٢١ - سألتَ عن أحاديثَ ذَكَرْتَ أنَّكَ لم تَجِدْها في كتابي المُؤَلَّفِ في تفسيرِ غريبِ الحديثِ؟ .
° منها: قَوْلُهُ: "لا تُحْدِثوا في القَرَعِ فإنَّهُ مُصَلّى الخافِيْنَ" (١).
• والقَرَعُ يَكونُ في الكَلإِ مثلَ القَرَعِ في الرَّأْسِ؛ وهو أَنْ يكونَ في الرأسِ لُمَعٌ (٢) لا يكون فيها شعر، وكذلك القرع في (٣) الكلأ، وهو أن تكون (٤). .. قطع لا يكون فيها نبات (٥). والخافون هم الجن سموا بذلك لاستخفائهم، واستتارهم عن الأبصار (٦).
° ومنها: حديثٌ ذُكِرَ فيه أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ إنَّ لي قراباتٍ أَصِلُهم، ويَقْطَعونَني، وأُعْطِيْهمْ، ويَكْفُرونَني. هذا، أو نَحْوُهُ من الكلام،
_________________
(١) انظر غريب الحديث لابن الجوزي ١/ ٢٩٢، والنهاية ٢/ ٥٦، واللسان والتاج (قرع، خفا). وفي اللسان (خفا): "والخافية: الجنّ سُمُّوا بذلك لاستتارهم عن الأبصار. وفي الحديث: لا تُحْدِثوا في القَرَع فإنّه مصلى الخافين. والقَرَع، بالتحريك قِطَع من الأرض بين الكلأ لا نبات فيها".
(٢) لُمَعٌ: جمع لُمْعَة وهي قطعة من النبت قد أحَشَّتْ أي قد أمكنت من أن تُحَشَّ وذلك إذا يبست. واللُّمْعَةُ: الموضع الذي يكثر فيه الخلى. ولا يقال لها: لُمْعَة حتى تبيضّ اللسان (لمع).
(٣) قوله: "القرع في" ليس في ط.
(٤) فراغ في الأصل بمقدار كلمة لم تتيسر لنا قراءتها.
(٥) اللسان والتاج (قرع).
(٦) انظر الحاشية (١).
[ ٦٩ ]
فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "إنّما تُسِفُّهُم المَلُّ" (١).
• قَوْلُهُ: تُسِفُّهُمْ: من السَّفُوفِ (٢)، والمَلُّ: الجَمْرُ، ويقالُ: للرَّمادِ الحارِ أَيضًا المَلُّ (٣) والمَلَّةُ: مَوْضِعُ الخُبْزَةِ في النَّارِ (٤). ومنه يقال فلان يتململ على فراشه والأصل يتملل (٥) يريد أنهم إذ لم يشكروك فإن إعطاءك إياهم حرام عليهم ونار في بطونهم.
° ومنها حديثٌ ذُكِرَ فيه: "أنَّ رجلًا فَجَرَ بامْرَأةٍ عَكْوَرةٍ" (٦).
• يُريدُ عَكَرَ عَلَيْها، فتسنمها، وغلبها على نفسها من قولك: عَكَرْتُ على الرَّجُلِ إذا حَمَلْتَ عليه (٧). وقال قَوْمٌ لرسولِ اللهِ - ﷺ -، وكانوا انْهزَموا: نحن الفَرَّارُونَ، فقالَ: "بل أنتم العَكَّارونَ" (٨).
_________________
(١) انظر غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٣٧٣، والنهاية ٢/ ٣٧٥، و٤/ ٣٦١ واللسان والتاج (سفف، ملل)، وانظر مسند أحمد ٢/ ٣٠٠ و٤١٢ و٤٨٤. وفي اللسان (سفف): "وفي الحديث: أن رجلًا شكا إليه جيرانه مع إحسانه إليهم، فقال: إن كان كذلك فكأنَّما تُسِفُّهم المَلُّ. المل: الرماد الحار الذي يَجْعل وجوههم كلون الرماد. وقيل: هو من سَفِفْتُ الدواء، وأسففته غيري". وانظر اللسان (ملل).
(٢) سِففْت السَّويق والدواء ونحوهما واستففته قمحته إذا أخذته غير ملتوت، وكل دواء يؤخذ غير معجون فهو سُفوف، حب الرمان ونحوه. والسَّفوف اسم لما يُسْتَفُّ. اللسان (سفف).
(٣) في اللسان (ملل): بعد أن ساق الحديث قال: "الملة الحفرة نفسها. والمَلّ والملّة: الرماد الحار الذي يُحمى ليدفن فيه الخبز ليَنْضَجَ، أراد إنّما تجعل المَلّة لهم سفوفًا يستفّونه، يعني أن عطاءك إياهم حرام عليهم، ونار في بطونهم".
(٤) اللسان والتاج (ملل).
(٥) فلان يتململ على فراشه ويتملّلُ إذا لم يستقرّ مع الوجع كأنه على ملّة.
(٦) انظر غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ١٢٠، والنهاية ٣/ ٢٨٣. وفي اللسان (عكر): "وعَكَرْتَ عليه إذا حملتَ عليه وفي الحديث: أن رجلًا فجر بامرأةٍ عَكْوَرَةٍ أي عكر عليها، فتسنّمها، وغَلَبَها على نفسها".
(٧) انظر الحاشية السابقة.
(٨) رواه الترمذي ٤/ ٢١٥، وأبو داود في الجهاد ٣/ ٤٦، وأحمد في المسند ٢/ ٧٠، ٨٦، =
[ ٧٠ ]
° ومنها حديثٌ ذُكِرَ فيه أنَّ أبا قارِظٍ (١) دخلَ مكةَ، وكانَ جميلًا شاعرًا، فقالتْ قُرَيْشٌ: "حليفُنا، وعَضُدُنا، وأَخْونا، وملتقى أَكُفِّنا" (٢).
• يريدون بملتقى أَكُفِّنا الحِلْفَ الذي كان بيننا، وبينَه أي أَيْدِيْنا تَلْتَقي معَ يدِه وتَجْتَمِعُ.
° ومنها حديثٌ رواهُ النُّعْمانُ بن حُمَيْدٍ البَكْرَاوِيّ (٣) قال: "دخلتُ مع خالي على سلمانَ (٤) بالمَدَائِنِ (٥) فَصَافَحَهُ خالي، ورأيته مُقَصَّصًا" (٦).
• المُقَصَّصُ: الذي له جُمَّةٌ، وكُلُّ خُصْلَةٍ من الشَّعْرِ فهي قُصَّةٌ.
