٥٠ - سألتَ عن قولِ اللهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَينِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَو آخَرَانِ مِنْ غَيرِكُمْ﴾ (١). وقلت: قد اختلف الناسُ في غيركم. فقال قوم من الفقهاء: يذهبونَ إلى إجازة شهادةِ أهلِ الذّمَّةِ في الوصئةِ في السفرِ يُريدُ من غير المسلمينَ (٢). وقال قوم منهم: يذهبون إلى أنّها لا تجوز في سَفَرٍ، ولا حَضَرٍ في وَصِيّةٍ، ولا غِيرِها يريد من غير قبيلتِكم؟ .
• والذي عندي أن الأمرَ على ما قال الأَوَّلونَ، وأنّه لا يجوز أن يكون في هذا الموضع من غيركم: من غير قبيلتكم؛ لأنه قال في صدر الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَينِكُمْ﴾. وهذا عام لجميع المؤمنين. والكاف في بينكم للمؤمنين، ثم قال: ﴿أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. يعني أحد المؤمنين. ثُمَّ قال: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ يعني من المؤمنين، ﴿أَو آخَرَانِ مِنْ غَيرِكُمْ﴾ يعني من غير المؤمنينَ، وغيُر المؤمنينَ هم الكافرونَ، ولا يجوزُ أن يكونَ غيرُ المؤمنينَ في هذا المَوْضِعِ المؤمنينَ، ولو كان اللهُ ﷿ خاطبَ في صَدْرِ الآيةِ خاصًّا من الناس لجاز أن يكونَ من غيركم يعني من غيرِ قبيلتِكم.
وسأمَثِّلُ لك ما قلث لتفهمَهُ إنْ شاءَ الله. كأنّه قال: يا بني تميم شهادةُ
_________________
(١) سورة المائدة الآية ١٠٦، وانظر القرطبي ٦/ ٢٤٦ - ٣٥١.
(٢) في الأصل: "المسلمين"، وهو خطأ.
[ ١٦٥ ]
بينِكُمْ اثنانِ ذوا عَدْلٍ منكم، أو آخَرانِ من غيرِكُمْ أي مِن غيرِ قبيلتِكم، فيكون الإشهادُ في الموضعينِ للمؤمنينَ، ولا يجوزُ مع العمومِ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أن يكونَ غيرُ المؤمنينَ مؤمنينَ. ومثلُ هذا من التمثيلِ أيضًا لو قال: يا مَعْشرَ الجنّ ألم يأتِكم رُسُلٌ منكم، ومن غيرِكم، ولا يكون غيرُ الجنّ من الجنّ، وإنّما يكون غيرُهُم من الإِنسِ.
ومن الدليلِ أيضًا أنّه لو أراد إشهادَ غيرِ قبيلتِهِ من المؤمنينَ كان الحكمُ فيهم أن يكونوا أيضًا عُدولًا، كما شَرَطَ فيمن كان من أنفسِهِم وقبيلتِهِم، وإذا كانوا مسلمين عدولًا فبأي معنى أمرنا بإحلافهم؟ والشاهد غيرُ العَدْلِ لا يَمينَ عليه فكيف العَدْلُ؟ . ولِمَ أمر بإحلافِهِما من بعد الصلاةِ؟ يريد صلاةَ العصرِ إنْ نحن ارْتَبْنَا في شهادتِهِما، ويَأْثَمُ المسلمونَ في كل وقتٍ من اليمينِ الفاجرة، وإنّما يَتَوَقّى الحلفَ بعدَ العصرِ أهلُ الكتابِ؛ لأنّهم يُصلّون لطُلوعِ الشمسِ وغُروبِها، ولمَ جعلنا نرتابُ بشهادةِ المسلمَينِ الَعَدْلَينِ إذا كانا من غير قبيلتِنا، ولا نرتابُ بهِما إذا كانا من قبيلتِنا. ثم قال: ﴿اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ (١)؛ يعني حَنْثًا في اليمين ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ (٢) من أَوْلياءِ المَيِّتِ ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾. وكيف صارَ الوليانِ من أولياءِ الميِّتِ أَصَحَّ شهادةً من المؤمنَينِ العَدْلَينِ وأولى بالقول، لو كان الأمر على ما ذهبوا إليه، ولكنهما صارا أحق بقبول القول، وإبرار القسم لكفر الشاهدين، وإيمان الوليين ثم قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾؛ يعني أهل الذّمّة، ولا يجوز أن يكون هذا للمؤمنَين العدلَين؛ لأن المؤمنَين العدلَين يأتيان بالشهادة على وجهها على كل حال ثم قال: ﴿أَو يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيمَانٌ﴾ على أولياء الميت ﴿بَعْدَ أَيمَانِهِمْ﴾، فيفضحوا أو يُغرّموا.
_________________
(١) سورة المائدة الآية ١٠٧، وانظر القرطبي ٦/ ٣٥٨.
(٢) سورة المائدة الآية ١٠٨، وانظر القرطبي ٦/ ٣٥٨.
[ ١٦٦ ]
وهذا عندي باب من الحكم محكم لم تنسخه آي؛ لأن المائدة من آخر ما نزل (١)، وفيها يقول الله جل ثناؤه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢)، ولا ينسخ بعد الإِكمال (٣)، والله أعلم.
_________________
(١) نواسخ القرآن لابن الجوزي ١٣٩، والناسخ والمنسوخ للقيسي ص ٢٥٥.
(٢) سورة المائدة الآية ٣.
(٣) انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ٢٩٣ - ٢٩٦ فقد ناقش هذه الآيات وفسرها بشكل مفصل. وانظر القرطبي ٦/ ٣٤٦ وما بعد.
[ ١٦٧ ]