٣٥ - سَأَلْتَ عن حَديثِ الزُّهْرِيِّ (١)، عَنْ أَبي سَلَمَةَ (٢)، عن أبي هُرَيْرَةَ (٣) عن النَّبيِّ - ﵇ -: "أنا أَحَقُّ بالشَّكِ مِنْ أبي إِبْراهيمَ، وَرَحِمَ اللهُ لُوطًا لقد كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَديدٍ، ولو دُعِيْتُ إلى ما دُعِيَ إِلَيْهِ يُوسُفُ لأَجَبْتُ" (٤).
* أَمَّا قَوْلُهُ: أَنا أَحَقُّ بالشَّكِّ من أبي إِبْراهيمَ، فإِنَّهُ لهذا نَزَل عَلَيْهِ: ﴿وإذْ
_________________
(١) هو أبو بكر الزهري، محمَّد بن مسلم بن عبد الله ابن شهاب، من بني زهرة بن كلاب، من قريش، أول من دوّن الحديث، وأحد أكابر الحفاظ والفقهاء. تابعي، من أهل المدينة. كان يحفظ ألفين ومئتي حديث، نصفها مسند. مات بشَغْب، آخر حدّ الحجاز وأول حدّ فلسطين في سنة ١٢٤ هـ. السير ٥/ ٣٢٦، وفيات الأعيان ٤/ ١٧٨، الأعلام ٧/ ٩٧.
(٢) هو أبو سلمة القرشي الزهري، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل بن عبد الرحمن بن عوف: الحافظ، أحد الأعلام بالمدينة المنورة، من التابعين وكان بحرًا في العلم، توفي بالمدينة سنة ٩٤ هـ. السير ٤/ ٢٨٧، التهذيب ١٢/ ١١٥، طبقات الحفاظ للسيوطي ٩٣.
(٣) هو أبو هريرة الدوسي، عبد الرحمن بن صخر، صحابي كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث ورواية له. نشأ يتيمًا ضعيفًا في الجاهلية، وقدم المدينة ورسول الله - ﷺ - بخيبر، فأسلم سنة ٧ هـ، ولزم صحبة النبي، فروى عنه ٥٣٧٤ حديثًا، نقلها عن أبي هريرة أكثر من ٨٠٠ رجل بين صحابي وتابعي. ولما صارت الخلافة إلى عمر استعمله على البحرين، ثمَّ رآه لين العريكة مشغولًا بالعبادة فعزله. وكان أكثر مقامه في المدينة وتوفي فيها سنة ٥٩ هـ. حلية الأولياء ١/ ٣٧٦، السير ٢/ ٥٧٨، الأعلام ٣/ ٣٠٨.
(٤) رواه البخاري ٦/ ٢٩٣، ٢٩٥ في الأنبياء، ومسلم رقم ١٥٢ في الفضائل. و١٥١ في الإيمان، والترمذي رقم ٣١١٥ في التفسير، وانظر جامع الأصول ٢/ ٥٤ - ٥٥.
[ ١١٣ ]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١) قَالَ قَوْمٌ سَمِعوا الآيَةَ: شَكَّ إِبْراهيمُ، ولم يَشُكَّ نَبِيُّنا - ﷺ -، فقَالَ رَسولُ اللهِ ﵇: "أَنا أَحَقُّ بالشَّكِّ مِنْ إِبْراهيمَ" تَواضُعًا مِنْهُ، وَتَقْديمًا لإِبْراهيمَ على نَفْسِهِ؛ يُريدُ أنّا لم نَشُكَّ، وَنَحْنُ دُونَهُ، فكَيْفَ يَشُكُّ هُوَ؟ وَمِثْلُ هذا مِنْ تَواضُعِهِ - ﷺ -.
* قَوْلُهُ: "لا تُفَضِّلُوني على يُونُسَ" (٢) فاخْتَصَّ يُونُسَ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ العَزْمِ مِن الرُّسْلِ؛ يُريدُ فإذا كُنْتُ لا أُحبُّ أَنْ أُفَضَّلَ على يُونُسَ - ﷺ -، فَغَيْرُهُ مِن الأَنْبِياءِ الذينَ هم فَوْقَهُ في الدَّرَجَةِ كإِبْراهيمَ وإسْماعيلَ وإسحاقَ ومُوسى وعِيسى أَحْرَى بل لا أُحِبُّ أَنْ أُفَضَّلَ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ هذا ناقِضًا لقَوْلِهِ: "أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ولا فَخْرُ" (٣) أنا سَيِّدُهم يَوْمَ القِيامَةِ بِفَضْلِ اللهِ عَلَيَّ، وإِنْعَامِهِ لْا بِعَمَلِيْ. وكذلك أُمَّتُهُ أَسْهَلُ الأُمَمِ مِحْنَةً بَعَثَهُ اللهُ إِلَيْها بالحِنيفِيّةِ السَمْحَة، وَوَضَعَ عَنْهُ الإِصْرَ، والأَغْلالَ التي كانَتْ عَلَى بَني إسْرائيلَ في فَرائِضِهِمْ، وهيَ مع هذا خَيْرُ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ بِفَضْلِ اللهِ (٤).