_________________
(١) = ١٠٠، ١١١)، وغريب الحديث لابن الجزري ٢/ ١٢٠، والنهاية ٣/ ٢٨٣. وفي اللسان (عكر): "ورجل عكّار في الحرب عطّاف كرّار. وفي الحديث أنتم العكّارون أي الكرّارون إلى الحرب، والعطّافون نحوها. قال ابن الأعرابي: العكّار الذي يُوَلّي في الحروب ثم يَكُرُّ راجعًا".
(٢) أبو قارظ هو خالد بن الحارث بن عبيد بن تيم بن عمرو بن الحارث بن مبذول بن الحارث بن عبد مناة بن كنانة. وكان جميلًا حسانًا، بليغ اللسان، شاعرًا. كما في المنمّق ص ٢٣٩.
(٣) المنمَّق ص ٢٣٩، وغريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٣٢٩، والنهاية ٤/ ٢٦٦. وفي اللسان (لقا): "وفي الحديث: دخل أبو قارظ مكة فقالت قريش: حليفنا وعضدنا وملتقى أكفّنا أي أيدينا تلتقي مع يده وتجتمع. وأراد به الحلف الذي كان بينه وبينهم".
(٤) هو أبو قدامة، النعمان بن حميد البكراوي: من كبار تابعي أهل الكوفة. ذكر البخاري أنه صلى مع عمر بن الخطاب، وروى عن عبد الله بن مسعود. روى عنه سماك بن حرب. ورد المدائن، فأقام بها مدة في حياة سلمان الفارسي. تاريخ بغداد ١٣/ ٣٢٣.
(٥) هو سلمان الفارسي: صحابي، من مقدميهم. كان يسمي نفسه سلمان الإِسلام أصله من مجوس أصبهان. عاشر عمرًا طويلًا. جُعل أميرًا على المدائن. فأقام فيها إلى أن توفي سنة ٣٦ هـ. طبقات ابن سعد ٤/ ٥٣ - ٦٧، والأعلام ٣/ ١١١.
(٦) المدائن: مدينة قديمة على دجلة تحت بغداد بينهما سبعة فراسخ. اللباب ١/ ١٨٢، ومعجم البلدان ٥/ ٧٤ - ٧٥، ومراصد الاطلاع ٣/ ١٢٤٣.
(٧) غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٢٤٨، والنهاية ٤/ ٧١. وفي اللسان (قصص): (وفي حديث سلمان: ورأيته مُقصَّصًا، هو الذي له جُمّة. وكل خُصْلَةٍ من الشعر قُصَّة".
[ ٧١ ]
° ومنها حديثٌ رواهُ الهَيْثَمُ (١) عن مُجالِدٍ (٢) عن الشَّعْبِيِّ (٣) "أَنَّ عمرَ بن الخَطّابَ رحمه الله تعالى قالَ لرجلٍ: ما فَعَلَتْ ناقَتُكَ يا جون؟ قالَ: انْكَسَرَتْ بِبُطْحانَ (٤)، فَنَحَرْتُها، قالَ: انْطَلِقْ، فأَرِنِيْها، فَأطافَ بها عُمَرُ، فقالَ: والله ما هي (٥) بِمُغِدٍّ (٦)، فَيَسْتَحْجِيَ (٧) لَحْمُها، ولا هي بفَقِيْءٍ (٨)، فَتَشْرَقَ
_________________
(١) هو الهيثم بن عَدِيّ بن عبد الرحمن الثعلي الطائي البحتري الكوفي، أبو عبد الرحمن: مؤرخ، عالم بالأدب والنسب. أصله من "منبج" وإقامته وشهرته بالكوفة، ووفاته في فم الصلح (قرب واسط) عند الحسن بن سهل في سنة ٢٠٧ هـ. السير ١٠/ ١٠٣.
(٢) هو مُجَالِد بن سعيد بن عمير الهمداني: راوية للحديث والأخبار. من أهل الكوفة. اختلفوا في توثيقه، وقال البخاري: صدوق. توفي سنة ١٤٤ هـ. الأعلام ٥/ ٢٧٧.
(٣) هو أبو عمرو الشعبي الحميري، عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار: راوية من التابعين، اتصل بعبد الملك بن مروان، فكان نديمه وسميره ورسوله إلى ملك الروم. وكان ضئيلًا نحيفًا، ولد لسبعة أشهر، ويضرب المثل بحفظه. ولد ونشأ ومات فجأة بالكوفة سنة ١٠٣ هـ. وفيات الأعيان ٣/ ١٢، وتاريخ بغداد ١٢/ ٢٢٧.
(٤) بطحان: هو وادٍ بالمدينة، وهو أحد أوديتها الثلاثة، وهي: العقيق، وبطحان، وقناة. وبُطْحانُ: بالضم ثم السكون، كذا يقوله المحدثون أجمعون، وحكى أهل اللغة، بَطِحان، بفتح أوله وكسر ثانيه، وكذلك قيده أبو عليّ القالي في كتاب البارع وأبو حاتم والبكري، وقال: لا يجوز غيرُه.
(٥) في ط: "ما هي والله".
(٦) في اللسان (غدد): وغُدَّ البعير فأغَدَّ، فهو مغِدٌّ أي به غُدَّةٌ، والأُنْثَى مُغِدٌّ بغير هاء، والغُدَّةُ طاعون الإِبل. ومنه حديث عمر: ما هي بِمَغِدٍّ فيسْتحجي لحمُها. وانظر اللسان (حجا).
(٧) في الأصل: "فتستحجي". والتصحيح من اللسان والتاج (غدد، حجا) والفائق ٣/ ٥٥، وغريب الحديث لابن الجوزي ١/ ١٩٥، والنهاية ١/ ٣٤٨ و٣/ ٤٦١، وانظر ابن الجوزي أيضًا ٢/ ٢٠١.
(٨) في صل: "بفقء" وفي ط: "بفقيء"، وهو الصواب وكذلك في اللسان (فقأ) وناقة فَقْأَى، وهي التي يأخذها داء يقال له الحقوة فلا تبول ولا تبعر، وربما شرقت عروقها ولحمها بالدم فانتفخت، وربما انفقأت كَرِشُها من شدة انتفاخها فهي الفقيء حينئذ. وفي الحديث أن عمر ﵁ قال في ناقة منكسرة: ما هي بكذا ولا كذا، ولا هي بفقيء فتشرق =
[ ٧٢ ]
عُروقَها، ولا هَبَطَتْ مَلْحاؤُها (١)، فيبينَ زَوالُها (٢) فقال: قَرِمْنا إلى اللَّحْمِ" (٣)؟ .
