٩ - سألت: هل كانت العرب قبل نزول القرآن، وقبل مبعث النبيّ - ﷺ - (١) تستوي في المعرفة من جهة (٢) اللغة بجميع الأسماء التي في القرآن، وما تحتها من المعاني؟ .
* والعربُ لا تستوي في المعرفةِ بجميع ما في القرآنِ من الغريب، والمتشابه، بل لبعضِها الفضلُ في ذلك على بعضٍ؛ والدليلُ عليه قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ (٣): ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (٤) ونحنُ نذهبُ إِلَى أن الراسخينَ في العلمِ يعلمونَهُ على ما بَيَّنا، فأَعْلَمَنا اللهُ ﵎ أنّ من القرآنِ ما لا يعلمُهُ من العرب إلَّا من رسخَ في العلمِ. ويدلُّ عليهِ قولُ بعضِهِمْ: يا رسولَ اللهِ إنّك لتأتينا بالكلامَ من كلام العرب ما نعرفُهُ ونحنُ العربُ حقًّا. فقال: "إن ربي علمني فتعلمت" (٥)، وكذلك مذهبُهَا في الشِّعرِ ليس كُلُّها يقولُهُ، وإنّما يقولُهُ في القبيلةِ الواحدُ والاثنان، وكانَ الغلامُ إِذَا بلغَ. فقالَ من الشعرِ شيئًا هَنِيءَ بهِ
_________________
(١) في ط: "صلّى الله تعالى عليه".
(٢) في ط: "من جميع".
(٣) تختلف ألفاظ التعظيم بين المخطوط والمطبوع، ولم نرَ فائدة لذكر هذا الاختلاف، وأكثر ما يتكرر لفظ (جلَّ وعزَّ).
(٤) الآية ٧ من سورة آل عمران. وفي صل: (لا يعلم) وهو خطأ من النّاسخ.
(٥) لم نجد هذا الحديث بهذا اللفظ في مراجعنا، ويبدو أن ابن قُتَيْبَة رواه بالمعنى وأصله: "أدبني ربي فأحسن تأديبي". انظر المقاصد الحسنة للسخاوي ص ٧٣ - ٧٤.
[ ٤٨ ]
قومُهُ، واستَبْشَرَتْ به عَشِيرَتُهُ ورَشَّحوهُ للمنافَحَةِ عنهم، والذَّبِّ عن أَعْرَاضِهِم (١) قَالَ الأَعْشى:
أُدافِعُ عَنْ أَعْرَاضِكُمْ وَأُعِيْرُكُمْ لِسَانًا كَمِقْرَاضِ الخَفَاجِيِّ مِلْحَبَا (٢)
وقال جرير (٣) لقومِهِ:
أَلَمْ أَكُ نَارًا يَصْطَلِيْهَا عَدُوُّكُمْ وَحِرْزًا لِمَا أَلْجَأْتُمُ مِنْ وَرَائِيَا (٤)
وكذلك هي (٥) في الغريب ليس كُلُّها تَسْتَوي (٦) في العِلْمِ بِه، وَلَا كلامُها كُلُّهُ واضحًا (٧) عندَها، بل مِنْهُ المُبْتَذَلُ، ومنهُ الغريبُ الوحشيُّ الذي إنَّما يَعْرفُهُ العالِمُ مِنْهُمْ، وقد يَخْتَلِفونَ في الحروفِ (٨) كما نختلفُ، ويقول العالِمُ في الشَّيْءِ
_________________
(١) كانت القبيلة من العرب إِذَا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنّأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر، كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والوِلْدان؛ لأنه حماية لأعراضهم، وذبٌّ عن أصحابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم، وكانوا لا يهنئون إلَّا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تُنْتَج. العمدة لابن رشيق ١/ ٦٥.
(٢) ديوان الأعشى ص ١١٧ وهو فيه: وَأدْفَعُ عن أعراضكم وملحب: قاطع. وخفاجة: حيّ من بني عامر، والخفاجيّ نسبة إليه. ومعنى البيت: سأدفع عن أعراضكم، وأضع في خدمتكم لسانًا قاطعًا كأنه المقراض.
(٣) هو أَبُو حَزْرَة، جرير بن عطية بن حذيفة الخَطفَى اليربوعيّ التميميّ: أشعرُ أهل عصره. عاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم، ولم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل. ولد ومات في اليمامة سنة ١١٠ هـ. الشعر والشعراء ١/ ٤٦٤، والأغاني ٣/ ٨، والأعلام ٢/ ١١٩.
(٤) ديوان جرير ١/ ٨٠ وروايته فيه: لقد كنت نارًا يصطليها والحرز: المكان المنيع يلجأ إليه.
(٥) في ط: "هنا". وهو خطأ.
(٦) في ط: "يستوي".
(٧) في ط: "واضح".
(٨) قوله: "في الحروف" ليس في ط.
[ ٤٩ ]
يُسْأَلُ عَنْهُ من اللغةِ: لا أعرفُهُ، ويعرفُهُ غيرُهُ، فيُخْبِرُ بِهِ.
ولهم علومٌ يتوارثها (١) آخِرٌ عن أوَّلَ كالنُّجومِ (٢) ومناظِرِهَا وأَنْوائِها، والاهتداءِ بِها، والبُروقِ والرياحِ والسحابِ (٣)، وعلمٍ بالخيلِ والإِبِلِ والنَّبَاتِ.
هذا إِلَى ما خُصُّوا بِهِ في (٤) القَيافَةِ (٥)، والطَّرْقِ (٦)، والزَّجْرِ (٧)، وإنَّما يكونُ ذلك في الواحِدِ مِنْهُمْ، والاثنينِ في القبيلَةِ وسائرُ من فيها منهم (٨) لا يعرف من ذلك إلَّا النَّبْذَ اليسيرَ.
_________________
(١) في ط: "يتوارثونها"، وهو خطأ.
(٢) في ط: "بالنجوم".
(٣) في ط: "والسحاب والرياح".
(٤) في ط: "من".
(٥) قافَ الأثر قيافة، فهو قائف: وهو الذي يتتبع الآثار، ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه. لسان (قوف)، وانظر بلوغ الأرب للآلوسي ٣/ ٢٦١.
(٦) الطَّرْقُ: الضَّرْبُ بالحصى، وهو ضرب من التكَهُّنِ. لسان (طرق)، وانظر بلوغ الأرب للآلوسي ٣/ ٣٢٣.
(٧) الزَّجْرُ: العِيافَة، وهو ضرب من التكَهُّنِ. والزجر للطير هو التَّيَمُّنُ، والتشاؤم بها، والتَّفَوُّلُ بطيرانها، كالسانح والبارح، وكذلك الزَّجر للدواب. والإِبل، والظباء؛ والسباع. وسمي الكاهن زاجرًا. لسان (زجر). وانظر بلوغ الأَرب للآلوسي ٣/ ٣١٢.
(٨) قولُه: "منهم" ليس في ط.
[ ٥٠ ]