٥٧ - سَألْتَ عن قولِ رسولِ اللهِ - ﷺ -: "إنَّ اللهَ حَرَّمَ من الرَّضاعَةِ ما حَرَّمَ من النَّسَبِ" (١) وفي حديثٍ آخَرَ "ما حَرَّمَ من الوِلادَةِ" (٢)؟ .
• وأنا (٣) أُعَرِّفُكَ مَوْضِعًا يتساوى [فيه] (٤) الرَّضَاعُ والنَّسَبُ في التَّحْريمِ. والرَّضَاعُ قد يُساوِي النَّسَبَ، فَيُحَرمُ مِنْهُ كما يُحَرَّمُ من النَّسَبِ. وقد يتساويان فيحرّم أحدهما، ولا يحرّم الآخر (٥) المُحرّمة وسأبين ذلك إن شاء الله.
أما الموضع الذي يتساوى فيه النسب والرضاعة فَيُحَرِّمان، فهي الظِئْرُ تُرضِعُ رجلًا، فتحرم عليه كما تَحْرُمُ أُمُّهُ، وتَحْرُمُ عليه كما تحرُمُ خالتُهُ، وتحرُم عليه ابنتُها كما تحرُمُ أُخْتُهُ، وتحرمُمُ عليه أُمُّها كما تحرُمُ عليه جَدّتُهُ، وتحرم عليه عَمَّتُها؛ لأنّها كعمةِ أُمِّه، وخالَتُها لأنّها كخالةِ أُمِّهِ. فهذا وما أَشْبَهَهُ يستوي فيه الرِّضاعُ والنَّسبُ.
_________________
(١) رواه الترمذي رقم ١١٤٦ في الرضاع، باب ما جاء يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح، وهو كما قال، قال: وفي الباب عن عائشة، وابن عباس، وأم حبيبة، قال: والعمل على ذا عند عامة أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -، ولا نعلم بينهم في ذلك اختلافًا.
(٢) رواه البخاري في كتاب فرض الخمس، باب ما جاء في بيوت أزواج النبي - ﷺ - حديث رقم ١٢٨٥، ومسلم في كتاب الرضاع، حديث رقم ١، والترمذي رقم ١١٤٧، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وهو كسابقه. وانظر أيضًا تأويل مختلف الحديث للمؤلف ١٩٤ - ١٩٦.
(٣) كلمة مطموسة ولعلها: أنا كما أثبتناها.
(٤) زيادة لا بد منها لاستقامة السياق.
(٥) كلام مطموس بمقدار ثلاث كلمات.
[ ١٧٦ ]
وأما الموضع الذي تكون في أحدهما علّة تُحَرِّمُهُ، ولا تكون في الآخَر فإنّهُ لا بَأْسَ أنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ ظِئْرَ ابنتِه، وابنةَ ظِئْرِ بِنْتِه، وهي أختُ بِنْتِهِ بالرَّضاع، ولا يكون مِثْلُ هذا في النَّسَبِ؛ لأَنَّهُ لا يكون لابنتِهِ أُخْتٌ بالنَّسَب إِلَّا من قِبَلِ أُمِّه، أو من قِبَلِ أُمِّها، وهي زوجةٌ. فإنْ كانت من قِبَلِهِ فهي بِنْتُهُ، وإِنْ كانت أُخْتُها لأُمِّها فهي رَبِيبَتُهُ، وقد حَرَّمَ اللهُ نِكاحَ الرَّبائِب اللاتي (١) دُخِلَ بأُمَّهاتِهِنَّ. ومن ذلك أَنّهُ لا بأسَ أن يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ أُختَ أَخيهِ لأُمِّهِ بالنسبِ كأنّ رجلًا له أخٌ لِأَبيهِ ولِأَخيهِ أُخْتٌ لِأُمِّه، فلا بأسَ أن يَتزَوَّجَ الرجلُ تلك الأختَ، لِأَنَّ الفقهاءَ مجمعونَ على أَنّهُ لا بأسَ أن يَتَزَوَّجَ امرأةً، ويزَوِّجَ ابْنَهُ ابْنَتَها، وكذلك أن يَتَزَوَّجَ البنتَ ويُزَوِّجَ ابْنَهُ أُمَّها، وهذا يَقَعُ في الرَّضاعِ كما يَقَع في النَّسَبِ سَواءً. ولا بَأْسَ أنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُخْتَ أُختِهِ لأبيها من الرَّضاع، كأَنَّ امرأةً أَرْضَعَتْ رَجُلًا بِلَبانِ بنتٍ لها، ولتلك البِنْتِ أُخْتٌ لأبيها، فللرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَها، وهذا يَمْتَنِعُ في النَّسَب، لأنَّ النَّسبَ لا يكونُ فيه رَجُلٌ لَهُ أُخْتُ أَخٍ لأَبٍ إِلَّا والأَبُ يَجْمَعُ الثلاثةَ، فيكونُ أَبًا لهم جَميعًا فإنْ كانوا أخوةً متفرقينَ (٢) وكانَ للأخِ للأب أختٌ أنْ جاز لِكُلِّ واحدٍ من الأخَوَينِ أَنْ يَتَزَوَّجَها على ما مَرَّ مُتَّفِقُ القَوْل، وكذلك إنْ كان للأَخَوَينِ اللذين تَجْمَعُهما الأُمُّ أُخْتٌ لِأُمِّها جاز أن يَنْكِحَها الأخُ لِلأَبِ (٣).
_________________
(١) في الأصل: "التي".
(٢) في الأصل: "فإن كان أخوه متفرقون"، وهو وهم من الناسخ.
(٣) انظر حول هذه المسألة المهذّب لأبي إسحاق الشيرازي ٢/ ١٥٦ - ١٦٠.
[ ١٧٧ ]