• المُغِدُّ: الناقةُ تَأْخُذُها الغُدَّة، وهي طاعون الإِبل (٤)، ومنه قولُ عامرِ بنِ الطُّفَيْلِ (٥) حِيْنَ انصرفَ عن رسولِ اللهِ - ﷺ -، فَطُعِنَ: أَغُدَّةً كَغُدَّةِ البعير وموتًا في بيت سلولية (٦). واسْتَحْجَى اللَّحْمُ تَغَيَّرَتْ رِيْحُهُ من المَرَضِ العارِضِ للبعيرِ (٧) ومِثْلُهُ الدَّخَنُ (٨).
_________________
(١) = عروقها. الفقيء: الذي يأخذه داء في البطن كما وصفناه فإن ذبح وطبخ امتلأت القدر منه دمًا. وفعيل يقال للذكر والأنثى.
(٢) هبط المرض لحمه نقصه وأحدره وهزله. وهبط اللحم نفسه نقص، وكذلك الشَّحم، وهبط شحم الناقة إذا اتّضع وقلّ. اللسان (هبط). والملحاء من البعير: الفِقَرُ التي عليها السنام، ويقال: هي ما بين السنام إلى العجز. وقيل: الملحاء لحم مُسْتَبْطِنِ الصُّلْب من الكاهل إلى العجز.
(٣) الزوال: الاضمحلال.
(٤) انظر الحاشية رقم (٨) في الصفحة السابقة. وقَرِمَ إلى اللحم قَرَمًا: اشتهاه. والقرم: شدّة الشهوة إلى اللحم.
(٥) انظر الحاشية (٧) في الصفحة السابقة.
(٦) عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر العامري، من بني عامر بن صعصعة: فارس قومه، وأحد فتاك العرب وشعرائهم وساداتهم في الجاهلية. كنيته أبو عليّ. ولد ونشأ بنجد. وكان يأمر مناديًا في "عكاظ" ينادي: هل من راجل فنحمله. توفي سنة ١١ هـ. الأعلام ٣/ ٢٥٢.
(٧) الفائق ٣/ ٥٥، وغريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ١٤٧، وفصل المقال ص ٣٧٤ ومجمع الأمثال للميداني ٢/ ٥٧، والوسيط في الأمثال ٦٩ و١٢٩، وانظر اللسان والتاج (غدد). وفي اللسان (غدد) وفي حديث عامر بن الطفيل: "غدّة كغدّة البعير وموت في بيت سلوليّة".
(٨) انظر اللسان (حجا) فالكلام نفسه.
(٩) دَخِنَ خلُقُه دَخَنًا فهو دَخِن: ساء وفسد وخَبُث. ورجل دخن الحسب والدِّين والعقل: مُتَغَيِّرُهنَّ.
[ ٧٣ ]
والفَقِيء (١) الذي يأْخذُهُ داءٌ يقال له: الحَقْوَةُ، فلا يَبولُ، ولا يَبْعَرُ، وربما سَلَحَ الدَّمَ، وربما شَرِقَتْ عُرُوقُه، ولَحْمُهُ بالدَّم، فَيَنْتَفِخُ، فإنْ ذُبِحَ، وطُبِخَ لَحْمُهُ امتلأت القِدْرُ (٢) منه دَمًا، وربما انفقأت (٣) كَرِشُهُ من شِدَّةِ انتفاخِهِ فهو الفَقِيْءُ (١) حينَئذٍ (٤). وقوله: "ولا هبطت ملحاؤها فيبين زوالها". وهبوط الملحاء يكون من عِظَم سنام الناقة يثقل السنام على الملحاء، فَيَهْبُطُ (٥).
° ومنها حديثٌ ذُكِرَ فيه "أنَّ عائشةَ (٦) ﵂ كانت تَأْخُذُ الزرنقة" (٧) والزَّرْنَقَةُ العِيْنَةُ (٨) ومنها حديثٌ رَواهُ أبو إسحاقَ (٩) عن البراءِ بن
_________________
(١) في صل: "الفَقْء".
(٢) في ط: "القدور".
(٣) في ط: "تفقّأت".
(٤) انظر الحاشية (٩) في الصفحة السابقة.
(٥) انظر الحاشية ١٠ في الصفحة السابقة، وفي ط: "فتهبط".
(٦) عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان، من قريش: أفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالدين والأدب. كانت تكنى بأم عبد الله، تزوجها النبي - ﷺ - في السنة الثانية بعد الهجرة. فكانت أحب نسائه إليه، وأكثرهن رواية للحديث عنه. وتوفيت في المدينة المنورة سنة ٥٨ هـ.
(٧) الفائق ٢/ ١٠٨، وغريب الحديث لابن الجوزي ١/ ٤٣٥، والنهاية ٢/ ٣٠١، واللسان والتاج (زرنق). وفي اللسان (زرنق): "الزَّرْنَقَةُ: العِيْنةُ. والعِيْنَةُ أن يشتري الشيء بأكثر من ثمنه إلى أجل، ثم يبيعه منه أو من غيره بأقل مما اشتراه. ومن هذا المعنى حديث عائشة: أنها كانت تأخذ الزُّرْنقة أي العِيْنَة". وفي حديث ابن المبارك لا بأس بالزرنقة. وانظر الفائق ٢/ ١٠٨، والنهاية ٢/ ٣٠١ - ٣٠٢.
(٨) انظر الحاشية السابقة.
(٩) هو أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله، من بني ذي يحمد ابن السبيع الهمداني الكوفي من أعلام التابعين الثقات. كان شيخ الكوفة في عصره. وكان من الغزاة المشاركين في الفتوح: غزا الروم في زمن زياد ست غزوات وعمي في كبره. توفي في سنة ١٢٧ هـ السير ٥/ ٣٩٢ وتهذيب التهذيب ٨/ ٦٣.
[ ٧٤ ]
عازِبٍ (١) قالَ: لمّا صالَحَ رسولُ اللهِ - ﷺ -، أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ صالَحَهُمْ على أَنْ يَدْخُلَها (٢) هو، وأصْحابُهُ ثَلاثةَ أَيَّامٍ، ولا يدخلونها إلّا بِجُلُبَّانٍ" (٣)؟ .
• الجُلُبَّانُ: أوْعِيَةُ السِّلاحِ بما فيها مثلُ (٤) الغِمْدِ. والسَّيْفُ فيه، والكِنانَة، والسِّهامُ فيها، ولا أراه سمي جُلُبَّانًا إلّا لِجَفائِهِ؛ ولذلك قيل للمَرْأةِ الجافية الغليظة (٥) جُلُبَّانَة (٦)، وقال (٧) حُميدُ بن ثَوْرٍ (٨) ﵁:
_________________
(١) هو أبو عمارة البراء بن عازب بن الحارث الخزرجي، قائد صحابي من أصحاب الفتوح، أسلم صغيرًا وغزا مع رسول الله - ﷺ - خمس عشرة غزوة: أولها غزوة الخندق، ولما ولي عثمان الخلافة جعله أميرًا على الري (بفارس) سنة ٢٤ هـ فغزا أبهر (غربي قزوين) وفتحها، ثم قزوين، فملكها، وانتقل إلى زنجان: فافتتحها عنوة. وعاش إلى أيام مصعب بن الزبير، فسكن الكوفة، واعتزل الأعمال. وتوفىِ سنة ٧١ هـ. السير ٣/ ١٩٤.
