٨٤ - سألتَ عن حروفٍ في الحديثِ لم تجدْ لها في كتابي ذِكْرًا؟ .
• منها حَديثٌ ذُكِرَ فيه أنه "نهى عن الصلاة خَلْفَ الشَّجَرَةِ المُقَزَّحَةِ" (١).
والشَّجَرَةُ المُقَزَّحَةُ التي يَتَشَعَّبُ منها شُعَبٌ وأغصانٌ في أسْفَلِها. وأصْلُهُ من القُزَحِ، وهي الطرائقُ واحدُها قُزْحَةٌ (٢)، ومنه قيل: قوسُ قُزَحٍ (٣) يُرادُ به الطرائقُ فيها من الحُمْرَةِ والخُضْرَةِ.
• ومنها حَدِيثٌ ذُكِرَ فيه "أَنَّ إبليسَ لَيَقُزُّ القَزَّةَ من المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ" (٤).
والقَزَّةُ هاهنا أنْ يَجْمَعَ الإنسانُ جَرامِيزَهُ ويَتَقَبَّضَ ثم يَثِبَ. يقال: قَزَّ الرجلُ يَقُزُّ قَزًّا (٥).
_________________
(١) انظر النهاية ٤/ ٥٨، والفائق ٣/ ١٩١، وغريب ابن الجوزي ٢/ ٢٤٠، واللسان والتاج (قزح). وفي اللسان (قزح): "وفي حديث ابن عباس: نهى عن الصلاة خلف الشجرة المُقَزَّحَة هي التي تشعبت شعبًا كثيرة".
(٢) القُزَح: الطرائق والألوان التي في القوس الواحدة قزْحة. اللسان (قزح).
(٣) قوس قزح: طرائق متقوسة تبدو في السماء أيام الربيع غبَّ المطر بحمرة وصفرة وخضرة. اللسان (قزح).
(٤) انظر النهاية ٤/ ٥٨ والفائق ٣/ ١٩٢، وغريب ابن الجوزي ٢/ ٢٤١.
(٥) وفي اللسان (قزز): "قَزَّ الإنسان يَقُزُّ قَزًّا إذا قعد كالمستوفز ثم انقبض ووثب. والقَزّة: الوَثبة. وفي الحديث: إن إبليس لعنه الله ليَقُزُّ القَزَّةَ من المشرق فيبلغ المغرب أي يثب الوثبة".
[ ٢٣٩ ]
• ومنها حديث ذُكِرَ فيه أنَّ عالِمًا من عُلَماءِ بني إِسرائيلَ وَضَعَ للنّاسِ سبعينَ كتابًا في الأحكام، فأوْحَى اللهُ إلى نبيٍّ من أنبيائهم: قُلْ لفلانٍ إِنّك مَلأتَ الأرْضَ بَقاقًا، وإنّ اللهَ لم يقبل من بَقاقِكَ شَيئًا (١).
البَقاقُ: كَثْرَةُ الكلامِ ويُقالُ لِسَّقَطِ مَتاعِ البيت بَقاقٌ (٢) قالَ الشاعرُ (٣) في كَثْرَةِ الكلامِ:
وقَدْ أقودُ بالدَّوَى المُزَمِّلِ (٤)
أخرسَ في السَّفْرِ بَقَاقَ المنزلِ
والدَّوَى: الأحمقُ. المُزَمِّلُ: المُلْتَفُّ بثيابِهِ. يقولُ هو في السَّفرِ أخْرَسُ لا يتكلّمُ، ولا يُحادِثُ الركْبَ، وهو في منزلِهِ كَثيرُ اللَّغَطِ والكلام، وأحسَبُ قولَهم: رَجُل بَقْباقٌ (٥) من هذا كأنه بَقَاقٌ، ثم أبْدَلُوا من إحدى القافين باءً.
• ومنها حديثٌ "ذُكِر في السيرةِ في مناجاةِ أيُّوبَ - ﷺ - أنَّهُ قيل له: لا يَنْبَغي أن
_________________
(١) انظر العين ٥/ ٣٠، والنهاية ١/ ١٤٦، والغريبين ١/ ١٩٧، واللسان (بقق) - معنى الحديث أن الله لم يقبل مما أكثرت شيئًا.
(٢) البقاق: كثرة الكلام. والبقاق إسقاط ما في البيت من المتاع ورجل بقباق: كثير الكلام هذر. اللسان (بقق).
