٤٧ - سألتَ عن قولِ اللهِ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَو عَلَى سَفَرٍ أَو جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَو لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١).
• قلتُ: يزعمُ قومٌ أن التيممَ لا يجوزُ إلا للمريضِ والمسافرِ لأنّ الكلامَ الأوّلَ انقطع عند قولهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ثم ابتدأَ، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَو عَلَى سَفَرٍ﴾ فهذا كلامٌ ثانٍ. وقال آخرون: هو كلامٌ مُتصلٌ واحدٌ.
وقال: وقد يجوز للمقيم إذا كان محبوسًا ممنوعًا من الماء أن يتيممَ ويُصَلِّيَ، كما يجوزُ للمسافر إذا لم يجد الماءَ. والذي عندي أنّ الكلامَ منقطع عند قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ثم ابتدأ، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَو عَلَى سَفَرٍ﴾. فالتيمّم للمريضِ والمسافرِ دونَ المقيمِ الممنوع، يدلّك على ذلك أنه قال بعد ذكرِ الوضوءِ والصلاةِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ثم قال فيما بعد: ﴿أَو لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. "أو لامستم" هو مثلُ قولِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ فلو كان الكلام واحدًا متصلًا لاستغنى عن التكرار. ولمّا كان كلامينِ أحدُهُما للحاضرِ فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ أي اغتسلوا.
_________________
(١) الآية ٦ من سورة المائدة.
[ ١٥٧ ]
ثم ذكرَ المسافرَ فقال: ﴿أَو لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ حَسُنَ التكرارُ؛ لأنَّ الأوّلَ يكونُ للمقيم، والثاني يكونُ للمسانر. ولو كان للحاضر أن يتيمم بهذه لكان وجهُ الكلامِ أن يقولَ: وإن كنتم جنبًا فاطّهروا وإن كنتم مرضى أو مسافرين ولم تجدوا ماء من غير إعادة لذكر الجنابة بملامسة النساء. و"أَو" في قولِهِ: ﴿أَو جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ في معنى الواو (١) وكأَنّهُ قالَ: "وإن كنتم على سفر وجاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا" يَدُلّكَ على ذلك أنّ السفرَ ليس بموجبٍ للوضوء، وللغسل، وإِنّما يُوجِبُهُما الحَدَثُ، والجنابَةُ. و"أوْ" تقام مُقامَ واوِ النَّسَقِ كثيرًا، من ذاك قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَو يَزِيدُونَ﴾ (٢) هي بمعنى قوله: ويزيدون، وكذلك ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَو هُوَ أَقْرَبُ﴾ (٣) قال الشاعر (٤):
أثعلبةَ الفوارسَ أو رياحًا عدلتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشابا (٥)
أراد ثعلبة أو رياحًا عدلتَ بهم هذين.
_________________
(١) انظر المغني ص ٨٧.
(٢) الآية ١٤٧ من سورة الصافات.
(٣) الآية ٧٧ من سورة النحل. وانظر تفسير القرطبي ١٠/ ١٥٠.
(٤) هو الشاعر جرير بن عطية بن حذيفة الخَطَفَى بن بدر الكلبيّ اليربوعي، من تميم: أشعر أهل عصره. وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه وشاجلهم، وكان هجاءًا مرًا. فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل. وكان عفيفًا، وهو من أغزل الناس شعرًا. ولد ومات في اليمامة سنة ١١٠ هـ. وفيات الأعيان ١/ ١٠٢، وخزانة البغدادي ١/ ٣٦.
(٥) البيت في ديوان جرير ١/ ٦٦، والصحاح واللسان والتاج (خشب) والجمهرة ١/ ٢٣٥. والخِشَابُ ككِتَابٍ: بُطُونٌ من بنِي تمِيمٍ، وهم بَنُو رِزَام بنِ مالِكٍ بن حَنْظَلَةَ.
[ ١٥٨ ]