(٢) في ط: "أن يدخل".
(٣) رواه البخاري ٧/ ٣٨٥ - ٣٩١ في المغازي، وفي الحج، وفي الصلح، وفي الجهاد رقم ٣٠١٣، ومسلم رقم ١٧٨٣ في الجهاد، وأبو داود رقم ١٨٣٢ في المناسك، وأحمد في مسنده ٤/ ٢٨٩ و٢٩١ و٣٠٢ و٣٢٥ وانظر أيضًا: الفائق ١/ ٢٢٧، وغريب الحديث لابن الجوزي ١/ ١٦٣ والنهاية ١/ ٢٨٢ واللسان والتاج (جلب)، والغريبين ١/ ٣٧٤. وفي اللسان (جلب): وروي عن البراء بن عازب ﵁ أنه قال لما صالح رسول الله - ﷺ - المشركين بالحديبية: صالحهم على أن يدخل هو وأصحابه من قابل ثلاثة أيام ولا يدخلونها إلا بجُلُبَّان السلاح، قال فسألته ما جُلُبّان السلاح؟ قال: القِراب بما فيه. ورواه القتيبي بضم الجيم واللام وتشديد الباء. قال: وهن أوعية السلاح بما فيها. قال ولا أراه سمي به إلا لجفائه ولذلك قيل للمرأة الغليظة الجافية جُلُبّانة. وفي ط: "بجُلُبّان السلاح".
(٤) في ط: من بدل مثل.
(٥) في ط: "الغليظة الجافية".
(٦) وامرأة جُلُبَّانة وجِلِبّانة: مصوّتة صخّابة كثيرة الكلام سيئة الخلق صاحبة جلبة وقيل: الجافية الغليظة. وانظر الحاشية (٣) السابقة.
(٧) في ط: "قال".
(٨) حميد بن ثور أبو المثنى بن حزن الهلالي العلوي: شاعر مخضرم. عاش زمنًا في الجاهلية، وشهد حنينًا مع المشركين. وأسلم ووفد على النبي - ﷺ -، ومات في خلافة عثمان.=
[ ٧٥ ]
جُلُبَّانةٌ وَرْهاءُ تَخْصي حِمارَها بِفِيْ مَنْ بَغَى خَيْرًا لَدَيْها الجَلامِدُ (١)
وفي حديثٍ آخَر: (لا يَدْخُلُ مكةَ السلاح إلا السَّيْفَ في القرابِ) (٢).
° ومنها حديثٌ رَواهُ الفُضَيلُ (٣) بن مَرْزوقٍ (٤)، عن جَبَلَةَ بِنْتِ المُصْفَّح (٥)، عن أبيها قال عَلِيٌّ (٦): مَنْ كَذَبَ على رَسولِ اللهِ - ﷺ -، فإنّما يُدَمِّثُ مَجْلِسَهُ من النّار (٧)، وحَرَّكَ يَدَهُ حتى ثارَتْ قَسْطلانِيَّةٌ (٨).
_________________
(١) = وقيل: أدرك زمن عبد الملك بن مروان، وتوفي نحو سنة ٣٠ هـ. الأغاني ٤/ ٣٥٦.
(٢) البيت لحميد بن ثور، انظر ديوانه ص ٦٥، ويصف في البيت امرأة نزل عليها هو وصاحب له يقال له: أبو الخشخاش. والجلبانة ومثلها الجربانة: المرأة الصخابة السيئة الخلق. والورهاء: الحمقاء. وقوله: "تخصي حمارها" كناية عن قلة الحياء يقال: جاء كخاصي العير إذا وصف بقلة الحياء. والجلامد: الحجارة. وليست راء "جربانة" بدلًا من لام "جلبانة" وإنما هي لغة.
(٣) رواه البخاري رقم ٢٥٥٢ في الصلح، باب كيف يكتب: هذا ما صالح فلان بن فلان وهو طرف من حديث طويل فيه، وانظر أيضًا الحديث رقم ١٧٤٧ ورقم ٤٠٠٥. وانظر أيضًا المسند ٤/ ٢٩٢ و٢٩٨ و٣٢٥. وفي اللسان (جلب) وفي الحديث: لا تُدْخَلُ مكةُ إلا بِجُلْبان السلاح. جُلْبان السلاح: القراب بما فيه.
(٤) في صل: "الفضل"، هو خطأ. انظر الحاشية الآتية.
(٥) الفضيل بن مرزوق الأغر الرقاشي ويقال الرواسي الكوفي، أبو عبد الرحمن مولى بني عَنَزَة: محدِّث ثقةُ، صالح الحديث، صدوق، وكان من أئمة الهدى زهدًا وفضلًا. تهذيب التهذيب ٨/ ٢٩٨.
(٦) جَبَلَةُ بنتُ المُصَفَّح، أدركت النبي - ﷺ - روى عنها فُضَيل بن مرزوق. عن أبيها عن علي ﵁ وكرم وجهه. أسد الغابة ٤٧/ ٧، وتجريد أسماء الصحابة ٢/ ٢٥٤.
(٧) في ط: قال ﵇. وهو خطأ.
(٨) في الفائق ١/ ٤٣٨، وغريب الحديث لابن الجوزي ١/ ٣٤٧، والنهاية ٢/ ١٣٢، وفي اللسان (دمث): (ودمَّث الشيء مرسه حتى يلين. وَتدْميثُ المَضْجَع تليينه، وفي الحديث: من كذب علي فإنّما يدمّثُ مجلسه من النار أي يُمَهِّدُ ويُوَطِّئُ".
(٩) أي كثيرة الغبار، والقسطل: الغبار.
[ ٧٦ ]
• قَوْلُهُ: يُدَمِّثُ مجلسه (١) من الدَّمْث، وهو التُّرابُ السَّهْلُ اللَّيِّنُ، يريد فإنما يُوَطِّيءُ لنفسِهِ من النار كما يُوَطِّيءُ الرّجلُ مَجلِسَهُ بالدَّمْث، ومن هذا قيل للرَّجُلِ السَّهْلِ الأَخْلاقِ اللَّيِّنِ: دَمِثٌ (٢).
وقوله: "حتى ثارت قَسْطَلانِيَّةٌ" والقَسْطَلانِيَّةُ رِيْحٌ مَنْسوبَةٌ إلى القَسْطَلِ (٣)، وهو الغُبارُ. ومنه الحديثُ في وَقْعَةِ نَهاوَنْدَ: "إنّهم لما الْتَقَوا ثارَتْ قَسْطلانِيَّةٌ (٤) ".