(٣) هو أبو النجم العجلي، الفضل بن قدامة: من أكابر الرجاز ومن أحسن الناس إنشادًا للشعر في العصر الأموي وكان يحضر مجالس عبد الملك بن مروان وولده هشام. قال أبو عمرو بن العلاء: كان ينزل سواد الكوفة وهو أبلغ من العجاج في النعت. توفي سنة ١٣٠ هـ. الشعر والشعراء ٢/ ٦٠٣، والأغاني ١٠/ ٦٥٠، والأعلام ٥/ ١٥١.
(٤) البيتان في ديوان أبي النجم ص ٢٠٩، والجمهرة ١/ ٣٦ لأبي النجم، واللسان والتاج (بقق)، والمجمل ١/ ١١٣، والمعاني الكبير ٢/ ٨٢١، والمقاييس ١/ ١٨٦ و٩/ ٣٠٢، والغريبين ١/ ١٩٧، وشرح المختار من لزوميات أبي العلاء ١/ ١٣٨.
(٥) انظر الحاشية (٢) السابقة.
[ ٢٤٠ ]
يُخاصِمَني من جَعَل الزَّيَارَ (١) في فمِ الأسَدِ والسِّحال (٢) في فمِ العَنْقاء" (٣).
هكذا ذكرتَ: وقد يُقالُ: السِّحالُ بالسين والحاء، فإن كانت الرواية السِّحال فهو حديدةُ اللجام، يُقالُ له: مِسحلٌ وسِحالُ، كما يُقالُ مِنَطَقُ ونِطاق (٤)، وإنْ كانت الشَّحاك فهو عودٌ يُعَرَّضُ في فمِ الجَدْيِ يَمْنَعُهُ من الرَّضاعِ (٥).
• ومنها حديثٌ قيل فيه: "لا يَتَمرْأى (٦) أحدُكُمْ بالماءِ" (٧) إذ لا يَنْظُر فيه، وَيَجْعَلُهُ كالمرآةِ، وأدخلَ الميمَ في حروفِ الفِعْلِ كما قيلَ: يَتَمَسْكَنُ من السكونِ وَيتَمَدْرَعُ مِن المَدْرَعَةِ (٨).
_________________
(١) الزيار: شِناق يشدٌ به البيطار جحفلة الدابة. وزير الدابة جعل الزيار في حنكها. وفي الحديث أن الله تعالى قال لأيوب ﵇: لا ينبغي أن يخاصمني إلا من يجعل الزيار في فم الأسد. الزيار: شيء يجعل في فم الدابة إذا استصعبت لتنقاد وتذل. اللسان (زير) والنهاية ٢/ ٣٢٤.
(٢) السّحال والمسحل واحد: وهي الحديدة التي تجعل في فم الفرس ليخضع اللسان (سحل). وفي الحديث أن الله ﷿ قال لأيوب: والسحال في فم العنقاء. ويروى: الشحاك.
(٣) الفائق ٢/ ١٤٢، وغريب الحديث لابن الجوزي ١/ ٤٦٦، والنهاية ٢/ ٣٤٨، واللسان والتاج (سحل، شحك).
(٤) المنطق والنطاق واحد. وهو كل ما شد به وسطه، كما يقال: مئزر وإزار وملحف ولحاف. لسان (نطق).
(٥) الشحاك: عود يُعَرَّض في فم الجدي ليمنعه من الرضاع. اللسان (شحك).
(٦) في الأصل: "يتمارئ".
(٧) في غريب ابن الجوزي ٢/ ٣٥٠، والنهاية ٤/ ٣١٤، وفيهما: "لا يتمرأى أحدكم في الدنيا" أي لا ينظر فيها ". وانظر اللسان والتاج (رأي).
(٨) وفي اللسان (رأي): "والمرأة: ما تراءيت فيه وتراءيت فيها وترأيت، وجاء في الحديث: "لا يتمرأى أحدكم في الماء" أي لا ينظر وجهه فيه. وزنه: يتمفعل من الرؤية كما حكاه سيبويه من قول العرب: تمسكن من المسكنة وتمدرع من المدرعة". وانظر سيبويه ٤/ ٣١١.
[ ٢٤١ ]
• ومنها حديثٌ "ذكر فيه أن رجلًا سأل رجلًا عن منزلِه، فأخْبَرَهُ أنَّهُ نَزَلَ بينَ حَيَّينِ من العرب، فقال: نَزَلْتَ بينَ المَجَرَّةِ والمَعَرَّةِ" (١).
والمَجَرَّةُ مَجَرَّةُ السَّماء، والمَعَرَّةُ ما وراءَها من ناحيةِ القُطْبِ الشِّمالي سُمِّيَ مَعَرَّةً لِكَثْرةِ النّجومِ فيهِ. وأصْلُ المَعَرَّةِ مَوْضِعُ العَرّ، وهو الجَرَبُ.
