ هارونَ، يا مِثْلَ هارونَ في الصَّلاحِ" وكان في بني إسرائيَلَ رجلٌ صالحٌ يُسَمَّى هارونَ. وقد يقولُ الرجُلُ للرَّجُلِ يا أخي لا يُريدُ بِهِ أُخُوَّة النَّسَب، وإنّما يُريدُ بِهِ الصداقةَ (٦)، أو أُخُوَّةَ الدين، قال اللهُ ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٧). وتقول أيضًا: هذا الشَّيءُ أخو هذا إذا كان له مُشاكِلًا، ومُشْبِهًا (٨) قال الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ (٩) يريد من الآيَةِ التي تُشْبِهُهَا.
_________________
(١) دانيال الموسوعة العربية المسيرة ٧٧٩، والمعارف ص ٤٩.
(٢) عزير القرطبي ٨/ ١١٧، والمعارف ص ٥٠.
(٣) سورة آل عمران الآية ١٧٣.
(٤) القرطبي ٨/ ١١٧.
(٥) سورة مريم الآية ٢٨.
(٦) في الأصل: الصدقة. وهو وهم من الناسخ. وفي اللسان (أخا): "الأخ من النسب معروف وقد يكون الصديق والصاحب ويقال للأصدقاء وغير الأصدقاء أخوة وإخوان".
(٧) سورة الحجرات الآية ١٠.
(٨) انظر اللسان (أخا).
(٩) سورة الزخرف الآية ٤٨ وانظر القرطبي ١٦/ ٩٧.
[ ٢٠٥ ]