° ومنها حديثٌ ذُكِر فيه "أنَّ رَجُلًا من أهْلِ الكِتابِ قالَ: ألم تر إلى كثْرَةِ دُعاءِ النَّاسِ وقِلَّةِ الإِجابَةِ ذلك (٥) أَنَّ اللهَ ﷿ لا يَقْبَلُ إلّا الناخِلَةَ" (٦).
• الناخِلَةُ: الخالِصُ من كُلِّ شَيْءٍ ومنه (٧) تَنَخَّلْتُ من القَوْم أَفاضِلَهُمْ وهذا مُتَنَخَّلُ الشِّعْرِ.
° ومنها حَديثٌ ذُكِرَ فيه "أنَّ جريرَ بنَ عبد اللهِ البَجَلِي (٨) قالَ: يا
_________________
(١) "مجلسه": ليس في ط.
(٢) اللسان والتاج (دمث).
(٣) بزيادة الألف والنون للمبالغة. اللسان (قسطل).
(٤) الفائق ٣/ ١٩٦، وغريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٢٤٣. وفيهما: "إن المسلمين والمشركين لَمّا التَقَوْا في وَقْعَةِ نَهَاوَنْد غَشِيَتْهُمْ رِيحٌ قَسْطَلانِيّةٌ" أي كثيرةُ الغُبَار، والقَسْطَلُ: الغُبَارُ". وَنهاوَنْد: مدينة عظيمة في قبلة همذان، ولها آثار عظيمة للفرس. مراصد الاطلاع ٣/ ١٣٩٧. وفي اللسان (قسطل): "وفي خبر وقعة نهاوَندْ: لما التقى المسلمون والفرس غشيتهم قسطلانية أي كثرة الغبار بزيادة الألف والنون للمبالغة".
(٥) في ط: "وذلك".
(٦) في الفائق ٣/ ٤١٦، وغريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٣٩٩ والنهاية ٥/ ٣٣. وفي اللسان (نخل): "نخل الشيءَ وتَنَخَّلَهُ وانتخله: صفّاه واختاره واستعصى أفضله وفي الحديث: "لا يقبل الله من الدعاء إلا الناخلة" أي المنخولة الخالصة فاعلة بمعنى مفعولة".
(٧) في ط: "ومنه يقال".
(٨) جرير بن عبد الله البجلي، أبو عمر، وقيل: أبو عبد الله: من أعيان الصحابة، وكان أميرًا =
[ ٧٧ ]
رسولَ اللهِ إنِّي رَجُلٌ قَلِعٌ فادعُ اللهَ لي" (١)؟ .
• والقَلِعُ (٢) الذي لا يَثْبُتُ على السَّرْجِ.
° ومنها حديثٌ ذُكِرَ فيه "أن رَجُلَيْنِ اخْتَصَما عندَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَغَضِبَ أحَدُهُما حتى كادَ يَتَمَزَّعُ أنْفُهُ" (٣)؟ .
• هذا الحرفُ قد ذَكَرَهُ أبو عُبَيْدٍ في كتابِهِ (٤)، وقال: أراه يَتَرَمَّغ أَنْفُهُ أي يكادَ يُرْعِدُ من شِدَّةِ الغَضَب، فإنْ كانَ المحفوظُ يَتَمَزَّعُ، ولم يكنْ على ما روى أبو عُبَيْدٍ، فإنّهُ من المُمَزَّعُ، وهو المُقَطعُ، يُقال: مَزًعَ اللَّحْمَ، وهذه مُزْعَةٌ من
_________________
(١) = نبيلًا جميلًا، بايع النبي - ﷺ - على النصح لكل مسلم، شارك في القادسية، ثم سكن الكوفة، ثم قرقيسياء، وقدم رسولًا من عليّ إلى معاوية، وذهبت عينه بهمذان عندما وليها لسيدنا عثمان ﵁. توفي سنة ٥١ هـ وقيل: سنة ٥٤ هـ. السير ٢/ ٥٣٠.
(٢) في الفائق ١/ ٣٨٩، وغريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٢٦٢، والنهاية ٤/ ١٠١ وانظره بصيغة ثانية في البخاري ٧/ ٩٩ في فضائل الصحابة، ومسلم رقم ٢٤٧٥ في فضائل الصحابة، وأحمد في المسند ٤/ ٣٦٠ و٣٦٢ و٣٦٥، والسير ٢/ ٥٣٣. وقد ضرب سيدنا محمد - ﷺ - في صدره وقال: اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًا، وورد أنه أصبح بعد هذه الدعوة من الفرسان. وفي اللسان (قلع) "ورجل قَلِعٌ وقِلْعٌ لم يثبت في البطش، ولا على السرج. وفي حديث جرير قال: يا رسول الله إني رجل قِلْعٌ فادع الله لي. قال الهروي: القِلْعُ الذي لا يثبت على السرج وقال: ورواه بعضهم بفتح الكاف وكسر اللام بمعناه، قال: وسماعي القِلْعُ".
(٣) في ط: "القلع، بلا واو".
(٤) غريب الحديث لأبي عبيد ٣/ ١٨٤ والفائق ٣/ ٣٦٤، وغريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٣٥٦، والنهاية ٤/ ٣٢٥ واللسان، والتاج (مزع) والمسند ٥/ ٢٤٠ وفي اللسان (مزع): "تمزّع غيظًا: تقطع. وفي الحديث: أنه غضب غضبًا شديدًا حتى تخيَّلَ لي أن أنفه يتمزّع من شدة غضبه أي يتقطع ويتشقق غضبًا. قال أبو عبيد: ليس يتمزّع بشيء ولكني أحسبه يترمّع، وهو أن تراه كأنه يرعد من الغضب، ولم ينكر أبو عبيد أن يكون التمزع بمعنى التقطّع وإنما استبعد المعنى. والمُزْعَة قطعة لحم".
(٥) أبو عبيد القاسم بن سلام، وكتابه غريب الحديث انظر ٣/ ١٨٤.
[ ٧٨ ]
اللَّحْمِ أي قطعة (١) قال: خبَيْبٌ (٢) ﵁:
وذلك في ذات الإله وإنْ يَشَأْ يُبارِكْ على أَوْصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ (٣)
° ومنها حديثٌ رواهُ أبو بَكْرِ بن عَيَّاشٍ (٤) عن دَهْثَم بن قُرَّان (٥) اليماميّ عن نِمْران بن جارِيةَ الحَنَفِي (٦) عن أَبيه أنّ قومًا اخْتَصموا في خُصّ (٧) فارْتَفَعُوا إلى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَبَعَثَ معهم حُذَيْفَةَ (٨)
_________________
(١) "أي قطعة": ليست في ط. وانظر الحاشية (٣) في الصفحة السابقة.
