٣٠ - سألني سائلٌ عن العَقْلِ وسَبَبِه، وقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ أن أَجْنِيَ وَأَنا مُوسِرٌ لما يَلْزَمُنِي بتلكَ الجِنايَةِ ولأكثرَ منه أضعافًا (١) فلا أَلْزَمُهُ أنا، ولا وارثي، ويَلْزمُهُ الضعيفُ من عَصَبَتي، وعَشيرتي، والله يَقولُ: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢)؟ .
* وتَوَهّمَ أنَّ العَقْلَ داخلٌ في حُكْمِ هذه الآيةِ. ولَيْس العَقْلُ داخلًا في حُكْمِ هذه الآيةِ لأنَّ تأويلَ قَوْلِهِ: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢) لا يَحْمِلُ أحدٌ حَيْفَ غَيْرِه، فَيُؤْخَذُ به. وكانَتْ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُ ذلك. فإذا قَتَلَ رجلٌ رجلًا ثمَّ ماتَ (٣)، فلم يَصِلُوا إليه ليقُتَصُّوا مِنْهُ قَتَلُوا ابنَهُ إِنْ قَدَرُوا عليه، أو أباهُ، أو أخاهُ. فإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِم ذُو النَّسَبِ به قَتَلُوا رَجُلًا من قَبيلَتِهِ. وكذلك إذا جَنَى على أحدٍ منهم اقْتَصُّوا مِنْ عْيرِ الجاني إِنْ لم يَجِدوا الجانِيَ. فقالَ اللهُ - ﷿ -: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٤). وقالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِرَجُلٍ رَأَى مَعَهُ ابنَهُ: "لا يَجْني عليكَ ولا تَجْني عليهِ" (٥) يُريدُ إِنْ جَنَى لم تُؤْخَذْ بجنايتِه، وإِنْ جَنَيْتَ لم يُؤْخَذْ بِجنايتِكَ.
فأمَّا العَقْلُ فإنّهُ لُطْفٌ من اللهِ لعبادِه، ونَظَرٌ لهم أَوْجَبَهُ كما أَوْجَبَ التَّناصُرَ
_________________
(١) العبارة قلقة، ولعل في الكلام سقطًا.
(٢) الآية ١٦٤ من سورة الأنعام، وانظر غريب الحديث لابن قتيبة ١/ ٢٢٢.
(٣) ربما قرئت: غاب.
(٤) الآية ١٦٤ من سورة الأنعام.
(٥) رواه النسائي رقم ٤٨٣٣ (٨/ ٥٣) في القسَامة، وأبو داود رقم ٤٤٩٥ في الديات والدارمي ٢/ ١٩٩، والقرطبي ٧/ ١٥٨.
[ ١٠٦ ]
والتَّرافُدَ والتَّعاوُنَ، وقد كانت العربُ ربما جاورَ القبيلةَ منهم رجلٌ غريبٌ، فيَعْقِلونَ عنه، ولا يُسَلِّمونَهُ، ولا يُحَمِّلُونَهُ ما لَعَلَّ يَدَهُ لا تبلُغُهُ، وَوُجْدُهُ لا يَتَّسِعُ له، فَيُسفَكُ لذلك دَمُهُ. وإِذا كانَ هذا حسنًا في المجاوِرِ الغَريبِ فَهُوَ في العَصَبَة، والعَشيرَةِ أَحَقُّ، وأَوْلى.
ولو أُسْلِمَ كُلُّ جاني خَطَأٍ بجنايَتِه، ولم يُتَحَمَّلْ عَنْهُ، وَوُكِلَ إلى نَفْسِه، ومالِه، أَو إِلى مالِ وَرَثَتِهِ دِنيًا دونَ عَصَبَتِهِ وَعَشيرَتِهِ لم يَكُ في أموالِ أَكْثَرِ الناس، ولا أموالِ وارثيهِمْ ما يُحيطُ بِهِ من الإِبِلِ؛ لأنَّ أَهْلَ الثَرْوَة، واليسارِ في الناسِ قليلٌ، وإذا لم يَكُ في أموالِهِمْ ما يَفُكُّهُ من الجنايَةِ ارْتُهِنَ بذلك أبدًا حتى يُوسِرَ، أو يُطَلَّ الدمُ، أو عدا عليه السَّفيهُ من الأولياء، فَقَتَلَهُ، فأَرْفَقَ اللهُ عبادَهُ بأن أَوْجَبَ عَقْلَ الخَطَأِ على العاقِلَة، وأَلْزَمَ الواحِدَ منهمْ قَدْرَ الثلاثَةِ والأَرْبَعَةِ والخَمْسَة، وأَشْباهِ ذلك، مما لا يَفْدَحُ، ولا يُثْقِلُ مُتَحَمّلَهُ، وكان ذلك، إذا اجتمعَ، كثيرًا عظيمًا في صَلاحِ حالِ الجاني، وفَكاكِهِ ممَّا لَزِمَهُ.
ولم يَجْعَلْهُ في العَمْدِ عُقُوبَةً للمُتَعَمِّد، وتَشْديدًا عَلَيْهِ لِيَكُونَ بينَ أَمْرَيْنِ غَليظَيْنِ؛ إِمّا القِصاصُ، وإِمّا الدِّيَةُ المُغَلَّظَةُ اللازِمَةُ في مالِه، ولَعَلَّهُ لا يَجِدُها، وقَدْ حَرمَهُ اللهُ أن يُعَانَ عَلَيْها لِيَتَنَاهَى الناسُ عن الدّماء، وعن الجِراحِ. ولَيْسَ مِنْ شَيْءٍ يَلْزَمُ لِأَحَدٍ من العَقْلِ في الخَطَأِ إِلَّا لَزِمَهُ مِثْلُهُ لِأَخيهِ إذا أَصابَ خَطَأً، فإذا لم تكُنْ لِلرَّجُلِ عاقِلةٌ، وعَشيرَةٌ عَقَلَ عَنْهُ المُسْلِمونَ من بَيْتِ مالِهِمْ كَيْلا تَضيعَ الدِّماءُ، ولا يُلْزَمُ المُخْطِئونَ ما لا يُطِيفُون.
[ ١٠٧ ]