٢ - وسألتَ عن الغَداء والعَشاء (١).
* أما الغَداءُ فإنه مأخوذٌ من الغَداةِ (٢)، والعَشَاءُ مأخوذٌ من العَشِي (٣)، فأولُ وقتِ الغداءِ قبلَ الفَجْرِ الثاني (٤) قالَ رسولُ الله - ﷺ - للعِرْباضِ (٥) حينَ دعاهُ إِلَى السحورِ (٦): "هَلُمَّ إِلَى الغَداءِ المُبارَكِ" (٧). ويُقالُ لمن خرجَ من المنزلِ في هذا الوقتِ: قد غدا منه (٨): فإنْ تَقَدَّمَ هذا الوَقْتَ لم يُقَلْ: غَدَا، ولكنْ يُقالُ: أَدْلجَ، إِذَا خرجَ في نصفِ الليلَ، أو في أَوَّلِهِ (٩)، وادَّلَجَ إِذَا خرجَ في آخرِهِ (١٠). فإذا (١١)
_________________
(١) الغداء: الطعام الذي يؤكل أوَّلَ النهار، وهو خلاف العَشَاء. والعَشَاء، بالفتح والمدّ: الطعام الذي يؤكل عند العَشَاء، وهو خلاف الغداء.
(٢) الغداة: كالغُدْوَةِ؛ بالضم: البُكْرَةُ، وجَمْعُها غَدَوَات.
(٣) العشيّ: آخر النهار من صلاة المغرب إِلَى العتمة.
(٤) لم نجده في اللسان والتاج.
(٥) هو أَبُو نَجيح، العِرْباض بن سارية السُّلَميّ: صحابي، محدث، من أعيان أهل الصُّفَّة، سكن حمص، توفي في سنة ٧٥ هـ. الاستيعاب ٣/ ١٦٦، وأسد الغابة ٤/ ١٩، والسير ٣/ ٤١٩.
(٦) في ط: "دعاه للسّحور"، وانظر غريب الحديث لابن قُتَيْبَة ١/ ١٧٦.
(٧) رواه أَبُو داود رقم ٢٣٤٤ في الصَّوم، والنسائي رقم ٢١٦٣ (٤/ ١٤٥) في الصَّوم.
(٨) انظر اللسان والتاج (غدو).
(٩) اللسان والتاج (دلج).
(١٠) اللسان والتاج (دلج).
(١١) في ط: "وإذا".
[ ٣٧ ]
انْبَسَطَتِ الشَّمْسُ فإنْ شئتَ سَمَّيْتَ الغَداءَ ضُحَىً، تقول العرب: ضَحِّ إِبِلَكَ أي غَدِّها (١)، وسمي ضُحَىً؛ لأنهم يَضْحون للشمسِ (٢)، ومنه قولُ الله ﷿: ﴿لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ (٣) أي لا تعطشُ، وَلَا تصيبُكَ الشمسُ (٤). فإذا كان نصفُ النَّهار فالوقتُ الظهيرةُ (٥) تقول: أظهرنا كما تقول: أصبحنا، وأمسينا قالَ اللهُ ﷿: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (٦) والعرب تُسَمِّي الشَّرْبَةَ في نصفِ النَّهارِ القَيْلَ (٧). ولم يَبْلُغْني عنهم اسمٌ للطعامِ في هذا الوقتِ. وإذا زالت الشمسُ، فصارَ الظِّلُّ فَيْئًا، فهو الرَّواحُ (٨)، ولهذا قيل في يوم الجُمُعَة: راحوا إِلَى المسجد (٩). ويرى أهل النظر (١٠) أن الرواح مأخوذ من الرَّوْح (١١) لأنَّ الرِّياحَ تَهُبُّ مع زوالِ الشمس، قَالَ لَبيد (١٢) الشاعر (١٣):
_________________
(١) انظر اللسان والتاج (غدو).
(٢) اللسان والتاج (ضحا).
(٣) الآية ١١٩ من سورة طه.
(٤) انظر تفسير القرطبيّ ١١/ ٢٥٤.
(٥) اللسان والتاج (ظهر).
(٦) الآيتان ١٧ و١٨ من سورة الروم.
(٧) أدب الكاتب ٩٥.
(٨) اللسان والتاج (روح).
(٩) اللسان والتاج (روح).
(١٠) هم الفلاسفة والمتكلّمون الذين يحكّمون العقل في النصِّ.
(١١) اللسان والتاج (روح).
(١٢) هو أَبُو عُقيل لَبيد بن ربيعَةَ بن مالك العامري: أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية. أدرك الإِسلام، ووفد على النَّبِيّ - ﷺ - ويعدُّ من الصحابة، ومن المؤلفة قلوبهم. سكن الكوفة، وعاش عمرًا طويلًا، وتوفي في سنة ٤١ هـ. الشعر والشعراء ١/ ٢٧٤ والأغاني ١٥/ ٢٩١ والأعلام ٥/ ٢٤٠.
(١٣) "الشاعر": ليست في ط.
[ ٣٨ ]
رَاحَ القَطينُ بِهَجْرٍ بَعْدَ ما ابتكرُوا (١)
فجعل الرواحَ في الهاجرةِ، ثم يكونُ الأكلُ بعد الهجير عَشاءً (٢)؛ لأنَّهُ بالعشيِّ يكونُ (٣)، والعشيُّ إِلَى سقوطِ الفرضِ (٤) ثم يكونُ المساءُ بعدَهُ إِلَى عَتَمَةِ الليلِ (٥)، وليس يُزيلُ المساءَ العشاءُ قَالَ الحُطَيْئَة (٦):
وَأَكْرَيْت العَشَاءَ إِلَى سُهَيْلٍ أو الشِّعْرَى فَطَالَ بِيَ الأَنَاءُ (٧)
_________________
(١) شرح ديوان لَبيد ٥٨ وهو صدر بيت وعجزه: فَمَا تُوَاصِلُهُ سَلْمَى وَمَا تَذَرُ والقطين: جماعة أهل الدار. وبهجر يريد بهجيرة، والهجيرة والهاجرة: نصف النهار.
(٢) اللسان والتاج (عشا).
(٣) في ط: "لأنه يكون بالعشى".
(٤) اللسان والتاج (عشا).
(٥) اللسان والتاج (مسا) و(عشا).
(٦) هو أَبُو مليكة جرول بن أوس بن مالك العبسي: شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإِسلام، وكان هجّاءً عنيفًا، توفي نحو سنة ٤٥ هـ. الأغاني ٢/ ١٣٠، والشعر والشعراء ١/ ٣٢٢، والأعلام ٢/ ١١٨.
(٧) ديوان الحطيئة ٩٨ وروايته: وآنيت العشاء وآنيت: أخَّرت، انتظارًا لكم، وهو من التأني: أي أخرت العشاء إِلَى طلوع سهيل حَتَّى طال ذلك، وجاز وقت الانتظار. وأمَّا رواية ابن قُتَيْبَة للبيت فهي: وأكريت العشاء: أي أخرته. وسهيل والشعري: نجمان يطلعان في الشتاء في آخر الليل أو في النصف. والأناء من آنيت؛ أي انتظرت إِلَى طلوع سهيل وطلوع الشعري، وذلك يطلع في آخر الليل، فطال بي انتظار العشاء، وأقام العشاء مقام الانتظار. وقال ابن منظور في اللسان (كرا) تعليقًا على البيت: "قيل: هو يطلع سَحَرًا، وما أكل بعده فليس بِعَشَاء. يقول: انتظرت معروفك حَتَّى أَيِسْتُ".
[ ٣٩ ]