(٢) خُبَيْب بن عدي بن عامر بن مجدعة بن جَحْجَبَا الأنصاري الشهيد. شهد أحدًا، وكان فيمن بعثه النبي - ﷺ - مع بني لِحْيان، فلما صاروا بالرَّجيع، غدروا بهم، واستصرخوا عليهم، وقتلوا منهم: وأسروا خُبيبًا، وزيدَ بن الدَّثِنَة، فباعوهما بمكة، فقتلوهما بمن قتل النبي - ﷺ - من قومهم، وصلبوهما بالتنعيم سنة ٥ هـ. السير ١/ ٢٤٦.
(٣) البيت لخبيب بن عدي كما في البخاري حديث رقم ٢٨٨٠ و٣٧٦٧ و٣٨٥٨ و٦٩٦٧، ومسند أحمد ٢/ ٢٩٤ و٣١٠، وأسد الغابة ٢/ ١٢١، والسيرة ٢/ ١٧٦، وعيون الأثر ٢/ ٥٨، والاستبصار ٣٠٦، واللسان (مزع)، وجوامع السيرة ١٧٨، والوافي ١٣/ ٢٩٠، والطبري ٢/ ٥٤١.
(٤) هو أبو بكر بن عيَّاش بن سالم الأَسَدي، مولاهم الكوفيُّ الحنّاطُ، المقرئُ، الفقيهُ المحدِّثُ، شيخ الإِسلام، وبقيةُ الأعلام، مولى واصل الأحدب. وفي اسمه أقوال: أشهرها شعبة. توفي سنة ١٩٣ هـ. السير ٨/ ٤٣٥.
(٥) هو دَهْثَم، بمثلثة، ابن قُرَّان، بضم القاف وتشديد الراء، العُكْلي، ويقال: الحنفي، اليمامي. وهو محدّثُ كوفي: تركه أحمد، وقال أبو داود: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن معين في التاريخ ٢/ ١٥٦: ليس بشيء. التهذيب ٣/ ١١٣، والضعفاء الكبير ٢/ ٤٣.
(٦) نمران بن جارية بن ظفر الحنفي يروي عن أبيه. وعنه دهثم بن قران: ذكره ابن حبان في الثقات. قلت: وفي كتاب ابن أبي حاتم محله محل الإعراب، وقال أبو الحسن بن القطان: حاله مجهول. الكاشف ٣/ ٢٠٩، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٤٧٥.
(٧) الخص: بيت من شجر أو قصب والجمع أخصاص.
(٨) هو أبو عبد الله العبسي، حُذَيْفَة بن حِسل بن جابر، واليمان لقب حسل: صحابي، من الولاة الشجعان الفاتحين. كان صاحب سر النبي - ﷺ - في المنافقين، لم يعلمهم أحد غيره. توفي بالمدائن سنة ٣٦ هـ. السير ٢/ ٣٦١، والأعلام ٢/ ١٧١.
[ ٧٩ ]
فقضى (١) به حذيفة للذينَ يليهم القُمُطُ (٢) فأجازَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - (٣).
• القُمُطُ: جَمْعُ قِماطٍ، وهو الشِّدادُ والعِصَابُ (٤)، ومنه قِيلَ: قَمَطْت الصَّبِيَّ إذا شَدَدْتَهُ، وقيلَ لِلْخِرْقَةِ التي يُشَدُّ بِها: قِماطٌ (٥) أرادَ أنَّ خذَيْفَةَ قَضَى به لِلْقَوْمِ الذين كان الشَّدُّ، والعَقْدُ من ناحِيَتِهِمْ.
° ومنها حديثٌ ذُكر فيه أنّ النبيَّ - ﷺ -، قال: "الإِمامُ جُنَّةٌ" (٦)؟ .
• أراد (٧) أنه يَقِي المأْمُومِيْنَ مَأْثَمَ الزَّلَلِ والسَّهْوِ وما أشبه (٨) ذلك. شَبَّهَه بالتُّرْس الذي يَقي صاحِبَهُ من السِّلاحِ. والتُّرْسُ: يُقال لَهُ جُنَّةٌ وكذلك الدِّرْعُ (٩) والمِغْفَرُ (١٠).
قال أبو جعفر (١١): يقال أجنّة الليل كأنه ستره بسواده، ويقال للجنِّ جنُّ
_________________
(١) في ط: "فحكم به".
(٢) القُمُط: جمع قِمْطٍ وهو ما تشدّ به الأخصاص. ومنه معاقد القِمْطِ. والقمط أيضًا جمع قِماط وهو الخرقة العريضة التي تلفها على الصبيّ إذا قمط اللسان (قمط).
(٣) الفائق ٣/ ٢٢٦، وغريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٢٦٤، والنهاية لابن الأثير ٤/ ١٠٨. في اللسان والتاج (قمط): "وفي حديث شريح: أنه اختصم إليه رجلان في خُصٍّ فقضى بالخُصِّ للذى تليه القُمُطُ. وذلك أنه احتكم إليه رجلان في خص ادّعياه معًا، وقُمُطه شُرُطُه التي يوثَّقُ بها، ويُشَدُّ بها من ليف كانت أو من خوص فقضى به للذي تليه المعاقد دون من لا تليه معاقد القمط، ومعاقد القُمُط تلي صاحب الخص.
(٤) في صل: "العصب"، وهو خطأ.
(٥) انظر الحاشية (٢) السابقة.
(٦) النهاية ١/ ٣٠٨، وفيه وفي اللسان (جنن): "وفي الحديث: الإِمام جُنّة لأَنَّه، يقي المأمُومَ الزَّلَلَ والسَّهْو".
(٧) في ط: "أي".
(٨) في ط: "وأشباه".
(٩) اللسان والتاج (جنن).
(١٠) المِغْفَرُ: هو حلق يَتَقَنَّعُ به المُتَسَلِّح.
(١١) قوله: "قال أبو جعفر إلى آخر الكلام": ليس في ط. وانظر اللسان (جنن) فالكلام نفسه.
[ ٨٠ ]
لاستتارهم عن الأبصار. والجنين بسلاه مستتر في بطن أمه.
° ومنها حديثُ عمرو بنِ عَبَسَةَ (١) قالَ: قلتُ لرسولِ اللهِ - ﷺ -: هل مِنْ ساعَةٍ أقْرَبُ إلى اللهِ ﷿ من أُخْرى؟ قال: "نعم جَوْفُ اللَّيْلِ الآخرُ أفْضَلُ حتى تُصَلِّيَ الصُّبْحَ، ثم أَنْهِهْ حتى تطلع الشمس، وما دامت كأنها جَحْفةٌ حتى تنتشر" (٢) ثم ذكر الوضوء فقال: "إذا قامَ الرجلُ إلى الصَّلاةِ، فكان هَوْءُهُ وقَلْبُهُ إلى اللهِ ﷿ انصرفَ كما وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (٣).