والعَرَبُ تُسَمِّي السماءَ الجَرْبَاءَ لِكَثْرَةِ نُجومِها (٢) قالَ الهُذَليُّ (٣) ووصفَ أُتُنًا وحِمارًا:
أرَتْهُ من الجَرْبِاءِ في كل مَنْظَرٍ طِبابًا فَمَثْواهُ النهارَ المراكدُ (٤)
يُريدُ أنّها أَدْخَلت الحمارَ في مَضايِقَ، فليس يَرَى من السَّماءِ إلا قِطَعًا كأَنَّها طِباب. الطِّبَابَةُ: رُقْعَةٌ تكونُ في المَزادَةِ (٥).
_________________
(١) الفائق ٢/ ٤٢٣، وغريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٨٠. والنهاية ٣/ ٢٠٥ واللسان والتاج (عرر). وفي اللسان (عرر): "أن رجلًا سأل آخر عن منزله فأخبره أنه ينزل بين حيين من العرب فقال: نزلت بين المَعَرّة والمَجرَّة، المجرة التي في السماء البياض المعروف، والمعرة ما وراءها من ناحية القطب الشمالي، سميت معرّة لكثرة النجوم فيها أراد بين حيين عظيمين كَثيرَيْ العدد، وأصل المعرّة: موضع العَرّ وهو الجرب ولهذا سمّوا السماء الجرباء لكثرة النجوم فيها، تشبيهًا بالجرب في بدن الإنسان".
(٢) انظر الحاشية السابقة.
(٣) الشاعر أسامة بن الحارث الهذلي وقيل: مالك بن خالد الهذلي كما في اللسان (طبب). انظر ديوان الهذليين ٢/ ٢٠٣، وشرح أشعار الهذليين ٣/ ١٢٩٧. واللسان (جرب).
(٤) البيت لأسامة بن الحارث الهذلي، انظر ديوان الهذليين ٢/ ٢٠٣ وشرح شعر الهذليين ٣/ ١٢٩٧ واللسان (طبب). والمقاييس ١/ ٤٤٩ وقيل: لمالك بن خالد الهذلي كما في اللسان والتاج (طبب). والجمهرة ١/ ٣٥ لأسامة، اللسان والتاج (جرب وركد وطرد). المَرَاكد: المواضع التي يَرْكُدُ فيها الإنسان وغيره.
(٥) طِباب جمع طِبابة: وهي الطريقة المستطيلة من الثوب والرمل والسحاب وشعاع الشمس. =
[ ٢٤٢ ]
وإنّما أرادَ بقولِهِ نزلتَ بينَ المَجَرَّةِ والمَعَرّةِ أَنّك نزلتَ بين حَيَّينِ عظيمينِ كثيرَيْ العدد، فَشَبَّهَهُما بالمَجَرّة والمَعَرَّة، وهو ما وراءَ المَجَرَّةِ من ناحيةِ الشام والنُّجومُ هناك تَكْثرُ وتَشْتَبِك.
• ومنها حديثٌ "ذُكر فيه أنَّ المرأةَ من الحُورِ العِينِ لو أشْرَقَتْ لَفَغَمَتْ بينَ السّماءِ والأرْضِ بريحِ المِسْكِ" (١) يُريدُ لَمَلأتْ، وأصْلُهُ من الفَغْمَة، وهي شِدَّةُ رائحةِ الطِّيبِ التي تَغْلِبُ على كلِّ شَيءٍ من الروائحِ ومنه قولُ الشاعرِ (٢):
فَغْمَةُ مِسْكٍ تَفْغَمُ المَزْكوما (٣)
أي يَشْتَمُّها المزكومُ من شِدِّتِها وقوَّتها، وإذا وَجَدَها المزكومُ فَغَيرُهُ لها أَوْجَدُ.
• ومنها حديثٌ "قيل فيه: ادعُ رَبَّكَ بِأَنْأَجِ ما تَقْدَرُ عليهِ" (٤).
_________________
(١) = والطبابة الجلدة المستطيلة أو المربعة أو المستديرة في المزادة والقربة والسقاء. اللسان (طبب).
