٧٤ - سألتَ هل يجوز أن تَسْتَثْنِيَ أكثرَ الشَّيءِ منهُ؟ فتقول: بِعْت الدارَ إلا ثلاثةَ أرباعِها، وبِعْت الثمرةَ إلا تَسْعَةَ أعشارِها، وصُمْت الشَّهْرَ إلا تسعةً وعشرينَ يومًا؟ .
• والذي عندي أنّ هذا لا يجوزُ في اللغةِ؛ لأنّ تأسيسَ الاستثناءِ على تدارُكِ قليلٍ من كثيرٍ كأنّك أغْفَلْتَهُ وأنْسِيتَهُ لِقِلَّتِه، ثم تَدارَكْتَهُ بالاستثناءِ؛ لأن الشَّيءَ قد ينقصُ نقْصانًا يسيرًا، فلا يزولُ عنه اسمُ الشَّيءِ بنقصانِ القليل، فإذا نقصَ عنه أكْثَرُهُ زالَ عنه اسمُ الشَّيءِ ألا ترى أنّك لو حذفتَ من دِرْهَمٍ دانقًا، أو دانقينِ جاز أن تقولَ معي دِرْهَمٌ، ومعي دِرْهَمٌ ناقِصٌ، فَتُسَمِّيهِ مع النقصانِ دِرْهَمًا، ولو حذفتَ منة ثُلُثَيه، أو ثلاثةَ أرباعِهِ لم تقلُ معي دِرْهَمٍ، ولا معي دِرْهَمٍ ناقِصٌ. وإِنّما يجوز أن تَقولَ: معي كَسْرٌ (١) من دِرْهَمٍ، ومعي قِطْعَة مِنْ دِرْهَمٍ.
فإذا قال القائل: أعْطَيتُ فلانًا دِرْهمًا إلا أربعةَ دوانيقَ (٢) أحالَ لأنَّ الذي أعطاه دانقان، ولا يجوزُ أن يُسَمِّيَ ذلك دِرْهمًا. وكذلك القائلُ صمتُ الشهرَ إلا تسعًا وعشرين يومًا أحالَ لأنّهُ صام يومًا، واليومُ لا يُسَمَّى شَهْرًا. ومما يزيدُ في وضوحِ هذا أنّهُ لا يَجوزُ لك أن تَقولَ: صُمْتُ الشهرَ كُلَّهُ إلا يومًا واحدًا، فَتُؤكِّدُ
_________________
(١) الكَسْر والكِسْر، والفتح أعلى: الجزء من العضو. والكَسْر: أخسُّ القليل. قال ابن سيده، أراه من هذا كأنه كِسْر من الكثير. اللسان (كسر).
(٢) دوانيق: الدَانِق بفتح النون وكسرها سدس الدِّينار والدرهم والجمع دوانق ودوانيق. اللسان (دنق).
[ ٢٢٠ ]
الشَّهْرَ، وتستقصي عددَهُ بكُلِّ. ولا يجوزُ أنْ تقولَ: صمتُ الشهرَ كُلَّهُ إلا تسعةً وعشرين يومًا. وتقول: لقيت القومَ جميعًا إلا واحدًا أوْ اثنين، ولا يجوزُ أن تقولَ لقيت القومَ جميعًا إلا أكْثَرَهُمْ. والقليلُ الذي يجوزُ أن يُسْتَثْنَى من الشَّيْءِ الثُلُثُ وما دونَهُ (١) وإلى هذا يذهب مالِكٌ (٢) في الثُّنْيَا (٣) والجَوائِحِ (٤) قال الشاعرُ (٥):
عَدَاني أن أزورَكَ أنَّ بَهْمي عَجايَا كلُّها إلا قليلًا (٦)
_________________
(١) انظر شرح الكافية ٢/ ٢٤٠، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٨.
(٢) هو أبو عبد الله، مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري: إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه ينسب المالكية. مولده ووفاته في المدينة سنة ١٧٩ هـ.
(٣) الثنيا: ما استثنيته، والثنيا المنهي عنها في البيع أن يستثنى فيه شيء مجهول، فيفسد البيع وذلك إذا باع جزورًا بثمن معلوم، واستثنى رأسه وأطرافه فإن البيع فاسد. وفي الحديث: نهى عن الثنيا إلا أن تعلم. وتكون الثنيا في المزارعة أن يستثنى بعد النصف أو الثلث كيل معلوم اللسان (ثني)، وانظر غريب الحديث لابن قتيبة ١/ ١٩٦.
(٤) الجوائح: جمع جائحة، وهي آفة سماوية تذهب الثمر بعضها بغير جناية آدمي. وقال مالك: يوضع في الثلث فصاعدًا أي إذا كانت الجائحة في دون الثلث فهو من مال المشتري، وإن كان أكثر فمن مال البائع. اللسان (جوم).
(٥) البيت بلا نسبة في كتب اللغة، وانظر الحاشية التالية.
(٦) البيت في اللسان (بهم وعجا). وهو أيضًا في كتاب الجيم ٢/ ٣١٢ ومقاييس اللغة ٤/ ٢٤٣، والمجمل ٣/ ٦٥٠. البَهمْ: صغار المعز والضأن. العُجَايا: جمع عجيّ وعجيّة. والعجي: الفصيل تموت أمه فيرضعه صاحبه بلبن غيرها ويقوم عليه. اللسان (بهم) و(عجا).
[ ٢٢١ ]