• قوله: أَنْهِهْ (٤) مَعْناة انْتَهِ، ثم تُدْخِلُ الهاءُ بعد (٥): فَتَقولُ: انْتَهِهْ كما تقولُ اقْتَدِهْ. يقال (٦):
_________________
(١) هو أبو نجيح السُّلَميّ البجلي، عمرو بن عَبَسَة بن خالد بن حُذَيفة، الإِمام الأمير، أحد السابقين، ومن كان يُقال هو: ربعُ الإِسلام. روى أحاديث. وكان من أمراء الجيش يوم وقعة اليرموك، وسكن حمص. قال الذهبي: "لعله مات بعد سنة ستين. فالله أعلم". السير ٢/ ٤٥٦.
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في المسند ٤/ ٣٨٧، وانظر غريب الحديث لابن الجوزي ١/ ١٧٩. وفي اللسان (جوف): "وقوله في الحديث: أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخِرُ أي ثلثه الآخِرُ. وهو الجزء الخامس من أسداس الليل". وفيه (نهي): "واِنْهَ بمعنى انتهِ وفي الحديث: قلت يا رسول الله هل من ساعة أقرب إلى الله؟ قال: نعم جوف الليل الآخر فصَلَ حتى تصبح، ثم أنْهِهْ حتى تطلع الشمس. قال ابن الأثير: قوله أنْهِهْ بمعنى انْتَهْ فإذا أمرت قلت أَنْهِهْ، فتزيد الهاء للسكت كقوله تعالى فبهداهم اقتدِهْ فأجرى الوصل مجرى الوقف". الجحفة: الترس. لاستدارته.
(٣) غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٥٠٣، والنهاية لابن الأثير ٥/ ٢٨٠. وفي اللسان هوأ: "الهَوْءُ الهِمَّةُ"، وفي الحديث إذا قام الرجل إلى الصلاة، فكان قلبه وهوءه إلى الله انصرف كما ولدته أمه".
(٤) في ط: "انهَه"، وهو خطأ.
(٥) "بعد": ليست في ط.
(٦) قوله: "يقال أنهى الرجل إذا انتهى. فإذا أمرت قلت: أَنْهِ يا فلان. كما تقول انْتَهِ ثم تُدخل الهاء فتقول: أنْهِهْ كما يقول: إِقْتَدِهْ. إلَّا أن الألف من أَنْهِهْ مفتوحة والألف من اقْتَدِهْ مكسورة": ليس في ط.
[ ٨١ ]
أنهى الرجل (١) إذا انتهى. فإذا أمرت قلت: أَنْهِ يا فلان، كما تقول انْتَه، ثم تُدخل الهاء، فتقول: أَنْهِهْ كما تقول: إِقْتَدِهْ. إلا أن الألف من أَنْهِهْ مفتوحة والألف من اِقْتَدِهْ مكسورة (٢). والهَوْءُ الهِمَّةُ. قال رؤبة (٣).
"لا عاجِزُ الهَوْءِ ولا جَعْدُ القَدَمْ" (٤)
° ومنها قَوْلُهُ (٥): "القَ الفاجِرَ بوجهٍ مُكْفَهِرٍّ" (٦)؟ .
• أيْ غَليظٍ صُلْبٍ، يُريدُ لا تَسْتَبْشِرْ لَهُ، ولا تستحيِ منهُ، يُقالُ: سحابٌ
_________________
(١) انظر الحاشية (٢) في الصفحة السابقة.
(٢) انظر الحاشية (٦) في الصفحة السابقة.
(٣) هو أبو الجَحَّاف التميمي السعدي، رُؤْبَة بن عبد الله العَجَّاج بن رؤبة: راجز، من الفصحاء المشهورين، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. كان أكثر مقامه في البصرة، وأخذ عنه أعيان أهل اللغة، وكانوا يحتجون بشعرة، ويقولون بإمامته في اللغة. مات في البادية سنة ١٤٥ هـ. السير ٦/ ١٦٢، والأعلام ٣/ ٣٤.
(٤) البيت ليس في ديوان رؤبة ولعله ليس لرؤبة وهو في ديوان العجّاج ١/ ٤٣٠ والشاهد أيضًا في اللسان والتاج (هوأ) و(جعد)، والجمهرة ١/ ١٢٣ و١٩٢ و٣/ ٢٩١ وكتاب الهمز ص ٢٥ - ٢٦، والأمالي ٢/ ٩٠، والسمط ٢/ ٧٢٩. وبعده في الديوان: وَلَا قَضِيًّا بالقَضاء المتَّهَمْ والهَوْءُ: الهمَّة، يقالُ: هاءَ بنفسه يَهُوْءُ هَوْءًا، يرفعها ويسمو بها إلى المعالي. ويقال: إن فلانًا لبعيد السَّأْو، أي الهمَّة، ولا جعد القدم، يقول: هو واسع الخطوة ليس بضيِّقها، وهذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ. قال ابن دريد بعد إنشاد البيت: "العرب تعيب بكزازة القدم"، جمهرة اللغة ١/ ١٢٤. وفي اللسان: "وقَدَمٌ جَعْدَةٌ: قصيرةٌ من لُؤْمِها" ثم أنشد البيت.
(٥) أي ابن مسعود: انظر اللسان (كفهر). والحاشية الآتية.
(٦) الفائق ٣/ ٢٦٨، وغريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٢٩٧ وغريب الحديث للهروي ٤/ ١٣٨، والنهاية ٤/ ١٣٨. وفي اللسان (كفهر): ووجه مُكْفَهِرٌّ: قليل اللحم، غليظ الجلد، لا يستحي من شيء. وقيل: هو العبوس، ومنه قول ابن مسعود: إذا لقيت الكافر فالقه بوجه مكفهّر أي بوجه منقبض عابس قطوب لا طلاقة فيه.
[ ٨٢ ]
مُكْفَهِرٌ إذا كانَ كثيفًا (١) وجيش مُكْفَهِرٌ.
° ومنها قولُ عائِشَةَ (٢) في سَوْدَةَ (٣) "إنّها كانت امرأةً ثَبِطَةً" (٤).
• الثبطة: البطيئة (٥)، ومنه يقال: ثَبَّطْتُ فُلانًا عن الأمْرِ. وقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ (٦)
° ومنها قولُ النَّبِيِّ - ﷺ -: "مَنْ رَكِبَ البَحْرَ إذا اِرْتَجَّ" (٧)؟ .