(٢) انظر النهاية ٣/ ٤٦٠، والفائق ٣/ ١٣٠، وغريب الجوزي ٢/ ٢٠٠، وفي اللسان (فعم): "فغمة الطيب: رائحته. فغمته تفغمه فغمًا وفغومًا سدّت خياشيمه وفي الحديث: لو أن امرأة من الحور العين أشرفت لأفغمت ما بين السماء والأرض بريح المسك أي لملأت. قال الأزهري: الرواية لأفعمت بالعين، قال: وهو الصواب. يقال: فعمت الإناء فهو مفعوم إذا ملأته وقد مر تفسيره. والريح الطيبة تفغم المزكوم قال الشاعر: نَفْخَةُ مِسْكٍ تَفْغَمُ المَفْغُوْمَا". انظر اللسان (فعم).
(٣) لم نجده.
(٤) البيت بلا نسبة في تهذيب اللغة واللسان والتاج (فعم).
(٥) انظر النهاية ٥/ ٣، والفائق ٣/ ٣٩٩، وغريب ابن الجوزي ٢/ ٣٨٥، وفي اللسان (نأج): "نأج الإنسان ينأ. ج صاح وهو أحزن ما يكون من الدعاء وأضرعه وأخشعه. وفي الحديث: "ادع ربك بأناج ما تقدر عليه"؛ أي بأبلغ ما يكون من الدعاء وأضرع".
[ ٢٤٣ ]
وهو قولُكَ: نَأَجَ فُلانٌ إلى اللهِ أي ضَرَعَ، وهُوَ يَنْأج إذا ضَرَعَ وأعْلَى بذلِكَ صَوْتَهُ (١). ونَحْوُهُ جَأَرَ إلى اللهِ (٢).
• ومنها حديث لعمرَ بنِ الخَطّاب "ذَكَرَ فيه أنّه قال لبعضِ وَلَدِهِ: لقد قَشَبَكَ المالُ" (٣).
وهذا من القَشَب، وهو السُّمُ يُريدُ أذْهَبَ عَقْلَكَ المالُ كما يُذْهِبُ السُّمُ بالعَقْلَ.
• ومنها حديث في رَجُلٍ أخرج من النّار فقال: "يا ربِّ قَشَّبَني ريحُها وأحْرَقني ذَكاؤُها" (٤).
كأَنَّهُ قال سَمَّني ريحُها.
• ومنها حديثٌ "ذُكِرَ فيه أنّ خُلُقَ رَسولِ الله - ﷺ - كانَ سَجِيَّةً ولم يكنْ تَلَهْوُقًا" (٥).
_________________
(١) انظر الحاشية (٤) في الصفحة السابقة.
(٢) جأر يجأر جَأْرًا وجؤارًا: رفع صوته بالدعاء مع تضرع واستغاثة. اللسان (جأر).
(٣) الفائق ٣/ ١٩٨، وغريب ابن الجوزي ٢/ ٢٤٥، النهاية ٤/ ٦٤، واللسان (قشب). القِشْب والقَشَبُ: السم. والجمع أقشاب وفي حديث عمر - ﵁ -، قال لبعض بنيه: قشبك المال أي أفسدك وذهب بعقلك.
(٤) انظر النهاية ٤/ ٦٤، و٢/ ١٦٥، والفائق ٣/ ١٩٨، وغريب ابن الجوزي ٢/ ٢٤٤ ورواه البخاري ٢/ ٢٩٣ في الأذان، وأعاده في الرقاق، باب ٥٢، والتوحيد باب ٢٤، وأحمد في المسند ٢/ ٢٧٦، ومسلم ١/ ١٦٥ وفي اللسان (قشب): وقشّبني ريحه تقشيبًا أي أذاني، كأنه قال: سمّني ريحه. وجاء في الحديث أن رجلًا يمرُّ على جسر جهنم فيقول: يا رب، قشّبني ريحها، معناه: سمّني ريحها. وكل مسموم قشيب ومُقَشَّب والذَّكاء: شدة وهج النار، وفي حديث ذكر النار: قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها. اللسان (ذكا)، والنهاية ٢/ ١٦٥.
(٥) انظر النهاية ٤/ ٢٨٢، والفائق ٣/ ٣٣٥، وغريب ابن الجوزي ٢/ ٣٣٧، وفي اللسان =
[ ٢٤٤ ]
التَّلَهْوُقُ: أن يُبْدِيَ الرجلُ للناس من البِرِّ واللُّطْفِ ما لا يَعْتَقِدُهُ يُقالُ: لَهْوَقَ الرجلُ بِلِسانِهِ.
_________________
(١) = (لهق): "لهوق كذا وقد تلهوق فيه، واللهوقة أن تظهر شيئًا باطنك على خلافه نحو أن يظهر الرجل من السخاء ما ليس عليه سجيّته. وفي الحديث: كان خلقه سجّته ولم يكن تَلهوقًا، أي لم يكن تصنعًا وتكلفًا".
[ ٢٤٥ ]