• وتَأْوِيلُ قَوْلِ إبْراهيمَ - ﷺ -: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أَنْ يَطْمَئِنَّ بِيَقينِ النَّظَرِ. واليَقينُ جِنْسانِ: أَحَدُهُما يَقينُ السَّمْع، والآخَرُ يَقينُ البَصَرِ. ويَقينُ البَصَرِ أَعْلاهُما؛ ولذلك قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "لَيْسَ المُخْبِرُ كالمُعايِنِ" (٥). حيْنَ ذَكَرَ قَوْمَ مُوسَى
_________________
(١) الآية ٢٦٠ من سورة البقرة.
(٢) رواه البخاري ٦/ ٣٢٤ في الأنبياء، ومسلم رقم ٢٣٧٧ في الفضائل، وأبو داوود رقم ٤٦٦٩ في السنّة، و٤٦٧٠ في السنة.
(٣) رواه الترمذي رقم ٣١٤٧ في التفسير و٣٦١٥ في المناقب و٣٦١٨ في المناقب، ومسلم رقم ٢٢٧٨ في الفضائل، وأبو داوود رقم ٤٧٦٣ في السنة، وابن قيّم الجوزية في زاد المعاد ١/ ٩٦.
(٤) الكلام نفسه تقريبًا في كتاب ابن قتيبة تأويل مختلف الحديث ١١٦ - ١١٧.
(٥) انظر مسند الشهاب ٢/ ٢٠١، ومسند أحمد ١/ ٢١٥، ٢٧١، والمقاصد الحسنة ٥٥٨، وكشف الخفاء ٢/ ٢٣٦، والفتح الكبير ٣/ ٥٨، والمستدرك ٢/ ٣٢١، ومجمع الزوائد =
[ ١١٤ ]
﵇ قَالَ: فَلَمّا أَعْلَمَهُ اللهُ أَنَّ قَوْمَهُ عَبَدُوا العِجْلَ، فَلَمْ يُلْقِ الأَلْواحَ، فَلَمَّا عَايَنَهُمْ عَاكِفِينَ غَضِبَ، وأَلْقَى الأَلْواحَ حَتَّى انْكَسَرَتْ. وكذلك المُؤْمِنُونَ بِالقِيامَة، والبَعْث، وَالْجَنَّة، والنَّارِ مُسْتَيْقِنُونَ أَنَّ ذلك كُلَّهُ حَقٌّ، وَهُمْ في القِيامَةِ عِنْدَ النَّظَر، والعِيانِ أَعْلى يَقينًا، فأرادَ إِبْراهيمُ - ﷺ - أَنْ يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بالنَّظَرِ الذي هُوَ أَعْلَى اليَقينِ.
• وأمَّا قَوْلُهُ: "رَحِمَ اللهُ لُوطًا إِنْ كانَ لَيَأْوِي إلى رُكْنٍ شَديدٍ" فإِنّه أَرادَ قَوْلَهُ لِقَوْمِهِ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَو آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (١) يُريدُ سَهْوَهُ في هذا الوَقْتِ الذي ضَاقَ فيه صَدْرُهُ، واشْتَدَّ جَزَعُهُ بما دَهِمَهُ مِنْ قَوْمِهِ حَتَّى قال: ﴿أَو آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ وَهُوَ يَأْوِي إلى اللهِ - جَلَّ وَعَزَّ - أَشَدِّ الأَرْكانِ قالوا: فَمَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا بَعْد لُوْطٍ ﵇ إلّا في ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ.
• وأَمَّا قَوْلُه: "لَوْ دُعِيْتُ إِلى ما دُعِيَ إِلَيْهِ يُوسُفُ لأجَبْتُ" يُرِيْدُ حِيْنَ دُعِيَ للإِطْلاقِ مِن الحَبْسِ بَعْدَ الغَنِّم الطَّوِيل، فَقَالَ للرَّسُولِ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ (٢)، ولم يَخْرُجْ مِن الحَبْسِ في وَقْتِهِ يَصِفُهُ بالأَناةِ، والصَّبْر، وَقالَ: لو كُنْتُ مَكانَهُ، وَدُعِيْتُ إلى مَا دُعِيَ إِلَيْهِ مِن الخُروجِ مِن الحَبْسِ لأَجَبْتُ، وَلَمْ أَتَلَبَّثْ. وهذا أَيْضًا جِنْسٌ مِنْ تَواضُعِهِ - ﷺ - لا أَنَّهُ كَانَ ﵇ لَوْ كانَ مَكَانَ يُوسُفَ، فَبَادَرَ، وَخَرَجَ، أَو على يُوسُفَ - ﷺ -، لَوْ خَرَجَ مِن الحَبْسِ مَعَ الرَّسُول، نَقْصٌ، ولا إِثْمٌ، وإِنما أَرَاْدَ أَنَّهُ لم يَكُنْ يَسْتَثْقِلُ مِحْنَةَ اللهِ لَهُ، فَيُبَادِرُ، ويَتَعَجَّلُ، ولكنّهُ كَانَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا (٣).
_________________
(١) = ١/ ١٥٣، والكنز الثمين ٤٨٨، وصحيح الجامع الصغير ٥/ ٨٧، وأَسْنى المطالب ١٢١٣، والتمييز ١٣٥، وفيض القدير ٥/ ٣٥٧، ولباب الآداب ٣٣٠، وتأويل مختلف الحديث ٩٧.
(٢) سورة هود الآية ٨٠.
(٣) الآية ٥٠ من سورة يوسف.
(٤) الكلام نفسه تقريبًا في كتاب ابن قتيبة تأويل مختلف الحديث ٩٧ - ٩٨.
[ ١١٥ ]