• هذا الحرف يَرْويهِ أبو عُبَيْدٍ (٨)
_________________
(١) المكفهر من السحاب: الذي يغلُظ وَيَسْوَدّ ويركب بعضه بعضًا. اللسان (كفهر).
(٢) عائشة: سبقت ترجمتها.
(٣) سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشية: إحدى أزواج النبي - ﷺ -. تزوّجها النبي - ﷺ - بعد وفاة زوجها السكران بن عمرو بن عبد شمس، وبعد وفاة خديجة. توفيت في المدينة المنورة سنة ٥٤ هـ. الأعلام ٣/ ١٤٥.
(٤) الفائق ١/ ١٦٣، والغريبين ١/ ٢٧٣، وغريب الحديث لابن الجوزي ١/ ١١٨، والنهاية ١/ ٢٠٧. ورواه ابن سعد ٨/ ٥٥ و٥٦، والبخاري ٣/ ٤٢٣، ومسلم رقم ١٢٩٠ وأحمد في المسند ٦/ ١٦٤، والنسائي ٥/ ٢٦٦، وابن الأثير في أسد الغابة ٧/ ١٥٨، والذهبي في السير ٢/ ٢٦٨. وفي اللسان (ثبط): "ثبّطه عن الشيء تثبيطًا، وثَبَطَة ثَبْطًا: شغله عنه وردّه وريّثه وثبّته. وفي الحديث: كانت سودة امرأة ثَبِطَةً أي ثقيلة بطيئة من التثبيط وهو التعويق والشغل عن المراد".
(٥) قوله: "الثبطة البطيئة". ليس في ط.
(٦) الآية ٤٦ من سورة التوبة. وانظر القرطبي ٨/ ١٥٦.
(٧) الفائق ١/ ٢٤، وغريب الحديث للهروي ١/ ٢٧٥، وانظر مسند أحمد بن حنبل ٥/ ٧٩ و٢٧١. وفي اللسان (رجج): "وارتجَّ البحرُ وغيره: اضطرب، وفي الحديث: من ركب البحر حين يرتجّ فقد برئت منه الذمّة. يعني إذا اضطربت أمواجه وهو افتعل من الرّجّ. وهو الحركة الشديدة. وروي أَرتَجَ من الإِرتاج الإغلاق فإن كان محفوظًا فمعناه أغلق عن أن يركب وذلك عند كثرة أمواجه". وانظر اللسان (رتج) والحاشية (٥) الآتية.
(٨) هو أبو عبيد، القاسم بن سلام الهروي الخراساني البغدادي: من كبار العلماء بالحديث =
[ ٨٣ ]
إذا ارْتجّ تقدير (١) افتعل (٢) بمعنى اضْطَرَبَ، واخْتَفَقَتْ أصواته (٣)، فإنْ كان المحفوظُ أَرْتَجَ كما ذكرت (٤) فمعناه أُغْلِقَ، ومعناه أنْ يَهُب، وتَكْثُرَ أمواجُهُ، ولا يَسْتَطيعُ أَحَدٌ أَنْ يَرْكَبَهُ، فذلك إغْلاقهُ، وكذلك الثَّلْجُ يُرْتِجُ، فلا يَسْتطيعُ المُسافِرُ أَنْ يَرْكَبَ الطَّريقَ (٥).
° ومنها حديثٌ رَواهُ ابنُ لَهِيْعَةَ (٦) عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ أبي جَعْفَرٍ (٧) قال: "رأيتُ على عبد اللهِ بنِ الحارِثِ (٨) عمامةً حَرْقانِيَّةً" (٩)؟ .
_________________
(١) = والأدب والفقه. من أهل هراة، ورحل إلى بغداد ثم إلى مصر، وحجّ فتوفي في مكة سنة ٢٢٤ هـ. وانظر غريب الحديث لأبي عبيد الهروي ١/ ٢٧٥.
(٢) في ط: "تقديره".
(٣) "افتعل": ليست في ط.
(٤) في ط: "أمواجه".
(٥) في ط: ذكر.
(٦) في اللسان (رتج): "أرتج البحر إذا هاج وكثر ماؤه فعَمَّ كل شيء وكذلك إرتاج البحر لا يجد صاحبه منه مخرجًا، وإرتاج الثلج: دوامه وإطباقه، وإرتاج الباب منه. التهذيب: قال شمر: من ركب البحر إذا أَرْتَجَ فقد برئت منه الذمّة".
(٧) هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن لهيعة بن فرعان الحضرمي المصري: قاضي الديار المصرية وعالمها ومحدّثها في عصره، قال الإِمام أحمد بن حنبل: ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة، وقال سفيان الثوري: عند ابن لهيعة الأصول، وعندنا الفروع. توفي بالقاهرة سنة ١٧٤ هـ. السير ٨/ ١٠ والأعلام ٤/ ١١٥.
(٨) هو أبو بكر المصري، عبيد الله بن أبي جعفر الكناني، واسم أبيه يسار: الإِمام الحافظ، فقيه مصر، كان عالمًا زاهدًا عابدًا، توفي سنة ١٣٢ هـ. تهذيب التهذيب ٧/ ٥، وَالسير ٦/ ٨.
(٩) هو عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي صحابي سكن مصر، وعمي قبيل وفاته، روى عنه المصريون أحاديث، وهو آخر من مات بمصر من الصحابة. وقد توفي في سنة ٨٦ هـ. السير ٣/ ٣٨٧.
(١٠) انظر طبقات ابن سعد ٧/ ٤٩٧. وهو حديثٌ عن سيدنا محمد كما في سنن النسائي =
[ ٨٤ ]
• وهذا الحرف تفسيره في الحديث. قيل (١): الحَرْقانِيةُ السَّوْداءُ، ولست أدري من أَيِّ شَيْءٍ أُخِذَ؟ .
_________________
(١) = ٨/ ٢١١ حديث رقم ٥٣٤٣ "لبس العمائم الحرقانية" وفيه: "رأيت على النبي - ﷺ - عِمَامة حَرْقَانِيَّةً" وانظر في ذلك الفائق ١/ ٢٧١، وغريب الحديث لابن الجوزي ١/ ٢٠٧، والنهاية ١/ ٣٧٢. وفي اللسان (حرق): "وفي حديث الفتح: دخل مكة وعليه عمامة سوداءُ حرقانيّة، جاء في التفسير أنها السوداء، ولا يدري ما أصله؟ قال الزمخشريّ: هي التي على لون ما أحرقته النار كأنها منسوبة بزيادة الألف والنون إلى الحَرَق بفتح الحاء والراء. قال: ويقال: الحَرْق بالنار والحَرَق معًا".
(٢) في صل: "قبل"، ولعل الصواب "قيل" كما أثبتناها.
[ ٨٥ ]